< على حافة الانفجار… الأسوأ قد يكون قادماً
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

على حافة الانفجار… الأسوأ قد يكون قادماً

تحيا مصر

مساء اليوم  الاثنينِ  تنتهي مهلةُ الإنذار الذي وجّهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إيران لفتح مضيق هرمز، وإلا ستواجه استهدافًا شاملاً لكافه منشآت الطاقة، بما قد يُدخل البلاد في حالة من الظلام الدامس ، وفي هذا التوقيت الحرج، تبدو هذه التطورات وكأنها تدفع المنطقة إلى حافة لحظة فارقة قد تعيد تشكيل معادلات الأمن والطاقة، ليس فقط من حيث موازين القوة، بل من حيث طبيعة الصراع نفسه، في لحظة تختلط فيها الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية والاقتصادية على نحو غير مسبوق.

فالتهديد الأمريكي، بصيغته المباشرة واتساع نطاقه، يعكس تحولًا نوعيًا من سياسة الضغط والاحتواء إلى منطق فرض الوقائع بالقوة، إذ إن استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران لن يُقرأ كضربة محدودة، بل كمساس مباشر بقدرات الدولة ووظائفها الحيوية، ما يجعل الرد الإيراني ليس احتمالًا قائمًا فحسب، بل شبه حتمي، وفي اتجاه تصعيدي قد يتجاوز حدود الاشتباك التقليدي إلى استهدافات أوسع وأكثر تأثيرًا.

وفي المقابل، يبدو أن إيران تتعامل مع هذه المهلة بوصفها اختبارًا قاسياً  لقدرتها على الصمود ،  ومن ثم، فإن تمسكها بخيارات الردع لا يأتي فقط من منطلق عسكري، بل من حسابات تتعلق بهيبة الدولة ومصداقية مواقفها، وهو ما يفسر التلويح بالاستمرار في إغلاق مضيق هرمز، أو توسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت الطاقة ومحطات تحلية مياه البحر في دول الخليج، ومثل هذا السيناريو لا يهدد فقط تدفقات البترول والغاز، بل يمتد أثره ليطال مقومات الحياة الأساسية في تلك الدول، حيث تعتمد قطاعات واسعة من السكان على تحلية المياه كمصدر رئيسي للمياه العذبة، ما يفتح الباب أمام تداعيات إنسانية تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة.

وتتضاعف خطورة هذا المشهد إذا ما أُخذ في الاعتبار الدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في منظومة الطاقة والتجارة العالمية، إذ يمر عبره ما يُقدَّر بنحو 20% من إجمالي استهلاك البترول العالمي، أي ما يقارب إلى 25 مليون برميل من البترول يومياً ، ما يجعله الشريان الأهم لتدفقات الطاقة على مستوى العالم. ولا يقتصر الأمر على البترول، بل يشهد المضيق أيضًا عبور ما يقرب من ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، خاصة من قطر، أحد أكبر مصدري الغاز في العالم، وهو ما يمنحه وزنًا استراتيجيًا مضاعفًا في معادلة أمن الطاقة الدولي.

وبالتالي، فإن استمرار  تعطل في هذا الممر الحيوي لن يؤدي فقط إلى ارتفاع حاد في أسعار البترول والغاز التي بدأت بالفعل في تسجيل ارتفاعات ملحوظة ، بل قد يُحدث صدمة مزدوجة في أسواق الطاقه والنقل معًا، بما يعزز من احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في مرحله من الركود التضخمي التي تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد في توقيت لم يتعافَ فيه بالكامل من أزماته المتلاحقة، وهنا، يتحول الصراع من كونه إقليميًا محدود النطاق إلى أزمة ذات أبعاد دولية ممتدة، تتشابك فيها مصالح القوى الكبرى، وتتداخل حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية على نحو بالغ التعقيد.

كما أن ضيق الإطار الزمني المتبقي قبل انتهاء المهلة يقلص من فرص الوساطات الدبلوماسية، ويضعف قدرة الأطراف الدولية على التدخل الفعّال لاحتواء التصعيد، فحين يتحول عامل الوقت إلى أداة ضغط بحد ذاته، تتراجع فرص الحلول الوسط، ويزداد خطر الانزلاق إلى قرارات متسرعة قد تُتخذ تحت وطأة الحسابات المتعجلة ، لا التقديرات الاستراتيجية بعيدة المدى.

وفي ضوء كل ما سبق، تبدو المنطقة وكأنها أمام لحظة اختبار قاسية، ومن ثم، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت المواجهة ستقع، بل إلى أي مدى يمكن احتواؤها، وما إذا كانت الأطراف المختلفة تملك بالفعل الأدوات السياسية والعسكرية لتجنب الانزلاق نحو سيناريو اكثر خطوره .

فالأسوأ قد يكون قادمًا… ليس فقط لأن أدوات التصعيد أصبحت أكثر تدميرًا واتساعًا، بل أيضًا لأن منطق إدارة الأزمات ذاته بات أكثر هشاشة، في ظل تراجع مساحات التفاهم، وتصاعد رهانات القوة، وتآكل الثقة بين الأطراف الفاعلة، وفي مثل هذه البيئة، تصبح أي شرارة—مهما بدت محدودة—قادرة على إشعال حريق واسع، قد لا تقتصر تداعياته على حدود المنطقة، بل تمتد لتطال استقرار النظام الدولي بأسره.

 

السفير عمرو حلمي