«بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي».. العالم الخفي لنساء مصر مطلع القرن الـ20
بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي تفتح عبرها الروائية والمترجمة د. هويدا صالح أفقًا سرديًا واسعًا على عالم نسائي كثيف، تتشابك داخله الذوات الفردية مع التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها مصر في بدايات القرن العشرين.
لا تتعامل الرواية مع مسار امرأة واحدة بقدر ما تبني فسيفساء من المصائر النسائية، حيث تتحول الحكايات الخاصة إلى مرآة لبنية المجتمع والسلطة والجسد والطبقة.

امرأة جنوبية تعيد تعريف القوة
تتمركز الرواية حول فريدة المفتي، المرأة الجنوبية التي صاغت حياتها تحت وطأة تاريخ طويل من الضغوط النفسية والانكسارات والهزائم الصامتة.
غير أن السرد لا يقدّمها في صورة الضحية، بل يكشف قدرتها على إعادة تعريف القوة من داخل الهشاشة، حين تختار تأسيس «بيت الخلد» بوصفه فضاءً سريًا للبهجة والمتعة. هنا يصبح الاختيار فعل تفاوض مع واقع قاسٍ، ومحاولة لاستعادة السيطرة على الجسد والذات، في سياق اجتماعي يضيّق الخناق على النساء.
صدام الرؤى حول معنى التحرر
في مواجهة هذا المشروع تقف إستر، المناضلة السياسية والاجتماعية، التي ترى في خيار فريدة تسليعًا للمرأة وإهانة لكرامتها. هذا الصدام لا يُطرح بوصفه مواجهة أخلاقية مباشرة، بل كجدل فكري عميق بين رؤيتين للتحرر؛ إحداهما تنطلق من الجسد باعتباره ملكًا لصاحبته، والأخرى تربطه بالنضال العام والمعنى الجماعي. بهذا التوتر، تضع بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي القارئ أمام أسئلة معقّدة حول الحرية الفردية وحدودها الاجتماعية.
الاغتراب والعبودية والبحث عن الأصل
تحضر شخصية سورما، الجارية القادمة من إيطاليا مع سيدها، لتضيف بعدًا آخر للسرد، حيث يتجسّد الاغتراب في الجسد الأنثوي نفسه. تحمل سورما تاريخ العبودية، وتتوق إلى العودة إلى جذورها الأولى في إثيوبيا، حيث تتماهى الحرية مع الذاكرة والأصل. من خلالها، توسّع الرواية أفقها لتلامس آثار الاستعمار والتنقّل القسري، وتربط بين الجسد والاقتلاع التاريخي.
الهامش كمساحة للبقاء
إلى جانب فريدة، تظهر نبوية العايقة أو «البدرونة» بوصفها نموذجًا للمرأة الشعبية القادرة على التكيّف. تشارك فريدة تأسيس «البيت»، وتحول الهامش إلى مساحة للبقاء وإعادة إنتاج الحياة. حضورها لا يأتي تابعًا، بل فاعلًا في تشكيل هذا الفضاء الرمزي الذي تختبر داخله النساء أشكالًا يومية من المقاومة.

المكان بوصفه استعارة كبرى
بهذا التعدد النسائي، ترسم بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي خريطة دقيقة لوضع المرأة داخل شبكة معقّدة من السلطة والجسد والطبقة والاستعمار والوعي السياسي. «بيت الخلد» ليس مجرد مكان للأحداث، بل استعارة كثيفة للثبات الظاهري الذي يخفي تحته تحولات عميقة وأسئلة مؤجلة حول الكرامة والحرية ومعنى الفاعلية النسائية في زمن مضطرب.
تفكيك صورة البطلة الجاهزة
تعتمد الرواية لغة سردية عالية الإيحاء، وبناءً يميل إلى التشظي والتداخل الزمني، ما يفتح باب التأمل في معنى الهوية وكيف تصنع النساء تاريخهن الشخصي داخل بنى اجتماعية ضاغطة. تفكك الرواية صورة البطلة الجاهزة، وتقدّم فريدة المفتي كيانًا مركبًا تتجاور داخله الهزائم الصغيرة مع أشكال خفية من المقاومة، ليغدو النص عن تلك الحياة السرية التي لا تُقال، لكنها تكتبنا.
كاتبة تجمع بين الإبداع والنقد
تأتي الرواية ضمن مشروع إبداعي ونقدي أوسع للكاتبة هويدا صالح، التي تشغل حاليًا منصب رئيس تحرير مجلة مصر المحروسة الصادرة عن وزارة الثقافة.
تمتلك الكاتبة رصيدًا متنوعًا في الإبداع والترجمة والنقد الثقافي والسرد النسوي، وهو ما ينعكس بوضوح في عمق البناء الفكري والجمالي للرواية، التي تُعد إضافة لافتة إلى السرد العربي المعاصر.
تطبيق نبض