عاجل
السبت 10 يناير 2026 الموافق 21 رجب 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

إيران ودوائر التصعيد المفتوح: المقاربة الإسرائيلية‑الأمريكية لإسقاط مركز القوة وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

تحيا مصر

يدخل الشرق الأوسط مرحلة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة، تتفكك فيها القواعد التقليدية لإدارة الصراع، ويتراجع منطق التسلسل الخطي الذي حكم ديناميات المواجهة لعقود، إذ لم يعد استهداف الأطراف مقدمه إلزامية قبل الوصول إلى المركز، بل بات المركز ذاته—إيران—في قلب الحسابات الإسرائيلية‑الأمريكية، مع إدراك متزايد بأن حسم الصراع الإقليمي لم يعد ممكنًا دون المساس المباشر ببنية الحكم في طهران.

في هذا السياق، تعكس التحركات الإسرائيلية الأخيرة، سياسيًا وعسكريًا، انتقالًا نوعيًا من سياسة إدارة التهديدات إلى استراتيجية إعادة هندسة البيئة الإقليمية من جذورها. فالنقاش لم يعد محصورًا في احتواء الأذرع الإيرانية أو تحجيم أدوارها، بل بات يتمحور حول معالجة ما يُنظر إليه في تل أبيب بوصفه مصدر التهديد الاصلي المتمثل في نظام الملالي نفسه. وبات إسقاط الحكم الديني في إيران الهدف الاسمي للطموحات الإسرائيلية، لا بوصفه نتيجة محتملة، بل كغاية استراتيجية يُفترض أن تؤدي—من المنظور الإسرائيلي—إلى تفكيك شبكة التهديد الإقليمي وإعادة إنتاج معادلة أمنية أكثر استقرارًا.

ويستند هذا التحول إلى قراءة دقيقة لهشاشة الوضع الداخلي الإيراني. فالنظام يواجه تصعيداً غير مسبوق للأزمات: اقتصاد مأزوم، ضغوط معيشية خانقة، اتساع دوائر السخط الاجتماعي، وتآكلًا متواصلًا في شرعية الحكم. وفي مثل هذه البيئات، لا تُقاس فاعلية القوة فقط بقدرتها على إحداث دمار عسكري، بل بقدرتها على تعميق الشروخ الداخلية وتسريع التفكك السياسي والنفسي داخل بنية السلطة.

تشير المؤشرات المتقاطعة—السياسية والعسكرية—إلى أن الصراع مع إيران دخل مرحلة نوعية جديدة. لم يعد الهدف يتمثل في ردع النظام الإيراني أو تعديل سلوكه الإقليمي، بل في إحداث انهيار منظم في بنية الحكم الديني نفسها. ووفق هذا التقدير، يُعد تسريع التفكك الداخلي للنظام الخيار العملياتي المفضل في المرحلة الراهنة، عبر مزيج متكامل من أدوات الضغط الاقتصادية والنفسية والسياسية، مع الاحتفاظ بالخيار العسكري كأداة مكملة تُستخدم لتسريع الانهيار أو حسمه عند بلوغ نقطة الانكسار.

ومن هنا، يبرز داخل بعض دوائر التفكير الإسرائيلية‑الأمريكية اتجاه متنامٍ يرى أن المسار الأقل كلفة والأعلى مردودية نحو إسقاط نظام الملالي لا يمر بالضرورة عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل عبر تسريع انهيار الداخل الإيراني ذاته، فتصعيد الضغوط الاقتصادية، وتعميق العزلة الدولية، وتكثيف الحرب النفسية والإعلامية، إلى جانب دعم غير مباشر ومحسوب لمسارات الاحتجاج والتمرد الداخلي، تُعد أدوات قادرة على استنزاف النظام من الداخل ودفعه نحو لحظة انهيار تدريجي، دون تحمل أثمان حرب إقليمية مفتوحة أو نتائجها غير القابلة للضبط.

و تنطلق هذه المقاربة من تقديرات مفادها  أن تكرار موجات الاحتجاج، يراكم أثرًا يهدد تماسك مؤسسات الحكم، ولا سيما داخل الدائرة الأمنية‑العسكرية. ولا يُنظر إلى الرهان على الداخل الإيراني بوصفه بديلًا مطلقًا للخيار العسكري، بل كمسار مُقدَّم زمنيًا يهدف إلى إنهاك النظام، وتقليص قدرته على الصمود، وخفض كلفة أي ضربة مباشرة محتملة إذا ما تقرر اللجوء إليها لاحقًا بوصفها أداة حسم لا أداة بدء.

وفي المقابل، تدرك القيادة الإيرانية، كما تدرك أذرعها الإقليمية، أن أي تصعيد واسع لم يعد يُقرأ كجولة محدودة أو معركة تكتيكية، بل كجزء من مسار استراتيجي يستهدف مركز القرار الإيراني ذاته. ومن هنا يمكن تفسير حالة الحذر التي تطبع سلوك طهران وحلفائها، حيث تتجاور الاستعدادات العسكرية مع محاولات دقيقة لضبط الإيقاع، خشية توفير الذرائع التي قد تُستثمر خارجيًا لتسريع مشروع إسقاط النظام.

فضمن هذا التصور، لا تُعامل الساحات الإقليمية—ولا سيما لبنان وغزة—كمراحل متعاقبة في مسار تصاعدي ، فلبنان لا يُنظر إليه كنقطة انطلاق حتمية، بل كجبهة ضغط يمكن استخدامها لتقييد هامش حركة حزب الله أو تحييده عند لحظة الانتقال إلى استهداف إيران مباشرة، وقد يصبح تحييد هذه الجبهة شرطًا لاحقًا لا سابقًا، وينطبق المنطق ذاته على قطاع غزة، حيث يندرج السعي الإسرائيلي إلى تفكيك أو نزع سلاح وتحييد القدرات العسكرية لحركة حماس ضمن مقاربة تهدف إلى تقليص عدد الجبهات المفتوحة عند لحظة الاشتباك مع طهران، دون أن تُعد غزة عقدة زمنية يجب حسمها بالكامل مسبقًا.

أما الدور الأمريكي، فيكتسب في هذا المشهد أهمية استراتيجية ،  فعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يؤكد تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، تشير مؤشرات متزايدة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن إلى تراجع الثقة بجدوى سياسة الاحتواء، وصعود الميل نحو مقاربات أكثر حدة. وفي هذا الإطار، يبدو الدعم الأمريكي لأي تحرك إسرائيلي ضد إيران—سياسيًا وعسكريًا واستخباراتيًا—جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إحداث الصدمة المطلوبه التي قد تفتح الباب أمام تغيير عميق في بنية الحكم الإيراني، لا مجرد تعديل سلوكه الإقليمي.

وفي السياق نفسه، تكتسب خطوة تقليص أو سحب الوجود الدبلوماسي الروسي من تل أبيب دلالة سياسية لافتة. فموسكو، التي راكمت خبرة طويلة في قراءة ديناميات التصعيد، تبدو وقد خلصت إلى أن الإقليم يتجه نحو مرحلة يصعب التحكم في مآلاتها. ويعكس هذا السلوك رغبة روسية في النأي بالنفس عن مواجهة قد تستهدف النظام الإيراني، بما تحمله من مخاطر استدراج روسيا إلى صدام غير مباشر مع الولايات المتحدة أو تهديد مكتسباتها الاستراتيجية في المنطقة، كما ان تهديد ترامب بـ"الضرب الشديد" لإيران بعد قطع الإنترنت عن المتظاهرين ووقف شركه الطيران التركيه الي طهران هي تطورات توحي بخطوره الاوضاع الداخليه الايرانيه وتصاعد الضغوط الخارجيه علي النظام الإيراني


وعليه، لم تعد إيران تُعامَل كخصم يمكن احتواؤه أو ردعه، بل كنظام باتت إزالته ،وفقاً للرؤية المشتركه الاسرائيلية والامريكي شرطًا لازمًا لإعادة رسم ميزان القوة الإقليمي. وتصبح المرحلة المقبلة الأخطر منذ عقود، لا بسبب احتمال الانفجار العسكري المباشر، بل لأن معركة الحسم باتت داخلية في جوهرها، ويُقاس نجاحها بمدى تحويل التآكل البنيوي إلى انهيار نهائي في مركز الحكم، بما يجعل سقوط نظام الملالي نتيجة مرجّحة إذا ما استمر المسار الحالي دون اختراق يعيد للنظام تماسكه أو شرعيته.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي