عاجل
الجمعة 16 يناير 2026 الموافق 27 رجب 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

واشنطن تعترف أخيرًا: الإخوان رهان خاسر لا شريك سياسي

تحيا مصر

جاء القرار الأمريكي الصادر في 13 يناير بإدراج عدد من فروع جماعة الإخوان المسلمين، وفي مقدمتها التنظيم في مصر، إلى جانب فروعه في لبنان والأردن، على قائمة الكيانات الإرهابية المصنفة دوليًا (SDGT)، ليغلق صفحة ظلت مفتوحة أكثر مما ينبغي. فالقرار لا يمكن اختزاله في إجراء قانوني تقني أو خطوة إدارية معزولة، بل يعكس تحولًا سياسيًا متأخرًا في مقاربة أمريكية طالما اتسمت بالازدواجية والتردد في التعامل مع جماعة جرى تقديمها، لسنوات، بوصفها شريكًا محتمَلًا في إدارة التحولات داخل الشرق الأوسط.

تكمن الدلالة الحقيقية لهذا القرار في كونه اعترافًا ضمنيًا بفشل رهان سياسي ساد منذ عام 2011، حين افترضت دوائر غربية أن جماعة الإخوان المسلمين يمكن توظيفها كنموذج «منضبط» من الإسلام السياسي، قادر على احتواء المجتمعات، وضبط التوترات، والعمل كحاجز في مواجهة التنظيمات الأكثر عنفًا، غير أن هذا الافتراض انهار تدريجيًا أمام واقع تنظيم لم يُخفِ يومًا طبيعته الأيديولوجية المغلقة، ولا طموحه العابر للحدود، ولا نظرته للأدوات الديمقراطية باعتبارها وسائل مرحلية لا غايات نهائية.

وما يُسقِطه القرار عمليًا هو الفكرة التي شكّلت حجر الزاوية في الدفاع الغربي عن التعامل مع الجماعة، أي الفصل المصطنع بين “إخوان سياسيين” يمكن استيعابهم، و”إخوان تنظيميين” يُنظر إليهم بوصفهم إشكاليين. فتصنيف فروع مركزية من التنظيم ككيانات إرهابية ينسف هذا الفصل من أساسه، ويؤكد أن البنية واحدة وإن تنوعت الواجهات، وأن الخطاب المرن لا يعني بالضرورة مشروعًا سياسيًا مندمجًا في إطار الدولة الوطنية.

من الناحية العملية، لا تقتصر تداعيات التصنيف على تجميد الأصول أو حظر التعاملات المالية، بل تمتد إلى إعادة رسم الحدود بين العمل السياسي المشروع، والنشاط الأيديولوجي المنظم ذي الطابع العابر للدول. فشبكات دعم ظلت تعمل لسنوات تحت مظلات العمل الخيري، أو الدعوي، أو الإعلامي، وجدت نفسها فجأة أمام واقع قانوني وسياسي مختلف، بعد أن أُغلقت المساحات الرمادية التي سمحت لها بالحركة دون كلفة مباشرة.

سياسيًا، يعكس هذا التحول تقاطعًا أمريكيًا متأخرًا مع رؤى دول إقليمية، وعلى رأسها مصر، التي نظرت مبكرًا إلى جماعة الإخوان باعتبارها تهديدًا بنيويًا لمفهوم الدولة الوطنية، لا مجرد تيار معارض قابل للاحتواء أو الترويض. وقد أسهم تجاهل هذه التحذيرات في السابق في تعقيد المشهد الإقليمي، وخلق بيئات سمحت للجماعة بتعزيز نفوذها سياسيًا وماليًا وإعلاميًا، بما تجاوز حدود الدول التي تنشط داخلها.

في المقابل، يضع القرار عددًا من الدول أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب. فالعواصم التي وفّرت للجماعة منصات إعلامية، أو مظلات سياسية، أو تعاملت معها بوصفها فاعلًا مدنيًا أو معارضًا مشروعًا، باتت مطالبة اليوم بإعادة تقييم سياساتها. فالتناقض بين الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وبين احتضان تنظيم صُنّفت فروع رئيسية منه ككيانات إرهابية، لم يعد قابلًا للاستمرار دون كلفة سياسية وأمنية متزايدة.

أما على المستوى الفردي، فيعيد القرار تعريف كيفية تعامل الدول الغربية مع عناصر الجماعة ومحيطها. فملفات الإقامة واللجوء والجنسية لم تعد تُفحص بمنطق النشاط السياسي المجرد، بل من زاوية الانتماء التنظيمي وشبكات الارتباط العابرة للحدود، وهو ما ينذر بمرحلة أكثر تشددًا في التعامل مع ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه نشاطًا سياسيًا مشروعًا.

وفي هذا الإطار، تكتسب مواقف دول مثل تركيا وقطر، وكذلك بريطانيا وألمانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، أهمية خاصة. فهذه الأطراف باتت أمام خيار واضح: إما مراجعة سياساتها في ضوء التحول الأمريكي، أو الاستمرار في التمسك بمقاربات أثبتت التجربة أنها لم تُنتج استقرارًا ولا اندماجًا، بل أسهمت في إطالة أمد الأزمات وتعقيد مسارات الحل.

وفي هذا السياق، يتجاوز القرار الأمريكي كونه خطوة إجرائية أو تعديلًا محدودًا في أدوات السياسة، ليعكس اعترافًا عمليًا بانسداد مسار ظل قائمًا لسنوات على افتراضات لم تثبت قدرتها على الصمود. ولم يعد جوهر المسألة مرتبطًا بتبدل الموقف الأمريكي بقدر ما يتعلق بقدرة أطراف أخرى على مراجعة خيارات فقدت منطقها السياسي. ففي بيئة دولية تتسم بقدر أعلى من الصرامة في التعامل مع مصادر التهديد، تتقلص مساحات المناورة، ويتراجع هامش التسويات الرمزية، ولم تعد المقاربات المبنية على أوهام قابلة للاستمرار.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي