"بعد البراءة التاريخيه" لاول تطبيق لحكم" الدستورية ".. أهمية الشرعية الجنائية لحماية حقوق الأفراد والمجتمع؟
في تطور قضائي لافت يعيد رسم حدود التجريم والعقاب في قضايا" المخدرات"، أصدرت محكمة جنايات مستأنف الفيوم برئاسة المستشار شريف إسماعيل، وعضوية كلا من المستشار أحمد عابد ، والمستشار أحمد معوض ، حكمًا تاريخيًا بالبراءة، في أول تطبيق عملي لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 16 فبراير 2026، والذي قضى بعدم دستورية قرارات إدراج بعض المواد التخليقية بجداول المخدرات لصدورها من جهة غير مختصة.
الحكم لم يكن مجرد براءة لمتهم، بل رسالة قانونية حاسمة تؤكد أن “الشرعية الجنائية” تظل الحصن الأول لحماية الحقوق والحريات، وأنه لا مجال للتوسع أو الاجتهاد في التجريم خارج حدود النصوص القانونية الصحيحة.
ملخص الحكم.. لماذا قضت المحكمة بالبراءة؟
تعود وقائع القضية إلى اتهام أحد الأشخاص بإحراز مادة «الأندازول كاربوكساميد» بقصد الاتجار، استنادًا إلى إدراجها ضمن جداول المواد المخدرة بقرار صادر عن رئيس هيئة الدواء المصرية.
غير أن المحكمة، وبالاستناد إلى حكم المحكمة الدستورية العليا، انتهت إلى أن هذا القرار صدر من غير الجهة المختصة قانونًا، إذ إن القانون رقم 182 لسنة 1960 منح سلطة تعديل جداول المخدرات حصريًا لوزير الصحة، دون غيره.
وبناءً عليه، رأت المحكمة أن:
سند التجريم قد سقط لصدوره من جهة لا تملك قانونًا سلطة التجريم
النص الذي استندت إليه الاتهامات يعد منعدمًا من الناحية القانونية
ولا يمكن إدانة متهم بناءً على قرار غير دستوري أو غير مختص
كما شددت المحكمة من جانبها ، على أن التجريم في جرائم المخدرات لا يقوم على التشابه أو الانتماء الكيميائي العام، بل يتطلب تطابقًا دقيقًا بين المادة المضبوطة ونص قانوني صحيح يدرجها صراحة.
التقارير الفنية.. لا مجال للغموض
ومن بين الركائز التي اعتمد عليها الحكم
التأكيد على أن الأدلة الفنية، وعلى رأسها تقارير المعمل الكيماوي، يجب أن تكون حاسمة ومحددة.
وأوضحت المحكمة أن:
أي غموض أو تعميم في وصف المادة يفسر لصالح المتهم
لا يجوز الإدانة بناءً على احتمالات أو استنتاجات غير قاطعة
الأصل هو البراءة، ولا يُهدم إلا بدليل يقيني واضح
لذا وجب علينا وبعد هذا الحكم التاريخي تعريف وتذكير المجتمع كله بأهمية الشرعية الجنائية في صون وحماية حقوق وحرياتهم باعتبارها خط الدفاع الأول عن حريتك
ماهي الشرعية الجنائية ؟
في ضوء هذا الحكم، يبرز مبدأ “الشرعية الجنائية” كأحد أهم أعمدة العدالة الجنائية، وهو مبدأ دستوري راسخ يقوم على قاعدة جوهرية وهي..
“لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني صحيح سابق على الفعل”
ويعني ذلك أن:
لا يُجرَّم أي فعل إلا إذا كان هناك نص قانوني واضح ومحدد يجرّمه
ويجب أن يصدر هذا النص من الجهة المختصة التي حددها الدستور والقانون
ولا يجوز التوسع في تفسير النصوص العقابية أو القياس عليها أي غموض في النص يُفسر لصالح المتهم
لماذا يُعد هذا المبدأ بالغ الأهمية؟
تكمن أهمية الشرعية الجنائية في أنها:
تحمي الأفراد من التجريم التعسفي أو المفاجئ
تضمن وضوح القواعد القانونية واستقرارها
تمنع السلطات من خلق جرائم بقرارات إدارية أو اجتهادات قضائية
تعزز مبدأ سيادة القانون وخضوع الجميع له
كما ترتبط بها “الشرعية الإجرائية”، التي تفرض أن تكون جميع الإجراءات الجنائية من أول القبض حتى المحاكمة خاضعة للقانون وتحت إشراف القضاء، بما يحفظ الكرامة الإنسانية والحرية الشخصية.
بين حماية المجتمع وصون الحقوق
ومن هذا المنطلق، أكد الحكم أن مكافحة الجريمة، مهما كانت خطورتها، لا يمكن أن تتم على حساب الدستور أو عبر تجاوز الضوابط القانونية، مشددًا على أن حماية المجتمع لا تنفصل عن حماية حقوق الأفراد.
فالتوسع في التجريم دون سند قانوني صحيح قد يفتح الباب لانتهاك الحريات، وهو ما يتعارض مع جوهر العدالة.
الخلاصة
يمثل هذا الحكم نقطة تحول مهمة في مسار العدالة الجنائية، إذ أعاد التأكيد على أن الشرعية الجنائية ليست مجرد مبدأ نظري، بل ضمانة حقيقية تحكم كل اتهام وكل حكم.
وفي وقت تتزايد فيه التحديات القانونية المرتبطة بالمواد التخليقية، يظل الالتزام بالنصوص القانونية الصحيحة وحده هو الفيصل بين الإدانة والبراءة، وبين العدالة والتجاوز.