< خبير: إيران تستخدم العملات الرقمية للالتفاف على العقوبات الأمريكية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

خبير: إيران تستخدم العملات الرقمية للالتفاف على العقوبات الأمريكية

تحيا مصر

تزامناً مع جهود التوصل إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، بدأت ملامح استراتيجية إيرانية جديدة تتبلور للالتفاف على العقوبات الدولية عبر بوابة مضيق هرمز. وتستكشف طهران حالياً نظاماً لتحصيل رسوم عبور السفن بالعملات الرقمية في الممر المائي الذي يمر عبره خُمس النفط العالمي، في خطوة تهدف لحماية إيراداتها من المصادرة الأمريكية.

كشف أري ريدبورد، رئيس قسم السياسات في "مختبرات تي آر إم"، عن تحرك إيراني مكثف لاستخدام العملات الرقمية كأداة رئيسية للالتفاف على العقوبات الأمريكية، تزامناً مع تبلور ملامح اتفاق هش لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.

ومختبرات تي آر إم (TRM Labs) هي مؤسسة عالمية متخصصة في ذكاء "سلسلة الكتل" وتحليل البيانات المالية الرقمية؛ تهدف لمكافحة الجرائم المالية وتتبع تدفقات الأموال المشبوهة والالتفاف على العقوبات الدولية باستخدام تقنيات رصد متطورة.

وفي مقابلة مع تلفزيون بلومبرج، أوضح ريدبورد أن طهران ألمحت إلى رغبتها في تحصيل رسوم عبور السفن عبر مضيق هرمز بالعملات المشفرة، لضمان حماية هذه العائدات من المصادرة الدولية. 

وأشار المسؤول السابق في خزانة الدولة الأمريكية إلى أن إيران، التي يمر عبر حدودها البحرية نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، تسعى لاستغلال البنية التحتية للأصول الرقمية للإفلات من الرقابة المالية التقليدية.

وأكد ريدبورد خلال المقابلة أن "مختبرات تي آر إم" تتابع عن كثب أي نشاط مشبوه عبر "سلسلة الكتل"، لافتاً إلى أنه رغم عدم رصد عمليات دفع واسعة النطاق حتى الآن، إلا أن المؤشر الحقيقي يكمن في اعتماد طهران لهذه التكنولوجيا كبديل لـ "اليوان" الصيني والأنظمة المالية التي تخضع للملاحقة الأمريكية.

قط وفار 

وفي سياق متصل، أكد أري ريدبورد أن لجوء طهران للعملات الرقمية لا يمنحها حصانة كاملة، موضحاً أن طبيعة عملة "البتكوين" القائمة على سجل عام ومفتوح تتيح لأجهزة إنفاذ القانون ووكالات الأمن القومي تتبع تدفقات الأموال بدقة وبناء تحقيقات قد تنتهي بمصادرة تلك الأصول.

ووصف ريدبورد المشهد الحالي بأنه "لعبة قط وفأر" محتدمة بين الميسرين الماليين التابعين للحرس الثوري الإيراني وأجهزة الأمن القومي؛ حيث تحاول الأخيرة منع تحويل الأصول الرقمية إلى سيولة نقدية تُستخدم في نشر الأسلحة وزعزعة استقرار المنطقة وتمويل الإرهاب. وأشار إلى أن كل معاملة تتم لتسديد رسوم عبور السفن ستكون مسجلة على "سلسلة الكتل" ومتاحة للرقابة الدولية، مما يجعل تلك السفن أهدافاً فورية للملاحقة عالمياً.

واستشهد المسؤول السابق في خزانة الدولة الأمريكية بنجاح واشنطن مؤخراً في فرض عقوبات على منصة "زد سيكس"، التي استخدمها الحرس الثوري لغسل نحو مليار دولار كانت مخصصة لبرامج التسلح. وأوضح أن هذا الإنجاز تحقق بفضل التعاون بين "مختبرات تي آر إم" ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، الذين تمكنوا من كشف عناوين المحافظ الرقمية المرتبطة بالنظام الإيراني وتفكيك بنيته التحتية الرقمية.

ملاحقة المحافظ المشبوهة

وفي معرض رده على آليات الرقابة، كشف أري ريدبورد لشبكة بلومبرغ أن جهود التتبع تتركز حالياً على رصد التحويلات المالية الضخمة المرتبطة بمحافظ رقمية تابعة لـ "الحرس الثوري الإيراني". وأشار إلى أن الملاحقة لم تعد تقتصر على المعاملات الفردية المتفرقة، بل انتقلت لمواجهة ما وصفه بمرحلة "البنية التحتية الكبرى"، حيث تسخر طهران منصات متكاملة وعملات مستقرة لنقل الأموال على نطاق واسع.

وأوضح رئيس قسم السياسات في "مختبرات تي آر إم" أن الوكالات الدولية تراقب بدقة تدفق المبالغ الضخمة عبر منصات تداول إيرانية، مثل منصة "نوفاتكس"، بهدف ربطها مباشرة بالنشاطات المالية للحرس الثوري. وأكد ريدبورد أن هذا التحول في الأساليب الإيرانية، الذي يشمل استخدام "الشركات الوهمية" والمنظومات الرقمية المتطورة، يضع أجهزة إنفاذ القانون في حالة استنفار لتعقب أي انتهاك لقوانين مراقبة الصادرات أو محاولات غسل الأموال المخصصة لبرامج التسلح.

سلاح العقوبات الثانوية

وبشأن سبل قطع الطريق أمام التحركات الإيرانية، شدد أري ريدبورد على أن الحل يكمن في مواصلة تشديد العقوبات لضمان إبقاء العمليات المالية الإيرانية خارج النظام المالي الأمريكي. وأوضح ريدبورد أن التأثير الحقيقي لواشنطن يبرز من خلال ملاحقة الأطراف التي تنتهك "العقوبات الثانوية"، بما في ذلك شركات النفط والتأمين الكبرى وملاك السفن المتورطين في قنوات الشحن.

وأشار المسؤول السابق في خزانة الدولة الأمريكية إلى أن الرقابة لم تعد تقتصر على عزل طهران فحسب، بل تمتد لتشمل أي طرف دولي قد يسهل عمليات دفع الرسوم بالعملات الرقمية أو يجري أعمالاً تجارية مع النظام الإيراني. وأكد أن ملاحقة هذه الكيانات، ولو بصفة ثانوية، تمثل الركيزة الأساسية لسياسة التضييق المالي التي تنتهجها الولايات المتحدة لمحاصرة الأنشطة الإيرانية عالمياً.

اختراق معاقل الجريمة

وفي ختام حديثه، دافع أري ريدبورد عن تعاون "مختبرات تي آر إم" مع منصات رقمية أُثيرت حولها شكوك قانونية، مستنداً إلى خبرته الطويلة التي تمتد لعشر سنوات كمدعٍ عام في وزارة العدل الأمريكية ومسؤول سابق في خزانة الدولة. 

وأكد ريدبورد أن مكافحة الجريمة المالية وتتبع أموال أباطرة المخدرات والأنظمة المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية، تتطلب اختراق المواقع التي تنشط فيها تلك الجهات لتطهيرها من الداخل.

وكشف ريدبورد أن العمل المشترك مع كيانات مثل "تيثر" و"ترون" خلال الأشهر الـ 18 الماضية أثمر عن نتائج ملموسة؛ حيث نجح برنامج "تي 3" وحده في مصادرة أكثر من 400 مليون دولار من العائدات غير المشروعة. 

وأوضح أن هذه الجهات تواصلت مع مختبرات "تي آر إم" لرغبتها في التخفيف من المخاطر وتحديد الأرباح المشبوهة، مشدداً على أن استراتيجية المؤسسة تقوم على ملاحقة "الجهات السيئة" في عقر دارها لبناء عالم رقمي أكثر أماناً، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة الأنظمة النظيفة بطبيعتها.