عاجل
الثلاثاء 03 فبراير 2026 الموافق 15 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

وثائق العار..  بيل كلينتون في قلب عاصفة إبستين بـ 16 رحلة غامضة

بيل كلينتون
بيل كلينتون

لم يكن بيل كلينتون يتخيل، وهو يخطو خطواته السياسية المخضرمة، أن أرشيف الماضي الأسود سيعود لينفجر في وجهه كقنبلة موقوتة لم يتمكن الزمن من إبطال مفعولها.

استيقظت الأوساط الأمريكية والعالمية على وقع زلزال سياسي وأخلاقي جديد مصدره وزارة العدل الأمريكية، التي أزاحت الستار عن وثائق كانت حتى الأمس القريب حبيسة الأدراج المغلقة، لتكشف عن فصول جديدة من الرواية الأكثر غموضًا وإثارة للجدل في تاريخ العلاقات بين السلطة والمال والانحراف، نتيجة تلك الرواية التي تربط الرئيس الأمريكي الأسبق بالممول سيء السمعة جيفري إبستين.

لم تأتِ هذه الوثائق لتهمس في أذن الجمهور، بل جاءت تصرخ بتفاصيل صادمة حول رحلات جوية ومراسلات سرية وعلاقات تشابكت خيوطها في الظلام، لتضع سمعة أحد أبرز قادة الحزب الديمقراطي على المحك، وتعيد رسم ملامح إرثه السياسي بألوان قاتمة، وسط عاصفة من التساؤلات التي لم تعد تقبل أنصاف الإجابات أو البيانات الصحفية المقتضبة، في وقت تشهد فيه واشنطن استقطابًا حادًا جعل من هذه القضية وقودًا لمعركة سياسية طاحنة لا ترحم.

أجنحة الشبهات في سماء "لوليتا إكسبريس"

تفتح الوثائق الجديدة نافذة واسعة على الفترة الممتدة بين عامي ألفين وواحد وألفين وأربعة، وهي الفترة التي يبدو أن الرئيس الأسبق بيل كلينتون قد تخلى فيها عن الحذر الدبلوماسي المعهود ليصبح ضيفًا دائمًا على متن الطائرة الخاصة لجيفري إبستين، تلك الطائرة التي أطلقت عليها الصحافة الأمريكية لقب "لوليتا إكسبريس" لما دار حولها من شبهات وما نُسج حولها من أساطير مرعبة تتعلق بالاتجار بالقاصرات.

وتؤكد السجلات التي كشفت عنها شبكة "سي إن إن" وباقي وسائل الإعلام الكبرى أن كلينتون لم يستقل هذه الطائرة مرة أو مرتين في إطار مجاملات عابرة، بل تشير الأرقام بوضوح صارخ إلى ست عشرة رحلة موثقة، حملته عبر الأجواء إلى وجهات مختلفة، وهو رقم ضخم يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة العلاقة التي كانت تربط زعيم العالم الحر السابق برجل أعمال تحول لاحقًا إلى رمز للشر المطلق في الوعي الجمعي الأمريكي.

ورغم أن المتحدثين باسم كلينتون سارعوا إلى التأكيد مرارًا وتكرارًا على أن هذه الرحلات كانت تندرج في إطار العمل الخيري والمهام الإنسانية لمؤسسة كلينتون، إلا أن تكرار السفر وكثافته على متن طائرة رجل تحيط به الشبهات منذ عقود يجعل من الصعب على الرأي العام ابتلاع رواية البراءة الكاملة دون غصة، خاصة وأن الطائرة نفسها كانت مسرحًا لجرائم أخلاقية هزت وجدان المجتمع الدولي.

الرقصة الخطرة مع جيسلين ماكسويل

لم تكتفِ الأوراق المسربة بالحديث عن الطائرات والرحلات الجوية، بل غاصت في عمق العلاقة التي ربطت مكتب بيل كلينتون بالمرأة الحديدية في إمبراطورية إبستين، جيسلين ماكسويل، التي تقضي الآن عقوبتها خلف القضبان بتهم تتعلق بالاتجار بالجنس.

أظهرت المراسلات المفرج عنها مستوى غير متوقع من الود والتنسيق بين موظفي الرئيس الأسبق وهذه السيدة التي كانت تدير شبكة العلاقات المشبوهة لإبستين، وتكشف الرسائل المتبادلة عن لغة دافئة وتفاهمات لوجستية دقيقة تتجاوز حدود التعاملات الرسمية الجافة، لتصل إلى حد تبادل المجاملات والمغازلات اللفظية بين ماكسويل وبعض مساعدي كلينتون، وهو ما يشير إلى أن ماكسويل لم تكن مجرد شخصية هامشية في حياة الرئيس الأسبق بعد مغادرته البيت الأبيض، بل كانت تتمتع بنفوذ وسهولة في الوصول إلى دائرته المقربة، لدرجة جعلتها قادرة على ترتيب جداول المواعيد وتنسيق اللقاءات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الوثائق تظهر حضورها الطاغي في فعاليات مرتبطة بمؤسسة كلينتون العالمية حتى عام ألفين وثلاثة عشر، أي بعد سنوات طويلة من توجيه الاتهامات الأولى لإبستين، وتلقيها تقديرًا لمشروعها المزعوم "تيرا مار"، وهو ما ينسف الرواية القائلة بأن الرئيس قطع علاقاته تمامًا مع هذه الدائرة الفاسدة بمجرد ظهور الشبهات، حيث تبدو الصور والوثائق كشاهد عيان لا يكذب على استمرار قنوات الاتصال مفتوحة ودافئة لسنوات طويلة في الخفاء والعلن.

دفاعات مهتزة أمام طوفان الحقائق

في مواجهة هذا الطوفان من المعلومات، يحاول الفريق القانوني والإعلامي للرئيس بيل كلينتون بناء جدار من النفي والتبرير، مستندين إلى حجة أساسية مفادها أن الرئيس لم يكن على علم بأي من الأنشطة الإجرامية التي كان يمارسها إبستين، وأنه لم تطأ قدماه يومًا جزيرة "ليتل سانت جيمس" المشبوهة في جزر العذراء، التي كانت وكرًا للرذيلة والانتهاكات، إلا أن هذه الدفاعات تصطدم بصخرة الواقع الذي تكشفه الوثائق يومًا بعد يوم، فالمراسلات تظهر تنسيقًا عالي المستوى شمل شخصيات دولية بارزة مثل الأمير أندرو، دوق يورك، مما يوحي بوجود شبكة علاقات معقدة ومترابطة كان كلينتون جزءًا من نسيجها الاجتماعي واللوجستي.

وسواء كان يعلم بالتفاصيل الدقيقة للجرائم أم لا، فإن مجرد تواجده المكثف في هذا المحيط يضعه في دائرة المساءلة الأخلاقية، كما أن التناقض الصارخ بين البيانات الرسمية التي تتحدث عن قطيعة تامة عام ألفين وستة، وبين الوقائع التي تثبت حضور ماكسويل لمؤتمرات المؤسسة بعد ذلك بسبع سنوات، يضع مصداقية الرئيس الأسبق في مهب الريح، ويجعل من تصريحات براءته مادة دسمة للمشككين والمتربصين، الذين يرون في هذا الإنكار محاولة يائسة للهروب من استحقاقات تاريخية قد تلطخ الصفحة الأخيرة من كتاب حياته السياسية.

معركة كسر العظام في أروقة الكونجرس

لم تبقَ أصداء هذه الفضيحة حبيسة صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، بل انتقلت نيرانها لتشتعل تحت قبة الكونجرس الأمريكي، حيث تحول ملف بيل كلينتون وعلاقته بإبستين إلى ساحة حرب مفتوحة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في مشهد يعكس الانقسام العميق الذي تعيشه الولايات المتحدة، فالجمهوريون الذين يمسكون بزمام المبادرة في لجان التحقيق يرون في هذه الوثائق فرصة ذهبية لتوجيه ضربة قاصمة لأحد رموز الخصم، مطالبين بضرورة مثول كلينتون أمام اللجان للإدلاء بشهادته تحت القسم، ومعتبرين أن رفضه المتكرر للحضور يشكل استخفافًا بالسلطة التشريعية وازدراءً للقانون.

وفي المقابل، يرى معسكر كلينتون أن هذه التحركات ليست سوى مناورات سياسية كيدية تهدف إلى تشويه السمعة وتصفية الحسابات بعيدًا عن البحث الحقيقي عن العدالة، وقد تصاعدت وتيرة المواجهة بعد تصويت اللجنة على إحالة تهمة ازدراء الكونجرس إلى وزارة العدل، في خطوة تصعيدية قد لا تفضي بالضرورة إلى السجن، لكنها تحمل دلالات رمزية ثقيلة وتضع الرئيس الأسبق في موقف المتهم الهارب من العدالة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويفتح الباب أمام سيناريوهات قانونية وسياسية مفتوحة على كل الاحتمالات في الأسابيع المقبلة.

ظلال الماضي ومستقبل الإرث الرئاسي

في خضم هذه المعركة الضارية، يبدو أن الخاسر الأكبر هو الإرث التاريخي للرئيس الثاني والأربعين للولايات المتحدة، فبينما كان يسعى بيل كلينتون لتكريس صورته كرجل دولة حكيم وراعي للمبادرات الإنسانية العالمية.

وجاءت هذه الوثائق لتلطخ تلك الصورة بمداد من الشك والريبة، وتعيد إلى الأذهان حقبة الفضائح التي لاحقته طوال مسيرته، ولكن هذه المرة بنكهة أكثر مرارة وخطورة لارتباطها بجرائم استغلال القصر.
إن هذه التفاصيل المتدفقة من أرشيف وزارة العدل لا تعيد فقط كتابة تاريخ العلاقة بين كلينتون وإبستين، بل تعيد تشكيل الذاكرة الأمريكية حول حقبة كاملة، كاشفة عن الجانب المظلم للنخبة العالمية التي اعتقدت يومًا أنها فوق القانون وفوق الشبهات.

واليوم، وبينما يراقب العالم فصول هذه الدراما الواقعية، يدرك الجميع أن الحقيقة كاملة لم تظهر بعد، وأن ما خفي في دهاليز هذه العلاقة الشائكة قد يكون أعظم وأشد وطأة، ليبقى السؤال المعلق في سماء واشنطن: هل يصمد إرث كلينتون أمام رياح "لوليتا إكسبريس" العاتية، أم أن التاريخ سيكتب فصله الأخير بحروف من إدانة وعار؟
 

تابع موقع تحيا مصر علي