عاجل
الأربعاء 04 فبراير 2026 الموافق 16 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

صراع الصلاحيات في اليمن.. تداعيات قرار الحوثي بمنع هبوط طائرة مدنية  في المخا

الحوثي وأزمة الملاحة
الحوثي وأزمة الملاحة الجوية في اليمن

يمثل حضور الحوثي في المشهد الملاحي اليمني  جوهر الانقسام العميق الذي تعيشه البلاد، حيث لم تعد السماء مجرد ممر للرحلات الدولية بل ساحة صراع مفتوحة على الشرعية والاعتراف والسيطرة المالية. 
فبينما ترى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أن منع طائرة مدنية من الهبوط في مطار المخا هو اعتداء صارخ على حقوق الإنسان وخرق لاتفاقيات الطيران المدني الدولي، تبرر سلطات الأمر الواقع في صنعاء هذه الإجراءات بكونها ممارسة لحق السيادة الوطنية ومنعاً لما تصفه بإنشاء مرافق جوية خارج إطار التنسيق المركزي الموحد. 
هذا التباين الحاد في الرؤى يضع قطاع الطيران اليمني في مهب الريح، ويحول رحلة مدنية روتينية من جدة إلى المخا إلى قضية رأي عام دولي تتشابك فيها المصالح السياسية بالمعاناة الإنسانية المتفاقمة لآلاف المسافرين العالقين بين مطارات الداخل والخارج.

جدلية السيادة المركزية وإدارة المنافذ الجوية

تبرز وجهة النظر الفنية والسياسية القادمة من صنعاء متمسكة بضرورة خضوع كافة المطارات اليمنية لمركز الملاحة الجوية الرئيسي الذي تسيطر عليه، معتبرة أن افتتاح مطارات جديدة أو تسيير رحلات دون المرور بقنواتها الإدارية يمثل تهديداً لوحدة المجال الجوي اليمني. 
ويرى المناصرون لهذا التوجه أن ما جرى مع طائرة المخا هو إجراء تنظيمي لحماية السيادة، حيث يزعمون أن إنشاء مطارات في مناطق الساحل الغربي قد يحمل أبعاداً عسكرية مستترة تتجاوز الغرض المدني المعلن.
في المقابل، يرفض الخبراء القانونيون والملاحيون في عدن هذا المنطق، مؤكدين أن السيطرة على مركز الملاحة في صنعاء هي سيادة "مختطفة" بقوة السلاح، وأن تعطيل مطار مدني يخدم ملايين السكان في تعز والحديدة هو عقاب جماعي لا يستند إلى أي مسوغ قانوني دولي، بل يهدف فقط إلى احتكار الموارد المالية والمكانة السياسية التي يوفرها قطاع النقل الجوي.

مطار المخا بين طموحات التنمية ومخاوف التصعيد

يمثل مطار المخا الدولي بالنسبة للجانب الحكومي والسلطات المحلية في تعز مشروعاً استراتيجياً لكسر الحصار المفروض على المحافظة وتوفير نافذة بديلة للتنقل والتبادل التجاري بعيداً عن الطرق الوعرة والمحفوفة بالمخاطر.
و يرى المؤيدون لهذا المشروع أن منع الرحلة الافتتاحية التي كانت تقل 152 مسافراً هو محاولة لقتل أي بادرة تنمية في المناطق الخارجة عن سيطرة الجماعة.
وعلى النقيض من ذلك، تنظر الأطراف في صنعاء بريبة كبيرة نحو هذا المطار، حيث سبق وأن أطلقت تحذيرات قبل عامين  تدعي فيها أن الموقع الجغرافي للمطار قد يخدم أجندات عسكرية دولية، وهو ما تراه الحكومة مجرد ذرائع لتبرير استهداف منشأة مدنية خالصة.
هذا الانقسام يضع المسافر اليمني، وخاصة المرضى وكبار السن، في موقف لا يحسد عليه، حيث يجد نفسه مضطراً للانتظار لساعات طوال في المطارات بانتظار توافقات سياسية قد لا تأتي قريباً.

الحوثي والقانون الدولي في ميزان المنظمات الجوية

يثير التدخل في مسار الطائرات المدنية وإجبارها على العودة أدراجها نقاشاً قانونياً واسعاً حول التزامات اليمن تجاه منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)، فمن جهة، ترفع وزارة النقل في عدن مذكرات احتجاجية تعتبر هذه التصرفات "قرصنة جوية" صريحة تعرض حياة الأبرياء للخطر وتخالف اتفاقية شيكاجو التي تضمن سلامة الملاحة الجوية. 
وفي الضفة الأخرى، تعتبر سلطات الطيران في صنعاء أنها تلتزم بالمعايير المهنية، وأن أي طيران لا يلتزم بتصاريحها يُعد اختراقاً للأجواء. وبين هذين التأويلين، يقف المجتمع الدولي في حالة من الحذر، حيث يخشى أن يؤدي التصعيد في الجو إلى انهيار ما تبقى من تفاهمات هشة بشأن مطار صنعاء نفسه، مما قد يؤدي في النهاية إلى إغلاق المجال الجوي اليمني بالكامل أمام الرحلات التجارية الدولية، وهو سيناريو كارثي سيعمق العزلة الدولية لليمن.

التبعات الإنسانية وصراع الهوية الملاحية

بعيداً عن السجالات السياسية، تظل المعاناة الإنسانية هي الحقيقة الوحيدة الملموسة على أرض الواقع، حيث تحول فشل رحلة المخا إلى رمز لتشتت الأسر اليمنية وصعوبة التنقل بين المدن. يتحدث المدافعون عن حقوق الإنسان عن كارثة أخلاقية تتمثل في إقحام الطيران المدني في الصراع المسلح، مشيرين إلى أن 152 مسافراً الذين عادوا إلى جدة أو انتظروا في المخا يمثلون آلاف الحالات المشابهة التي تعاني بصمت. يرى البعض أن الحل يكمن في تحييد قطاع الطيران بالكامل وتشكيل غرفة عمليات مشتركة تضمن سلامة الأجواء بعيداً عن النزاع على السلطة، بينما يرى آخرون أن المشكلة بنيوية ولا يمكن حلها إلا باستعادة الدولة لسيطرتها الكاملة على مراكز التحكم الملاحي. إن هذا الصراع على الهوية الملاحية لا يهدد فقط الرحلات الحالية، بل يطرد الاستثمارات المستقبلية في قطاع النقل ويجعل من فكرة بناء مطارات جديدة مخاطرة غير محسوبة النتائج.

مستقبل الأجواء اليمنية في ظل استمرار الانقسام

الحوثي بتمسكه بزمام التحكم في صنعاء، والحكومة بسعيها لتفعيل مطارات بديلة، يضعان مستقبل الطيران المدني اليمني في نفق مظلم قد ينتهي بوضع اليمن على القائمة السوداء للملاحة الجوية العالمية. 
ويرى مراقبون محايدون أن الاستمرار في نهج "منع الهبوط" المتبادل أو فرض القيود على شركات الطيران الوطنية سيؤدي إلى إفلاسها وتوقف خدماتها نهائياً. 
إن الحالة التي شهدها مطار المخا ليست مجرد واقعة عابرة، بل هي جرس إنذار يشير إلى أن الحرب انتقلت من الجبهات الأرضية إلى التنازع على كل قدم مكعب في سماء اليمن
. ومع استمرار غياب الحل السياسي الشامل، يظل المواطن اليمني هو الرهينة الوحيدة فوق السحاب، ينتظر قراراً سياسياً يسمح لطائرته بالهبوط بسلام في مطار وطنه، بعيداً عن صراعات الشرعية والسيادة والسيطرة التي لا تنتهي.


 

 

 

تابع موقع تحيا مصر علي