< «الفلوس هتختفي».. قصة مفكر فرنسي أسلم في مصر وتنبأ بملامح عالمنا اليوم
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

«الفلوس هتختفي».. قصة مفكر فرنسي أسلم في مصر وتنبأ بملامح عالمنا اليوم

مفكر غربي خارج السرب
مفكر غربي خارج السرب

يُعدّ المفكر الفرنسي رينيه جينون (René Guénon)، المعروف بعد إسلامه باسم عبد الواحد يحيى، واحدًا من أبرز العقول الفلسفية في القرن العشرين، خاصة في مجال النقد الحضاري والفلسفة التقليدية.
لم يكن جينون مفكرًا عاديًا، بل شكّل حالة فكرية استثنائية تمردت على المسار السائد للفلسفة الغربية الحديثة.

وُلد جينون في فرنسا عام 1886، وبدأ حياته ناقدًا حادًا للفكر الغربي المادي، قبل أن يقوده بحثه العميق عن الحقيقة والمعنى إلى اعتناق الإسلام والتصوف، ليختار القاهرة مقرًا دائمًا له حتى وفاته عام 1951.

من باريس إلى القاهرة.. رحلة بحث عن المعنى

خلال إقامته في مصر، اندمج عبد الواحد يحيى في الحياة الفكرية والدينية، وارتبط بالمؤسسات العلمية، وشارك في ندوات فكرية داخل الأزهر الشريف.
هناك، صاغ رؤيته الفلسفية التي جمعت بين التراث الإسلامي، والحكمة الشرقية، ونقد الحداثة الغربية، في محاولة لإعادة الاعتبار للبعد الروحي الذي رآه مفقودًا في الحضارة الحديثة.

مدرسة “الموروث”.. الحكمة في مواجهة الحداثة

يُعد عبد الواحد يحيى من رواد ما يُعرف بـ المدرسة التقليدية أو مدرسة الموروث (Traditionalism)، وهي مدرسة فكرية تقوم على عدد من الأفكار الجوهرية، أبرزها:

  • الحضارات القديمة قامت على مبادئ روحية ثابتة
  • الحداثة قطعت صلتها بالمقدّس
  • التقدم المادي لا يعني بالضرورة تقدمًا إنسانيًا
  • فقدان الروح هو الجذر الحقيقي لأزمات العالم المعاصر

كان جينون يرى أن الإنسان الحديث كسب الآلة وخسر المعنى، وربح السرعة وخسر الحكمة.

كتاب صادم سبق زمنه

The Reign of Quantity and the Signs of the Times
الترجمة العربية: هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان

نُشر هذا الكتاب عام 1945، ويُعد من أخطر وأعمق كتب النقد الحضاري في القرن العشرين، لما يحمله من تشخيص جريء لمسار الحضارة الحديثة ومآلاتها.

ماذا قال عبد الواحد يحيى؟

في هذا العمل، قدّم جينون تصورًا فلسفيًا يرى أن العالم دخل مرحلة خطيرة سماها سيادة الكم، حيث:

  • تحوّل الإنسان إلى مجرد رقم
  • سيطر المال والآلة على القيم
  • تراجعت الجودة والمعنى لصالح الكثرة والسرعة
  • اختفت الحكمة لتحل محلها التقنية

وأكد أن هيمنة المال ليست دليل قوة، بل علامة على اقتراب الانهيار، موضحًا أن النظم الاقتصادية القائمة على المضاربات والديون مرشحة للتفكك، ليس بالضرورة عبر اختفاء العملة، ولكن عبر تفريغها من معناها الحقيقي وقيمتها الإنسانية.

هل تنبأ بواقعنا الحالي؟

لم يكن عبد الواحد يحيى عرّافًا أو متنبئًا بالغيب، لكنه امتلك قدرة تحليلية فلسفية عميقة مكّنته من استشراف اتجاه الحضارة الحديثة.
وقد حذّر بوضوح من:

  • تفكك البُنى الاجتماعية
  • سيطرة التكنولوجيا على الإنسان
  • طغيان الاستهلاك
  • فقدان الهوية والبعد الروحي
  • اضطراب القيم والمعايير

ويرى كثير من الباحثين اليوم أن أفكاره تتقاطع بشكل لافت مع أزمات العصر الحالي، من الأزمات الاقتصادية، إلى التفكك القيمي، وصولًا إلى القلق الوجودي الذي يطارد الإنسان المعاصر.

ماذا سيجد القارئ في هذا الكتاب؟

كتاب هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان ليس:

  • كتابًا دينيًا تقليديًا
  • ولا بيانًا سياسيًا مباشرًا

بل هو:

  • تحليل فلسفي لمسار البشرية
  • نقد جذري للحداثة
  • دعوة للعودة إلى المعنى لا الشكل
  • تحذير من عالم تحكمه الأرقام وتغيب عنه القيم

مفكر سبق عصره

يمثل عبد الواحد يحيى نموذجًا نادرًا لمفكر غربي اختار الشرق روحًا لا موطنًا فقط، وسبق زمنه في تشخيص أزمات لم تنفجر إلا بعد عقود من رحيله.

ويبقى كتاب «هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان» شاهدًا على حقيقة جوهرية:
أن أخطر ما يصيب الحضارات ليس الفقر أو التخلف، بل فقدان المعنى.