< مياه النيل.. كيف أنهت رسالة ترامب "حقبة الحياد" وغيرت قواعد اللعبة؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

مياه النيل.. كيف أنهت رسالة ترامب "حقبة الحياد" وغيرت قواعد اللعبة؟

تحيا مصر

في منعطف جيوسياسي هو الأبرز منذ سنوات في ملف مياه النيل، أطلقت واشنطن ما يمكن وصفه بـ "رصاصة الرحمة" على حقبة حيادها الرمادي الذي استمر لسنوات. 

فالرسالة التاريخية التي بعث بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي في يناير 2026، لم تكن مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل مثلت "انقلاباً" في الاستراتيجية الأمريكية التي تبنت رسمياً، ولأول مرة، الرؤية المصرية القائمة على رفض "السيطرة الأحادية".

توقيت حساس ودلالات إقليمية

يربط مراقبون بين توقيت هذا التحرك الأمريكي والدور المصري المتصاعد في ملفات إقليمية حيوية، لا سيما في غزة والسودان. فالإدارة الأمريكية أدركت أن استقرار مشروع "مجلس سلام غزة" والترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط يرتبط بنيوياً بتأمين الجبهة المائية المصرية. 

لذا، جاءت الرسالة لتؤكد أن حقوق مصر في مياه النيل باتت "أولوية قصوى" على أجندة واشنطن، باعتبارها ضمانة لمنع انزلاق المنطقة نحو صراع عسكري واسع النطاق.

من "ميسر" إلى "ضامن وشريك"

بالمقارنة مع جهود واشنطن في عام 2020، تبرز فوارق جوهرية في هيكلية الوساطة الحالية، ففي عام 2020، اقتصر الدور الأمريكي على "تسهيل الحوار" الفني برعاية وزارة الخزانة، دون وجود أدوات ضغط سياسية كافية لإلزام الأطراف بالتوقيع.

أما في عام 2026: تحولت واشنطن إلى "شريك وضامن استراتيجي"، حيث تجاوزت لغة ترامب محاولات التوفيق الفني إلى فرض مبدأ "السيادة التشاركية" على الأنهار الدولية، واصفاً أي انفراد بالسيطرة بأنه "إضرار بالجيران".

وتتضمن المبادرة الحالية آلية "رصد وتنسيق" ميدانية بقيادة أمريكية مباشرة، وهو ما يحول التفاهمات الشفهية إلى التزامات قانونية ملزمة تضمن تدفق مياه النيل بانتظام، خاصة في سنوات الجفاف الطويل، مما يوفر غطاءً دولياً لمطالب دول المصب.

ضغط على أديس أبابا

تضع "الوساطة النهائية" التي عرضها ترامب صانع القرار في إثيوبيا أمام مسارين لا ثالث لهما الأول، المسار التعاوني: الانخراط في نظام إقليمي يضمن توليد الكهرباء مع الالتزام باتفاق قانوني يحمي حقوق الجيران، مقابل حوافز اقتصادية وتسهيلات لبيع الطاقة.

والثاني هو المسار الصدامي ويتمثل في مواجهة عزل دبلوماسي وضغوط سياسية واقتصادية من واشنطن وحلفائها الإقليميين، مما ينهي استراتيجية "كسب الوقت" التي انتهجتها أديس أبابا لسنوات.

اصطفاف إقليمي 

لم تكن المبادرة الأمريكية معزولة عن السياق العربي؛ إذ إن إرسال نسخ من الرسالة إلى قادة السعودية والإمارات يعكس رغبة واشنطن في حشد "قوة مالية وسياسية" لدعم الاتفاق المرتقب. 

ويرى محللون أن هذا الاصطفاف يحول قضية مياه النيل من نزاع فني محلي إلى ملف أمن قومي إقليمي ودولي، مما يعزز من فرص التوصل إلى تسوية شاملة تنهي حقبة التوتر وتبدأ مرحلة "العدالة المائية".

عام الحسم

وفقاً للمعطيات الحالية، يبدو أن عام 2026 سيكون عام الحسم في ملف سد النهضة. 

فتبني واشنطن للرؤية المصرية، مدعومة بآليات رقابة دولية، يمهد الطريق لتحويل النيل من شريان للنزاع إلى مساحة للتعاون الاقتصادي والتنموي، شريطة الالتزام بمبدأ "لا سيطرة أحادية" الذي بات الآن ركيزة السياسة الأمريكية في المنطقة.