< الملكة التي حكمت كالرجل واختفت كالشبح..أسرار حتشبسوت كيف عادت من جديد؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

الملكة التي حكمت كالرجل واختفت كالشبح..أسرار حتشبسوت كيف عادت من جديد؟

تحيا مصر

لمدة قرون طويلة، ظل التاريخ يردد رواية واحدة: أن الملكة حتشبسوت، المرأة التي جلست على عرش مصر الفرعونية في تحدٍ غير مسبوق للتقاليد، تعرضت بعد وفاتها لانتقام قاسٍ من خليفتها تحتمس الثالث، الذي أمر بتحطيم تماثيلها ومحو آثارها من الذاكرة المصرية القديمة.

لكن دراسة أثرية حديثة تعيد اليوم فتح أحد أكثر الملفات غموضًا في التاريخ، وتكشف أن الحقيقة ربما كانت مختلفة تمامًا عما اعتقده العالم لعقود.

فبين أنقاض معبد الدير البحري الشهير على الضفة الغربية للأقصر، وبين مئات القطع الأثرية التي اكتُشفت منذ عشرينيات القرن الماضي، وجد الباحثون أدلة جديدة تشير إلى أن تدمير تماثيل حتشبسوت لم يكن بالضرورة فعل انتقام شخصي أو نتيجة كراهية لحكم امرأة، بل جزءًا من طقوس دينية معقدة عرفها المصريون القدماء منذ آلاف السنين.

الملكة التي كسرت قواعد الحكم

ولدت حتشبسوت داخل الأسرة الثامنة عشرة، وكانت ابنة الملك تحتمس الأول وزوجة الملك تحتمس الثاني.

وبعد وفاة زوجها، أصبحت وصية على العرش لصالح الطفل تحتمس الثالث، لكنها سرعان ما اتخذت خطوة استثنائية لم تشهدها مصر من قبل، فأعلنت نفسها فرعونًا كامل الصلاحيات.

ولإضفاء الشرعية على حكمها، ظهرت في النقوش والتماثيل مرتدية الزي الملكي الكامل، بما في ذلك اللحية الفرعونية التي كانت رمزًا للسلطة المطلقة.

وخلال نحو عقدين من الحكم، قادت مصر إلى واحدة من أكثر فترات الاستقرار والازدهار الاقتصادي في تاريخها، معتمدة على التجارة والمشروعات العمرانية بدلًا من الحروب العسكرية.

وكان أعظم إنجازاتها معبد الدير البحري، الذي لا يزال حتى اليوم أحد أبرز روائع العمارة المصرية القديمة.

لغز التماثيل المحطمة

وعندما بدأت أعمال التنقيب الأثري في الدير البحري خلال القرن العشرين، عثر العلماء على عشرات التماثيل الخاصة بحتشبسوت محطمة ومبعثرة.

ومنذ ذلك الحين، سادت نظرية تقول إن تحتمس الثالث، الذي حكم بعد وفاتها، أمر بتدمير آثارها انتقامًا منها بسبب استيلائها على السلطة خلال طفولته.

غير أن الدراسة الجديدة التي أعدها الباحث جون يي وونغ من جامعة تورنتو تقدم صورة مختلفة تمامًا.

فبحسب التحليل الحديث، فإن عددًا كبيرًا من التماثيل لا يزال يحتفظ بملامح الوجه سليمة نسبيًا، وهو ما لا يتوافق مع نمط التدمير الانتقامي الذي يستهدف عادة الوجه والهوية.

كما كشفت الوثائق الميدانية أن بعض التماثيل تعرض للتلف نتيجة إعادة استخدام الأحجار في مشروعات بناء لاحقة أو بفعل عوامل الزمن.

أما التماثيل التي حُطمت عمدًا، فقد تركزت الكسور في مناطق محددة مثل الرقبة والخصر والركبتين، وهي أماكن ارتبطت في العقيدة المصرية القديمة بطقوس تهدف إلى "إبطال القوة الروحية" للتمثال بعد انتهاء دوره، وليس بالضرورة إلى محو صاحبه من الوجود.

هل كانت ضحية مؤامرة؟

ورغم أن الدراسة تنفي فكرة الانتقام المباشر المرتبط بتحطيم التماثيل، فإنها لا تنفي تعرض حتشبسوت لمحاولة حقيقية لمحو إرثها السياسي.

فبعد سنوات من وفاتها، اختفى اسمها من عدد كبير من النقوش والسجلات الرسمية، وأزيلت إشارات عديدة إلى فترة حكمها من بعض الآثار الملكية.

ويرى عدد من المؤرخين أن هذه الحملة ارتبطت بصراعات الشرعية داخل الأسرة الحاكمة، ومحاولة إعادة تقديم تسلسل الحكم بشكل يتوافق مع التقاليد الملكية السائدة آنذاك.

المومياء المفقودة

ولم تتوقف الألغاز عند حدود تماثيلها أو أسمائها المحذوفة.

فلسنوات طويلة ظل مكان مومياء حتشبسوت مجهولًا، وأصبحت واحدة من أكبر القضايا المحيرة في علم المصريات.

لكن التطورات العلمية الحديثة، بما في ذلك فحوص الأشعة والتحاليل الطبية المتقدمة، ساعدت الباحثين على تحديد مومياء يُعتقد بدرجة كبيرة أنها تعود للملكة الشهيرة، في اكتشاف أعادها إلى دائرة الضوء بعد قرون من الغياب.

الحقيقة التي انتصرت على النسيان

تكشف قصة حتشبسوت كيف يمكن للتاريخ أن يُعاد تفسيره مع كل اكتشاف جديد.

فالملكة التي اعتُبرت لسنوات ضحية انتقام سياسي ربما كانت في الواقع ضحية سوء فهم تاريخي استمر قرونًا.

وبين تماثيل حُطمت وفق طقوس دينية، وأسماء مُحيت من السجلات الرسمية، ومومياء اختفت ثم عادت إلى الظهور، تظل حتشبسوت واحدة من أكثر الشخصيات إثارة في تاريخ الإنسانية.

لقد حاول الزمن إخفاءها، وحاولت السياسة محو ذكراها، لكن آثارها وإنجازاتها كانت أقوى من النسيان، لتعود اليوم من جديد وتفرض اسمها كواحدة من أعظم حكام مصر القديمة وأكثرهم تأثيرًا في التاريخ.