عاجل
الثلاثاء 27 يناير 2026 الموافق 08 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

من المسيرات إلى الفيديوهات المسربة.. سلاح «المعلومات المضللة» في الحرب الأمريكية الإيرانية

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

الحرب الأمريكية الإيرانية لم تعد تقتصر على فوهات المدافع في مياه الخليج أو الطائرات المسيرة فوق منشآت النفط، بل انتقلت إلى ميادين الحرب السيبرانية وصراع "البروباجندا" العابر للحدود؛ حيث تتشابك خيوط تقارير استخباراتية غربية مع نفي قاطع من طهران حول استقدام ميليشيات أجنبية لقمع الداخل، في مشهد يعكس ذروة الانقسام الاستراتيجي بين واشنطن وحلفائها من جهة، ومحور المقاومة الذي تقوده إيران من جهة أخرى، وسط اتهامات متبادلة بتحويل الاحتجاجات الشعبية إلى ورقة ضغط في ملف المفاوضات النووية المعطلة.

شرارة "الفيديو المسرب".. حقيقة الميليشيات العابرة للحدود

بدأت القصة حين تداولت منصات إعلامية غربية وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو زُعم أنها توثق دخول آلاف المسلحين العراقيين (تحديداً من فصائل الحشد الشعبي) إلى الأراضي الإيرانية للمساعدة في ضبط الأمن. اعتبر محللون في واشنطن أن هذه الخطوة، إن صحت، تمثل تصعيداً في الحرب الأمريكية الإيرانية بالوكالة، حيث تسعى طهران للاستعانة بحلفائها الإقليميين لحماية "عمودها الفقري" في الداخل.

إلا أن وكالة "تسنيم" الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري، فندت هذه الادعاءات في تقرير تقني مفصل. وأشارت الوكالة إلى أن الفيديو المتداول كـ"دليل مزعوم" يظهر أشخاصاً يتحدثون العربية، وهو أمر طبيعي في محافظة خوزستان (الأهواز) ذات الأغلبية العربية. وأضاف التقرير الإيراني أن لوحة تسجيل المركبة الظاهرة في المقطع تعود للمحافظة نفسها، وليست لوحات عراقية، معتبرة أن هذه التقارير جزء من "الحرب النفسية" التي تديرها أجهزة استخبارات معادية.

المنظور الأمريكي.. الضغط الأقصى في نسخة "الاحتجاجات"

في واشنطن، تنظر الإدارة الأمريكية إلى أي اضطراب داخلي في إيران كفرصة لإضعاف نفوذ طهران الإقليمي. ووفقاً لتقرير صادر عن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، فإن الحرب الأمريكية الإيرانية تتخذ شكلاً استخباراتياً مكثفاً لدعم ما يسمى بـ"تطلعات الشعب الإيراني".

وصرح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في إيجاز صحفي سابق بأن "النظام الإيراني يلجأ إلى تكتيكات تصدير الأزمات"، في إشارة إلى القلق من تمدد النفوذ الإيراني عبر الميليشيات. وتدعي تقارير استخباراتية تم تداولها في أروقة الكونغرس أن طهران تخشى من "تآكل الولاء" داخل بعض وحدات الشرطة المحلية، مما قد يدفعها لاستقدام عناصر "أكثر عقائدية" من الخارج، وهو ما تنفيه طهران جملة وتفصيلاً بوصفه محض خيال استخباراتي.

التحليل الإسرائيلي.. "رأس الأخطبوط" تحت المجهر

لا تغيب تل أبيب عن مشهد الحرب الأمريكية الإيرانية؛ حيث تتابع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية (الموساد وأمان) بدقة أي تحركات للقوات التابعة لإيران على الحدود العراقية. وحسب دراسة لـ "مركز القدس للشؤون العامة"، يرى الخبراء العسكريون الإسرائيليون أن إيران تعتبر الحفاظ على نظامها الداخلي جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي "الخارجي".

وتشير تحليلات لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إلى أن "الاستراتيجية الإيرانية تعتمد على تذويب الحدود بين الجبهات"، فالمقاتل في بغداد هو نفسه المدافع عن طهران. ومن وجهة نظر إسرائيلية، فإن أي استعانة بميليشيات أجنبية هي دليل ضعف بنيوي، لكنها في الوقت ذاته تعزز السردية الإسرائيلية حول ضرورة توجيه ضربات لـ "رأس الأخطبوط" وليس فقط لأطرافه في لبنان أو سوريا.

البعد العسكري.. لوجستيات خوزستان وصراع اللوحات

من الناحية العسكرية، يرى محللون في "مجلة فورين بوليسي" أن استقدام آلاف المسلحين ليس عملية لوجستية سهلة يمكن إخفاؤها. فنقل آلاف العناصر يتطلب قوافل عسكرية وحماية جوية وتنسيقاً حدودياً واسعاً. وبالعودة لتقرير وكالة "تسنيم"، فإن التركيز على "لوحات تسجيل محافظة خوزستان" كان ضربة استباقية لإجهاض السردية الغربية، فمحافظة خوزستان، جغرافياً، هي بوابة إيران نحو العراق، وهي المنطقة التي شهدت أشرس معارك الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات. اليوم، تتحول هذه الأرض إلى ساحة في الحرب الأمريكية الإيرانية الناعمة، حيث يتم استغلال التنوع العرقي واللغوي لإثارة البلبلة أو لتبرير وجود قوات مسلحة تحت غطاء "حفظ الأمن القومي".

مآلات المواجهة.. هل ننتقل من "الوكالة" إلى "الأصالة"؟

إن استمرار الاتهامات المتبادلة بين طهران وواشنطن يعزز القناعة بأننا نعيش فصولاً متطورة من الحرب الأمريكية الإيرانية. وحسب تقرير لجريدة "نيويورك تايمز"، فإن البيت الأبيض يدرس فرض عقوبات إضافية على الكيانات التي يُثبت تورطها في نقل مقاتلين عبر الحدود، بينما ترد طهران بإجراء مناورات عسكرية واسعة في الخليج العربي لرسالة مفادها: "أمننا الداخلي خط أحمر".

تؤكد الدراسات الصادرة عن "مجموعة الأزمات الدولية" أن خطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة يزداد عندما تتداخل الأزمات الداخلية مع التوترات الإقليمية، فإيران لن تسمح بسقوط جبهتها الداخلية، وواشنطن لن تتوقف عن استغلال الثغرات، مما يجعل "حرب اللوحات" و"فيديوهات الميليشيات" مجرد قمة جبل الجليد في صراع وجودي طويل الأمد، وبين "لوحة خوزستان" والاتهامات الأمريكية، تبقى الحقيقة ضائعة في غبار المعارك الإعلامية، لكن المؤكد أن طهران نجحت، على الأقل إعلامياً، في تقديم رواية مضادة مدعومة بالتفاصيل الجغرافية، بينما تظل التقارير الغربية تفتقر إلى "الدليل القاطع" الذي يتجاوز مقاطع فيديو مشوشة على منصة "إكس".


 

تابع موقع تحيا مصر علي