< عدو أمريكا وإسرائيل.. خامنئي من «الناجي الوحيد» إلى القتيل الأخير
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

عدو أمريكا وإسرائيل.. خامنئي من «الناجي الوحيد» إلى القتيل الأخير

خامنئي
خامنئي

​استيقظ العالم على وقع انفجارات هزت قلب العاصمة الإيرانية طهران لترسم نهاية حقبة سياسية ودينية امتدت لعقود طويلة مع إعلان مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي. جاءت هذه الضربة العسكرية العنيفة لتستهدف هرم السلطة في نظام صاغ معالم الشرق الأوسط عبر شبكة معقدة من الولاءات الأيديولوجية والمليشيات المسلحة العابرة للحدود الوطنية. إن غياب المرشد الذي أحكم قبضته على مفاصل الدولة منذ وفاة الخميني يمثل زلزالاً سياسياً لا تتوقف ارتداداته عند حدود الجغرافيا الإيرانية بل تمتد لتشمل موازين القوى العالمية وصراعات المحاور.

​حسب تقرير لوكالة رويترز ومصادر استخباراتية مطلعة فإن الهجمات الجوية المكثفة التي نفذتها مقاتلات إسرائيلية استهدفت بشكل دقيق المقر السري والمكاتب التابعة للزعيم خامنئي. ورغم الأنباء الأولية التي تحدثت عن نقله إلى مكان آمن خارج العاصمة قبل بدء القصف إلا أن صور الأقمار الاصطناعية أظهرت دماراً شاملاً في المواقع السيادية الحساسة. أكدت السلطات الإيرانية لاحقاً نبأ الوفاة الذي وصفته بالخسارة الفادحة للثورة الإسلامية وسط ترقب دولي لمسار الرد العسكري الإيراني المحتمل وتداعياته.

​مسار الصعود من الرئاسة الشرفية إلى المرشد المطلق

​بدأ علي خامنئي رحلته في أروقة السلطة كشخصية توصف بالضعف والافتقار للكاريزما مقارنة بسلفه مؤسس الجمهورية آية الله روح الله الخميني الذي قاد الثورة ضد الشاه. لم يكن الزعيم الراحل يمتلك عند تعيينه المؤهلات الدينية العليا التي تفرضها تقاليد الحوزة العلمية مما جعله يواجه معارضة خفية من كبار رجال الدين والمراجع. لكنه بذكاء سياسي حاد استطاع الالتفاف على هذه العقبات عبر بناء تحالفات وثيقة مع المؤسسة العسكرية الناشئة التي كانت تتطلع لدور أكبر.

​اعتمد الزعيم في تثبيت أركان حكمه على ذراع عسكري قوي تمثل في الحرس الثوري الإيراني الذي حوله من قوة دفاعية إلى إمبراطورية أمنية واقتصادية عابرة للحدود. استثمر خامنئي في هذه المؤسسة لضمان ولائها المطلق له شخصياً بعيداً عن مؤسسات الدولة المنتخبة التي كان يراها مجرد واجهة إدارية لتسيير الشؤون اليومية للشعب. بمرور الوقت أصبح القائد الأعلى هو المصدر الوحيد للقرارات السيادية الكبرى سواء في ملفات الاقتصاد المنهك أو العلاقات الخارجية المتوترة دائماً.

​شكلت محاولة الاغتيال التي تعرض لها في ثمانينيات القرن الماضي منعطفاً نفسياً عميقاً في شخصيته حيث أصيب بشلل في ذراعه اليمنى جراء انفجار قنبلة مخبأة. ولدت هذه الحادثة لديه شعوراً دائماً بالقلق من الخيانة والارتياب تجاه المعارضين في الداخل والقوى الخارجية التي يصفها بالاستكبار العالمي وعلى رأسها الولايات المتحدة. انعكست هذه الهواجس على طريقة إدارته للدولة حيث فضل السرية المطلقة والاعتماد على دائرة ضيقة جداً من المستشارين العسكريين والأمنيين المخلصين.

​التوسع الإقليمي وسياسة تصدير الثورة عبر الوكلاء

​لم يكتف القائد الراحل بترسيخ سلطته في الداخل بل عمل على مد نفوذ الجمهورية الإسلامية إلى عواصم عربية متعددة عبر استراتيجية "الدفاع المتقدم" والمليشيات المسلحة. نجح خامنئي في بناء شبكة معقدة من الفصائل في العراق وسوريا ولبنان واليمن لتكون بمثابة حائط صد استراتيجي يحمي المركز في طهران من أي تهديد مباشر. كانت هذه الأذرع تنفذ أجندة القائد في زعزعة استقرار الخصوم الإقليميين وتحدي الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي.

​اعتبر المرشد أن برنامج الصواريخ الباليستية هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام في وجه التهديدات الإسرائيلية المتزايدة والضغوط الغربية المستمرة لتغيير سلوك طهران السياسي. رفض خامنئي تقديم أي تنازلات جوهرية في هذا الملف الاستراتيجي رغم العقوبات الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى انهيار العملة المحلية وارتفاع معدلات التفقر والبطالة. كان يرى في التراجع عن القوة العسكرية انتحاراً سياسياً يشجع الأعداء على الانقضاض على مكتسبات الثورة التي كرس حياته للحفاظ عليها وتوسيعها.

​تزامنت لحظات الضعف الإقليمي الأخيرة مع تراجع نفوذ طهران في دمشق وبيروت إثر الضربات العسكرية المتلاحقة التي استهدفت البنية التحتية لحلفائها الاستراتيجيين في المنطقة الملتهبة. شعر خامنئي في أيامه الأخيرة بضيق الخناق الدولي عليه خاصة مع عودة التهديدات الأمريكية باستخدام القوة العسكرية لتدمير المنشآت النووية وتغيير قواعد الاشتباك. ومع ذلك ظل متمسكاً بخطابه المتشدد الذي يرفض التفاوض تحت الضغط معتبراً أن "المرونة البطولية" لها حدود لا يمكن تجاوزها أبداً.

​الأزمات الداخلية وقمع الحركات الاحتجاجية المتصاعدة

​واجه النظام تحت قيادة المرشد الراحل موجات متتالية من الغضب الشعبي كان أعنفها احتجاجات العام الماضي التي طالبت بإسقاط منظومة الحكم الديني القائمة منذ عقود. لم يتردد خامنئي في إعطاء الأوامر المباشرة لقوات البسيج والحرس الثوري باستخدام القوة المفرطة والذخيرة الحية لإنهاء ما وصفه بـ "أعمال الشغب" المدعومة خارجياً. سقط مئات القتلى في الشوارع الإيرانية بينما ردد المتظاهرون الشباب هتافات معادية لشخصه تطالب برحيله وإنهاء حقبة الاستبداد الديني المطلق.

​استخدم الزعيم الأعلى المؤسسات المالية الضخمة التي تقع تحت سيطرته المباشرة لتمويل أجهزة القمع وضمان استمرارية النظام رغم العزلة الدولية المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني. تمثل مؤسسة "ستاد" العملاقة الذراع الاقتصادي الذي سمح للقائد بالتحكم في ثروات هائلة بعيداً عن رقابة البرلمان أو الحكومة أو أجهزة التفتيش الرسمية. مكنت هذه الثروة خامنئي من شراء الولاءات داخل النخبة الحاكمة وتوفير الدعم اللازم لاستمرار العمليات العسكرية الخارجية التي تستنزف ميزانية الدولة المثقلة بالديون.

​يرى الباحثون أن القمع الداخلي لم يكن مجرد خيار أمني بل كان عقيدة سياسية يؤمن بها المرشد لمنع تكرار سيناريو سقوط الشاه الذي يراه نتيجة للضعف. كان خامنئي يعتقد أن تقديم أي تنازل للمحتجين سيؤدي بالضرورة إلى انهيار كامل للمنظومة الثورية ولذلك اختار دائماً طريق المواجهة الأمنية القاسية والاعتقالات الجماعية. خلقت هذه السياسة فجوة عميقة بين جيل الشباب الطامح للحرية والانفتاح وبين القيادة العجوز التي تعيش في جلباب الماضي الأيديولوجي المتشدد.

​الاتفاق النووي وصراع الإرادات مع القوى الغربية

​شكل الملف النووي الإيراني أحد أعقد الملفات التي أدارها الزعيم الأعلى بحذر شديد محاولاً الموازنة بين الحاجة لرفع العقوبات والرغبة في امتلاك التكنولوجيا النووية. سمح خامنئي بإبرام الاتفاق النووي في عام ألفين وخمسة عشر تحت ضغط الانهيار الاقتصادي الوشيك لكنه ظل متشككاً في نيات واشنطن تجاه بلاده. وعندما انسحبت الإدارة الأمريكية من الاتفاق وأعادت فرض العقوبات دفع القائد بلاده نحو التصعيد النووي وزيادة نسب تخصيب اليورانيوم بشكل استفزازي وخطير.

​كان القائد الراحل يستخدم المفاوضات النووية كأداة للمناورة وكسب الوقت لتعزيز قدراته الدفاعية وتطوير أسلحة قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي المعادية له ولنظامه. لم يثق خامنئي يوماً في الوعود الغربية وكان يرى في الدبلوماسية مجرد ساحة حرب أخرى تتطلب "مرونة بطولية" تكتيكية دون المساس بالثوابت الثورية الكبرى. أدى هذا النهج المتصلب إلى دخول إيران في نفق مظلم من المواجهات الدبلوماسية التي انتهت أخيراً بالانفجار العسكري الكبير الذي أودى بحياته.

​تسبب تمسك الزعيم بمطالبه المتشددة في إفشال محاولات الوساطة الدولية الأخيرة التي كانت تهدف لتجنب الصراع الشامل في منطقة الشرق الأوسط المضطربة أمنياً وسياسياً. فضل خامنئي المضي قدماً في تحدي الإرادة الدولية معتمداً على دعم محدود من حلفاء دوليين يرون في إيران ورقة ضغط مفيدة ضد المصالح الأمريكية والغربية. لكن الحسابات العسكرية الدقيقة للقوى المهاجمة كانت أسرع من قدرة النظام على المناورة مما أدى إلى هذه النهاية المأساوية لقائد الثورة الثاني.

​مستقبل إيران ما بعد الزعيم وتحديات الخلافة

​يفتح غياب القائد الأعلى الباب على مصراعيه أمام صراعات قوى محتدمة داخل أجنحة النظام الإيراني حول من سيخلف الرجل الذي سيطر على كل شيء. تفتقر الجمهورية الإسلامية حالياً لشخصية تحظى بنفس الثقل الديني والعسكري الذي تمتع به خامنئي مما قد يؤدي إلى انقسامات حادة داخل مجلس الخبراء المكلف بالاختيار. تبرز أسماء متشددة من داخل الحرس الثوري تسعى لفرض وصايتها العسكرية المباشرة على منصب المرشد لضمان استمرار النهج الصدامي مع العالم.

​يواجه الشعب الإيراني في هذه اللحظة التاريخية خيارات صعبة بين استمرار النهج الثوري المتشدد أو المطالبة بتغيير جذري في هيكلية السلطة والسياسات العامة للدولة المنهكة. غياب خامنئي قد يكون المحفز لانفجار موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية التي ترى في رحيله فرصة ذهبية لفك الارتباط بنظام "ولاية الفقيه" المثير للجدل. وفي المقابل قد يلجأ الجناح العسكري المتطرف لتشديد قبضته الأمنية وإعلان حالة الطوارئ لمنع أي تحرك جماهيري يهدد بقاء مؤسسات النظام الحاكم.

​تراقب العواصم العالمية بقلق شديد مآلات السلطة في طهران حيث يتوقع أن يكون الصراع على الكرسي مريراً وقد يتطور إلى اشتباكات داخلية بين مراكز القوى. لقد رحل خامنئي وترك وراءه إرثاً ثقيلاً من الأزمات الاقتصادية والعداوات الدولية وشبكة من الوكلاء الذين قد يفقدون بوصلتهم السياسية دون توجيهاته المباشرة والمركزية. إن مقتل الزعيم الأعلى ليس مجرد نهاية لشخص بل هو اختبار حقيقي لصمود نظام سياسي بني على كاريزما الفرد وسلطة المرشد المطلقة.