عاجل
الإثنين 12 يناير 2026 الموافق 23 رجب 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

«صانع السلام»… المسدس الذي صنع الأسطورة وغيّر تاريخ الغرب الأمريكي

ارشيفية
ارشيفية

مسدس باسـمٍ ساخر ،وتأثيرٍ حاسم ،قد يبدو الأمر مفارقة لافتة، لكن أشهر مسدس في التاريخ حمل اسم «صانع السلام» (Peacemaker).

 لم يكن أول سلاح ابتكره الأمريكي صموئيل كولت، لكنه كان الأكثر فاعلية وتأثيرًا في عصره، حتى عُدّ أول مسدس يدوي موثوق بحق، وغير موازين القوة في زمنٍ كانت فيه المواجهات تحسم في لحظات.

لماذا سمي  «بصانع السلام»؟

استمد المسدس اسمه من قوته الرادعة؛ فوجوده في اليد كان كافيًا لجعل القوي والضعيف على قدم المساواة، ما جعل تجنّب القتال الخيار الأفضل. من هنا وُلد المثل الأمريكي الشهير في القرن التاسع عشر، الذي ارتبط بفلسفة الردع لا بالسلام المجرد.

سلاح الأساطير… من الغرب إلى البيت الأبيض

كان «بيسميكر» المفضل لدى أسماء خلدها التاريخ، مثل وايت إيرب وبات ماسترسون، وأصبح السلاح الأكثر استخدامًا خلال غزو الغرب الأمريكي.
ولم يقتصر حضوره على الخارجين عن القانون؛ إذ امتلك الرئيس ثيودور روزفلت نسخة صُنعت خصيصًا له بنقش أحرف اسمه على المقبض.

 وفي مفارقة رمزية، قاد الجنرال جورج باتون قواته في الحرب العالمية الثانية وهو يحمل مسدسي كولت عيار 45 على وركيه.

حتى من لم يمسك المسدس يومًا، يعرفه جيدًا. فقد حمله جون واين وغاري كوبر وهنري فوندا وكلينت إيستوود في أشهر أفلام الغرب الأمريكي.

وظهر كذلك في الجزء الثالث من ثلاثية “العودة إلى المستقبل”، حين يمنح تاجر أسلحة مسدس كولت بيسميكر لشخصية مايكل جيه فوكس لمواجهة خصمه «ماد دوغ» تانين.

المخترع الأقل شهرة من اختراعه

على عكس شهرة مسدسه، بقيت قصة صموئيل كولت أقل تداولًا. فرغم نجاحه المدوي، توفي مبكرًا في 10 يناير 1862 عن عمر 47 عامًا، إثر عدوى رئوية، قبل أن يشهد كامل الأثر التاريخي لاختراعه.

عبقرية مبكرة وشغف خطِر

وُلد كولت في هارتفورد، كونيتيكت عام 1814، ونشأ مولعًا بالتجارب والمتفجرات. وفي سن 14 عامًا، دمّر مختبر مدرسته وطُرد منها.

سعيًا لتقويمه، أرسله والده للعمل صبيّ مقصورة على السفينة الشراعية «كورفو» المتجهة إلى كلكتا. هناك، وبينما كان يراقب آلية دفة السفينة، خطرت له فكرة تطبيق حركة الدوران على سلاح يطلق أكثر من طلقة دون إعادة تعبئة.

الفكرة التي غيّرت السلاح

عاد كولت إلى بلاده بنموذج خشبي أولي لمسدس ذو أسطوانة دوّارة متعددة الحجرات. وبعد محاولات مضنية، نجح في تصنيع أول مسدس متكرر الطلقات بأسطوانة خماسية لعيار 0.36.
حصل على براءة اختراعه في إنجلترا وفرنسا عام 1835، ثم في الولايات المتحدة في 25 فبراير 1836، وكان عمره 21 عامًا فقط.

فشل أول… وإصرار لا ينكسر
أسس كولت شركة باترسون لتصنيع الأسلحة، لكن نقص التمويل أجبره على الإنتاج اليدوي، فارتفعت التكاليف وفشل المشروع، ليغلق المصنع عام 1842.
غير أن الفشل لم يكن النهاية.

بمساعدة مالية من والده، عاد كولت بقوة، فاشترى الآلات اللازمة وطور تصميم سلاحه. كما موّل مشروعه عبر بيع اختراع كابل تفجير ألغام بحرية عن بُعد للحكومة الفيدرالية، استُخدم لاحقًا في أول اتصال تلغرافي لـصموئيل مورس.

الصفقة التي صنعت الإمبراطورية
جاء التحول الحاسم حين اكتشف الكابتن صموئيل ووكر، قائد تكساس رينجرز، كفاءة مسدسات كولت، وطلب ألف قطعة بشرط زيادة العيار إلى 0.45 وإطلاق ست رصاصات مع سرعة إعادة تعبئة أعلى.

تعاون كولت مع إيلي ويتني بليك، وظهر مسدس كولت ووكر الذي استخدمته القوات الأمريكية في الحرب المكسيكية–الأمريكية عام 1846.

بفضل هذه النجاحات، أسس كولت مصنعه في هارتفورد وأنشأ شركة كولت لتصنيع الأسلحة النارية.

وبحلول 1855، بلغ الإنتاج نحو 150 مسدسًا يوميًا، ليصبح كولت أكبر مصنع خاص للأسلحة النارية في الولايات المتحدة، وموردًا رئيسيًا لقوات الاتحاد خلال الحرب الأهلية.

اسم يتحول إلى أيقونة 

عند وفاة كولت عام 1862، كان قد صنع أكثر من نصف مليون قطعة سلاح من 16 طرازًا.

تولت زوجته إليزابيث كولت إدارة الشركة، ورغم احتراق المصنع عام 1864 في حريق غامض، أعادت بناءه ووسّعت نشاطه حتى عام 1901.
واصلت «كولت» مسيرتها عبر إنتاج مدفع جاتلينج، ثم المسدسات نصف الآلية الشهيرة مثل طراز 1911.
واليوم، تركز الشركة على تصنيع بنادق M16 وAR-15 بموجب عقود حكومية، لكن اسم «كولت» لا يزال يستحضر فورًا صورة «بيسميكر»—المسدس الذي صنع الأسطورة، وترك بصمته على التاريخ والسينما معًا.

لم يكن «صانع السلام» مجرد سلاح، بل تحول ثقافي وتاريخي أعاد تعريف القوة والردع، وجعل اسم مبتكره مرادفًا للمسدس ذاته. وبين عبقرية شابٍ لم يعش طويلًا وإرثٍ تجاوز القرون، تثبت قصة كولت أن اختراعًا واحدًا كفيل بتغيير مسار التاريخ ..وأن بعض الأساطير تُصنع من فولاذ، لكن تعيش في الذاكرة إلى الأبد.

تابع موقع تحيا مصر علي