عاجل
الخميس 08 يناير 2026 الموافق 19 رجب 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

ياسر حمدي يكتب: من هو رئيس الحكومة القادم؟

ياسر حمدي/ كاتب صحفي
ياسر حمدي/ كاتب صحفي

الجميع يترقب الحكومة القادمة، وكالمعتاد توقعات وتحليلات وأمنيات، يدهشها الأمر الواقع الذي يأتي محملًا بدفقة من المفاجآت والصدمات.. ربما لم تشهد السنوات الماضية رضًا عن الحكومات المتتالية، لا من النسق الأعلى للدولة ولا من المواطن ولا من الحكومة نفسها وهي ترصد صورتها في الشارع، فالجميع يدرك مدى السخط الشعبي، ومساحة السخرية من مصطلحات «الصب في المصلحة» وأشباهها من مفردات الخطاب الحكومي التي تتكرر فكأنها تؤكد على معنى «النكتة» ولا تنفيها.
وحتى التذرع بالحرب الروسية الأوكرانية وبجائحة كورونا وبالسابع من أكتوبر، بدت كلها أسباب مخلقة ومستدعاة، رغم اليقين في تأثيرها المباشر على البلاد، لأنها بدت كحجج وذرائع غير مترابطة في خطاب تبريري غير متماسك، بأكثر مما بدت خطاب دولة يشرح ويفسر ويخطط، إلى حد باتت معه الأحداث العالمية أيًا كان موقعها على الخريطة، متقاطعة معنا ومؤثرة علينا بصورة مباشرة، سواء في نيبال أو المكسيك، النرويج أو زامبيا، بلطجة أمريكا أو خطف مادورو أو هكذا شاعت النكات وذاعت ضد الحكومة.
والأزمة ليست في السخرية، فهي مسار تنفيس تلجأ إليه النفس البشرية في أحيان كثيرة لمواجهة ضغوط الأمر الواقع، ولا بد لكل مواطن مهزوم باحتياجاته المتصاعدة أمام ظرف قاسٍ، أن يتوجه بإحباطه على هيئة طاقة عدوانية ضد أحد، الحكومة أو سواها، بل ربما كانت السخرية، كقرينة غضب، هي الضمانة الوحيدة ألا يتحول الغضب من مجرد غضب إلى غضب جارف وعنيف، فلا بد من تنفيس، هكذا النفس البشرية، وهكذا الواقع المأزوم.
لكن ما يزكي أوار الأزمات ويسكب المزيد من البنزين على نيران الأحداث، في مرات كثيرة، هو تصريحات المسؤولين وطريقة تعاطيهم مع الأحداث، فقد تحول المسؤولون للمرة الأولى، إلى صُناع أزمات بامتياز، بدلًا من إحتواءها وتذويبها وحلها!.
وبالعودة للسؤال المطروح اليوم: من هو رئيس الحكومة القادم؟ فهذا السؤال ليس الأهم، بل السؤال الأهم: بأي عقل ستُدار الحكومة في لحظة تاريخية فارقة تمر بها الدولة المصرية؟
فأزمة الدولة، في جوهرها، لم تكن يومًا أزمة رأس سلطة سياسية، بقدر ما هي أزمة عقل حكومي تشكّل عبر عقود طويلة، وأعاد إنتاج نفسه حتى أصبح عائقًا بنيويًا أمام أي مشروع إصلاح حقيقي، هذا العقل لم يتكوّن صدفة، بل تأسس منذ دولة محمد علي باشا، على مركزية شديدة وبيروقراطية مغلقة، تجعل من اللائحة غاية، ومن التوقيع سلطة، ومن الموظف محور الدولة لا المؤسسة.

ومع تغير العصور، لم يتم تفكيك هذا النموذج، بل انتقل بينها، حتى أصبح أشبه بعقيدة إدارية لا يجوز المساس بها، رغم أنها لم تعد قادرة على إدارة دولة بحجم وتعقيد مصر في عالم تحكمه الثورة الرقمية، وسرعة القرار، وإقتصاد البيانات.

خلال العقد الأخير، خاضت الدولة المصرية واحدة من أجرأ تجارب الإصلاح الإقتصادي في تاريخها الحديث، وسط أزمات عالمية غير مسبوقة، وقد نجحت القيادة السياسية في اتخاذ قرارات صعبة حافظت على تماسك الدولة ومنعتها من الانهيار، غير أن الخلل الجوهري تمثل في أن هذا الإصلاح الإقتصادي لم يُواكبه إصلاح إداري شامل، فتم تنفيذ سياسات جديدة بأدوات قديمة، ما أدى إلى فجوة واضحة بين حجم الجهد المبذول، والأثر الذي يشعر به المواطن.

المشكلة لم تكن في غياب الإنجاز، فالمشروعات القومية قائمة، والبنية التحتية تطورت، لكن الحكومة - بوصفها الوسيط بين الدولة والمجتمع - ما زالت تعمل بنفس منطق إدارة الأزمات، لا بمنهج منعها، وبنفس آليات القرن الماضي التي لم تعد قادرة على تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة.

من هنا، يصبح تغيير الحكومة مجرد تبديل أسماء إذا لم يصاحبه تغيير جذري في فلسفة إدارة الدولة! فإعادة إنتاج نفس الوجوه داخل نفس الدائرة البيروقراطية المغلقة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس النتائج! ورئيس حكومة يتكوّن وعيه داخل منظومة تخشى القرار وتقدّس اللوائح، لا يمكنه قيادة دولة تبحث عن القفز إلى الأمام.
رئيس الحكومة القادم، إن أُريد له النجاح، يجب أن يأتي من خارج القالب الإداري التقليدي، لا من داخله، شخصية تشكّل وعيها في بيئات تنافسية حقيقية، وتفهم الرقمنة كمنهج حكم شامل، لا كمشروعات شكلية، وتدير الحكومة باعتبارها مؤسسة نتائج، لا جهازًا لتسكين الأزمات.

لكن الانتقال إلى هذا النموذج لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، ولهذا تحتاج الدولة إلى مرحلة انتقالية مدروسة، تُدار بعقل تنفيذي صارم، وفي هذه المرحلة، يصبح من الضروري الاستعانة بشركات إدارة وتشغيل محترفة، تعمل وفق عقود واضحة، ومؤشرات أداء دقيقة، لتتولى إدارة وتشغيل قطاعات خدمية وإدارية بعينها، تحت رقابة الدولة الكاملة؛ هذا النموذج ليس تفريطًا في السيادة، بل استعادة لها عبر الكفاءة والانضباط.
والبداية المنطقية يجب أن تكون من وزارة التنمية المحلية، باعتبارها الشريان الحقيقي للبيروقراطية، ومصدر الجزء الأكبر من معاناة المواطن اليومية؛ فإصلاح المحليات، ورقمنة خدماتها، وربط الأداء فيها برضا المواطن، كفيل وحده بإحداث تحول حقيقي في علاقة الدولة بالمجتمع.

ولا يمكن لأي إصلاح إداري أن ينجح دون معالجة الجذر الأعمق للأزمة: «التعليم»، فمن منظومة تعليمية جامدة يتخرج مسؤول يعيد إنتاج الفشل، ومن عقل تعليمي لا يشجع التفكير النقدي تولد بيروقراطية تخشى المبادرة؛ المطلوب هو تعليم يصنع عقلًا قادرًا على القرار، ومعلم يستعيد مكانته بوصفه حجر الأساس لأي نهضة مستدامة.

في ضوء ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس من هو رئيس الحكومة القادم، بل: هل نحن مستعدون لاختيار رئيس حكومة يقود تحولًا حقيقيًا في عقل الدولة، أم سنكتفي مرة أخرى بإدارة الأزمة وتأجيل المواجهة؟! فثمن الاختيار هذه المرة لن يكون إداريًا فقط، بل اجتماعيًا ومعيشيًا، وسيدفعه المواطن إن غاب القرار الشجاع.. حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.

تابع موقع تحيا مصر علي