عاجل
الخميس 05 فبراير 2026 الموافق 17 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

قمة القاهرة.. تحالف عسكري واقتصادي يدشن العصر الذهبي لـ العلاقات المصرية التركية

السيسي وأردوغان
السيسي وأردوغان

في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في خريطة التحالفات الإقليمية، وتتويجاً لمسار طويل من الدبلوماسية الهادئة والمكوكية، تشهد العلاقات المصرية التركية اليوم، لحظة تاريخية فارقة باحتضان قصر الاتحادية بالقاهرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ضيافة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لترؤس الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين. 

إن ما حدث اليوم في القاهرة يتجاوز مجرد زيارة بروتوكولية أو لقاء ودي؛ بل هو إعلان رسمي عن دخول قوتين إقليميتين كبريين في مرحلة "الشراكة الاستراتيجية الشاملة"، حيث لم يكتفِ الزعيمان بمصافحة الأيدي بل وقّعا على حزمة من الاتفاقيات النوعية، كان أبرزها وأكثرها دلالة التوقيع على اتفاقية إطارية للتعاون العسكري، وهو تطور لافت يشي بأن القاهرة وأنقرة قد طويتا صفحة الخلاف تماماً وبدأتا في صياغة منظومة أمنية واقتصادية مشتركة تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط.

من الجفاء الدبلوماسي إلى التحالف الاستراتيجي

لم يكن الطريق إلى قمة القاهرة اليوم مفروشاً بالورود، بل كان محفوفاً بتحديات جسيمة وعقد من الزمان سادته القطيعة والتوتر، إلا أن الحكمة السياسية وإدراك حقائق الجغرافيا والتاريخ فرضت نفسها في نهاية المطاف، لتبدأ رحلة إذابة الجليد تدريجياً من خلال "دبلوماسية الاستكشاف" التي انطلقت عام 2021، مروراً بالمصافحة الشهيرة في الدوحة عام 2022، وصولاً إلى تبادل السفراء في عام 2023. 

إن المراقب للمشهد اليوم يدرك أن ما يجري ليس مجرد مصالحة عابرة، بل هو إعادة تموضع استراتيجي نابعة من قراءة دقيقة للمتغيرات الدولية والإقليمية التي تفرض على البلدين التعاون بدلاً من التنافر، وهو ما تجلى بوضوح في الزيارات المتبادلة التي كسرت حاجز الصمت، بدءاً من زيارة أردوغان للقاهرة في فبراير 2024 ثم زيارة الرئيس السيسي التاريخية لأنقرة في سبتمبر من العام ذاته، لتأتي قمة اليوم في 2026 لتضع اللبنات النهائية لهذا الصرح الدبلوماسي الجديد.

الاقتصاد.. قاطرة العلاقات التي لم تتوقف

المثير للاهتمام أن العلاقات المصرية التركية حافظت على شريان حياة اقتصادي قوي حتى في أحلك لحظات التوتر السياسي، فقد أثبتت لغة الأرقام والمصالح أنها أقوى من الخلافات الأيديولوجية، حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تزامناً مع الزيارة أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قفز إلى 6.8 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بـ 6.6 مليار دولار في العام السابق له، وهو مؤشر واضح على متانة الروابط التجارية التي تستند إلى اتفاقية التجارة الحرة الموقعة منذ عام 2005. 

ويسعى الزعيمان اليوم من خلال مذكرات التفاهم الاقتصادية الموقعة، والتي شملت مجالات الاستثمار والصناعة، إلى القفز بهذا الرقم للوصول إلى الهدف الطموح المعلن وهو 15 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، فالشركات التركية تجد في مصر سوقاً واعدة وبوابة للنفاذ إلى القارة الأفريقية، بينما ترى القاهرة في الاستثمارات التركية، التي بلغت نحو 175 مليون دولار في العام المالي الأخير، رافداً مهماً لتوطين الصناعة، خاصة في قطاعات المنسوجات والملابس الجاهزة والأجهزة الكهربائية، مما يؤكد أن الاقتصاد يلعب دور "المرساة" التي تمنع انجراف العلاقات نحو المجهول مرة أخرى.

تعاون عسكري وأمني يغير المعادلات

لعل أبرز ما ميز قمة اليوم هو البعد الأمني والعسكري الذي اكتسبته العلاقات المصرية التركية بشكل رسمي وعلني للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، فالتوقيع على الاتفاقية العسكرية الإطارية بحضور وزيري دفاع البلدين يمثل نقلة نوعية غير مسبوقة، تفتح الباب واسعاً أمام تعاون عميق في مجالات التصنيع العسكري المشترك، وتبادل الخبرات، وربما المناورات المشتركة مستقبلاً. 

هذا التقارب العسكري يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات غير مسبوقة، مما يجعل التنسيق بين أقوى جيشين في المنطقة ضرورة حتمية لضمان الاستقرار، كما أن الحديث عن تزويد مصر بطائرات مسيرة تركية متطورة وتقنيات دفاعية يعكس ثقة متبادلة متنامية، ويؤكد أن الطرفين قد تجاوزا هواجس الماضي الأمنية وباتوا ينظرون إلى بعضهم البعض كشركاء في الحفاظ على الأمن الإقليمي، وليس كخصوم، وهذا التحول بحد ذاته يبعث برسائل قوية لكافة الأطراف الإقليمية والدولية بأن القاهرة وأنقرة عازمتان على صياغة معادلة أمنية جديدة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، تقوم على التكامل لا التنافس.

توافق الرؤى حول قضايا المنطقة المشتعلة

لم تغب الملفات الإقليمية الساخنة عن طاولة المباحثات في قصر الاتحادية، حيث أظهرت النقاشات تقارباً كبيراً في وجهات النظر تجاه القضايا المصيرية، وفي مقدمتها الوضع المأساوي في قطاع غزة، حيث تتفق الرؤية المصرية والتركية على ضرورة الوقف الفوري للعدوان وضمان نفاذ المساعدات، والعمل المشترك لمنع تصفية القضية الفلسطينية، وهو موقف موحد يمنح الدبلوماسية العربية والإسلامية ثقلاً أكبر في المحافل الدولية.

 أما في الملف الليبي، الذي كان يوماً ما نقطة الخلاف الرئيسية، فقد نجح البلدان في تحويله من ساحة للصراع بالوكالة إلى مساحة للتنسيق المشترك، حيث بات الهدف المعلن للطرفين هو الحفاظ على وحدة ليبيا واستقرارها ودعم المسار السياسي وصولاً إلى انتخابات حرة، مع تراجع حدة الاستقطاب بفضل قنوات الاتصال المفتوحة بين أجهزة استخبارات البلدين. هذا التناغم ينسحب أيضاً على ملفات أخرى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مما يثبت أن عودة الدفء إلى العلاقات المصرية التركية يصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي برمته، ويقطع الطريق على محاولات العبث بأمن المنطقة من قبل أطراف خارجية.

آفاق المستقبل.. شراكة مستدامة لا مرحلية

يمكن القول إن ما شهدته القاهرة اليوم من توقيع اتفاقيات شملت الصحة، والتعليم، والرياضة، بجانب الملفات السياسية والعسكرية الكبرى، يؤكد أننا أمام تأسيس لشراكة مجتمعية وشعبية، وليست مجرد تفاهمات فوقية بين القادة، فتعزيز الروابط الثقافية والسياحية بين الشعبين يضمن استدامة هذه العلاقات ويحصنها ضد أي تقلبات سياسية مستقبلية. 

إن الزخم الحالي الذي تكتسبه العلاقات المصرية التركية يبشر بمستقبل واعد، حيث تتكامل القدرات المصرية، بموقعها الاستراتيجي وثقلها العربي، مع القدرات التركية، بنفوذها الاقتصادي والعسكري، لتشكيل محور قوي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية والتهديدات الأمنية المتصاعدة. لقد أثبتت الأيام أن ما يجمع القاهرة وأنقرة من روابط تاريخية ومصالح مشتركة أكبر بكثير مما يفرقهما، وأن العودة إلى المسار الطبيعي لم تكن خياراً ترفيهياً بل ضرورة استراتيجية تفرضها لغة العقل والمصالح العليا للدولتين والشعبين الشقيقين.

تابع موقع تحيا مصر علي