< مقامرة «الرأس».. خامنئي في قلب إحداثيات البنتاجون لضربة استباقية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

مقامرة «الرأس».. خامنئي في قلب إحداثيات البنتاجون لضربة استباقية

خامنئي
خامنئي

يقف خامنئي  اليوم في قلب عاصفة سياسية وعسكرية غير مسبوقة مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة أن الخيار العسكري بات مطروحاً بقوة على طاولة البحث. 

وحذر ترامب الحكومة الإيرانية من أن الوقت المتاح للتوصل إلى اتفاق عادل بدأ ينفد فعلياً، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية لن تقبل بأي مناورات تهدف لتعطيل المسار الدبلوماسي الحالي.

​تواترت الأنباء من داخل الدوائر السياسية في واشنطن لتشير إلى أن إدارة ترامب قد تبدي مرونة تكتيكية مفاجئة تجاه قضية تخصيب اليورانيوم المثيرة للجدل، فيما ويتمثل هذا التوجه الجديد في إمكانية القبول بمستوى تخصيب رمزي ومحدود للغاية داخل الأراضي الإيرانية، شريطة خضوعه لرقابة دولية صارمة تضمن عدم تحويله أبداً نحو إنتاج سلاح نووي يهدد أمن المنطقة.

حسب تقرير لـ بي بي سي فإن ​الخطة الأمريكية المقترحة تهدف إلى إيجاد مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف المعنية، مع التشديد على أن الخطوط الحمراء لواشنطن لا تزال قائمة وثابتة. ويرى مراقبون أن هذا العرض يمثل فرصة أخيرة لتجنب مواجهة عسكرية شاملة، خاصة وأن التفاصيل التقنية الدقيقة هي التي ستحدد مدى جدية طهران في الالتزام بأي تعهدات دولية مستقبلية.

​خامنئي والخيارات العسكرية الصارمة للبنتاغون

​خامنئي ونجله مجتبى تصدرا قائمة الأهداف المحتملة في السيناريوهات العسكرية التي عرضتها وزارة الدفاع الأمريكية مؤخراً على مكتب الرئيس دونالد ترامب. وتتضمن هذه الخطط المتقدمة خيارات لا تقتصر فقط على تدمير المنشآت النووية، بل تمتد لتشمل استهداف الرؤوس السياسية والدينية في النظام الإيراني، فيما وصفه مسؤولون أمريكيون بأنه سعي حقيقي لتغيير القيادة.

​التحذيرات الأمريكية ترافقت مع تحديد مهلة زمنية قاطعة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً، وهي مدة اعتبرها المحللون قصيرة جداً لاتخاذ قرارات استراتيجية بهذا الحجم. وأكد ترامب أن العواقب ستكون وخيمة للغاية إذا لم تقدم طهران عرضاً مقنعاً ينهي القلق الدولي تجاه برنامجها النووي المثير للشكوك، مما يضع ضغوطاً هائلة على مراكز صنع القرار في طهران.

​التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة شهد تعزيزات ضخمة مع وصول حاملة الطائرات "جيرالد فورد" إلى مياه البحر الأبيض المتوسط لتعزيز القوات الموجودة هناك. وتعمل هذه القاذفات العائمة بالتنسيق مع حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" والمدمرات الصاروخية المرافقة لها، مما يخلق كماشة عسكرية تحيط بالمصالح الإيرانية وتؤكد جاهزية واشنطن لتنفيذ ضربات دقيقة وسريعة إذا ما لزم الأمر.

​موقف الدبلوماسية الإيرانية من التهديدات

​خامنئي يوجه التحركات الدبلوماسية التي يقودها وزير الخارجية عباس عراقجي، والذي أكد بدوره أن طهران تعمل حالياً على صياغة مسودة مقترح جديد للرد على المطالب الأمريكية. وأوضح عراقجي أن المحادثات التي جرت في جنيف كانت بناءة إلى حد ما، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاتفاق الوشيك، محذراً من أن لغة التهديد العسكري لن تخدم الاستقرار.

​عراقجي نفى في تصريحاته الأخيرة صحة الأرقام التي تداولها الرئيس ترامب بشأن أعداد الضحايا في الاضطرابات الداخلية، واصفاً إياها بالمبالغ فيها وغير المستندة إلى أدلة. وأكد أن الحكومة الإيرانية تتبع سياسة الشفافية الكاملة، حيث نشرت قوائم دقيقة بأسماء الضحايا، مشدداً على أن استهداف القيادة السياسية أو الرموز الدينية سيؤدي إلى ردود فعل لا يمكن التنبؤ بها.

​الخلاف الجوهري حول مسألة "صفر تخصيب" لا يزال يشكل العقبة الكبرى في طريق المفاوضات، حيث تصر طهران على أن التخصيب لأغراض مدنية هو حق سيادي. ومع ذلك، يرى الجانب الأمريكي أن أي مستوى من التخصيب يمثل خطراً كامناً، وهو ما يحاول الوسطاء الدوليون حله عبر صيغة التخصيب الرمزي التي قد تنهي حالة الجمود السياسي الراهنة.

​الاستنفار الدولي وهروب الرعايا من المواجهة

​خامنئي وحكومته يراقبون بقلق إقدام دول أوروبية مثل النرويج وألمانيا على سحب أجزاء من قواتها المتمركزة في العراق والمناطق المجاورة لإيران بشكل مفاجئ. وبررت هذه الدول قراراتها بتدهور الوضع الأمني الملحوظ، مما يعطي إشارة واضحة للمجتمع الدولي بأن احتمالية اندلاع شرارة الحرب أصبحت أقرب من أي وقت مضى نتيجة تعثر المسار الدبلوماسي.

​رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أطلق نداءً تحذيرياً لمواطنيه بضرورة مغادرة الأراضي الإيرانية فوراً، مؤكداً أن خطر النزاع المفتوح بات حقيقة واقعة لا يمكن تجاهلها. وتعكس هذه الدعوات حالة من اليأس الدبلوماسي لدى الحلفاء الأوروبيين، الذين يرون أن الفجوة بين طهران وواشنطن قد اتسعت إلى حد يصعب معه العودة إلى طاولة المفاوضات الهادئة.

​إيران من جانبها وجهت رسائل رسمية شديدة اللهجة إلى الأمم المتحدة، أكدت فيها أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي عدوان خارجي يستهدف أراضيها أو رموزها. وأشارت الرسالة إلى أن كافة المصالح والأصول الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ستكون أهدافاً مباشرة للقوات المسلحة الإيرانية، مما يرفع سقف التهديدات المتبادلة إلى مستويات تنذر بكارثة إقليمية شاملة.

​خامنئي يواجه الآن ضغوطاً داخلية من التيار المتشدد الذي يرفض تقديم أي تنازلات، وضغوطاً خارجية من إدارة ترامب التي لا تقبل بأقل من تفكيك القدرات النووية. ويبقى القرار النهائي بيد القيادة العليا في طهران، التي سيتعين عليها الاختيار بين قبول "الاتفاق العادل" الذي يطرحه ترامب، أو مواجهة آلة عسكرية أمريكية تتحرك فعلياً نحو تنفيذ ضربات جراحية.

​الحشد العسكري والتوقعات الجيوسياسية

​الحشود العسكرية الأمريكية الضخمة في المنطقة ليست مجرد استعراض للقوة، بل هي جزء من استراتيجية "الضغط الأقصى" التي تنتهجها إدارة ترامب بنسختها الجديدة. ويرى الخبراء العسكريون أن وجود حاملتي طائرات في وقت واحد يعطي واشنطن القدرة على شن عمليات جوية وبحرية متواصلة وعلى مدار الساعة، مما يشل حركة أي رد فعل إيراني محتمل في مراحله الأولى.

​التقارير الواردة من واشنطن تشير إلى أن الخطط العسكرية تتضمن تدمير مجمعات التخصيب تحت الأرض، مثل منشأة فردو، باستخدام قنابل خارقة للحصون تم تطويرها خصيصاً لهذه المهمة. وتتزامن هذه التهديدات مع رصد صور أقمار صناعية تظهر تحصينات جديدة في المواقع النووية الإيرانية، مما يشير إلى أن طهران كانت تتحسب لمثل هذا السيناريو التصعيدي منذ فترة طويلة.

​الوضع الاقتصادي في إيران يمثل ضغطاً إضافياً على صانع القرار، حيث يعاني الشعب من عقوبات خانقة أدت إلى تدهور العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم. ويدرك ترامب أن الداخل الإيراني هش بما يكفي لجعل الضغط العسكري والسياسي وسيلة فعالة لتحقيق مكاسب تفاوضية لم تكن ممكنة في السابق، خاصة مع وجود انقسام في وجهات النظر الدولية تجاه الأزمة.

​خامنئي يدرك تماماً أن قبول التخصيب الرمزي قد يكون المخرج الوحيد المتاح لتجنب كارثة وطنية، لكنه يخشى في الوقت نفسه من أن يكون ذلك مجرد خطوة أولى نحو تنازلات أوسع. وتراقب القوى الإقليمية، وخاصة حلفاء واشنطن في المنطقة، هذه التطورات بحذر شديد، حيث يخشى الجميع من تداعيات أي مواجهة عسكرية على إمدادات الطاقة العالمية والأمن الملاحي في مضيق هرمز.

​ختاماً، فإن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية، فإما أن تشهد ولادة اتفاق نووي جديد بملامح "ترامبية" واضحة، أو تنزلق المنطقة نحو حرب. والكرة الآن في ملعب طهران التي يتعين عليها الرد على المهلة الأمريكية قبل فوات الأوان، في ظل وجود قيادة أمريكية تبدو أكثر تصميماً من أي وقت مضى على إنهاء الملف النووي الإيراني.