حصار المستشفيات وأوجاع النزوح.. انتهاكات قوات الدعم السريع في السودان
تتصاعد وتيرة المأساة الإنسانية في السودان مع دخول الصراع منعطفات شديدة الخطورة، حيث تواصل قوات الدعم السريع استهداف البنى التحتية والمرافق الحيوية في قلب المدن المحاصرة، مما يضع حياة ملايين المدنيين على المحك في ظل غياب شبه كامل لخدمات الرعاية الصحية الأساسية.
وتأتي التطورات الأخيرة في مدينة كادوقلي والفاشر لتكشف عن نمط ممنهج من العمليات العسكرية التي تتجاهل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، إذ لم يعد القصف يفرق بين المواقع العسكرية والتجمعات المدنية، بل امتد ليشمل المشافي التي تعد الملاذ الأخير للجرحى والمرضى. إن التقارير الواردة من شبكة أطباء السودان ترسم صورة قاتمة لواقع يعيشه السودانيون تحت نيران المدافع والمسيّرات، حيث تتحول دور الاستشفاء إلى ساحات للموت، وتُستخدم المرافق الطبية كثكنات عسكرية تابعة لـ قوات الدعم السريع، مما أدى إلى خروج نسبة هائلة من المؤسسات الصحية عن الخدمة، تاركةً الأمهات والأطفال وكبار السن في مواجهة مباشرة مع الأوبئة وسوء التغذية الحاد، وسط صمت دولي وتحديات لوجستية تمنع وصول المساعدات الضرورية للمناطق المنكوبة.
كادوقلي تحت الحصار واستهداف الكوادر الطبية
لم تكد أنفاس مواطني مدينة كادوقلي تهدأ عقب إعلان الجيش السوداني فك الحصار الجزئي وفتح مسارات إنسانية للإمدادات، حتى عادت آلة الحرب لتمزق هدوء المدينة من جديد عبر هجمات جوية وبرية مركزة. فقد أكدت المصادر الميدانية أن المدينة تعرضت لسلسلة من الاستهدافات المباشرة التي قادتها قوات الدعم السريع لليوم الثاني على التوالي، حيث كان مستشفى السلاح الطبي هدفاً مباشراً لطائرة مسيّرة أودت بحياة شخص وأصابت ثمانية آخرين بجروح متفاوتة. هذا التصعيد لا يمثل مجرد خرق أمني، بل هو ضربة في صميم المنظومة الصحية المتهالكة أصلاً، إذ يعد هذا المستشفى هو المرفق الثاني الذي يتم ضربه في أقل من ثمان وأربعين ساعة، مما يعيق جهود الأطباء والمتطوعين في تقديم الحد الأدنى من الإسعافات الأولية. إن استمرار هذا القصف على المناطق السكنية والمراكز الطبية يبرهن على رغبة واضحة في تعطيل أي محاولة لاستعادة الحياة الطبيعية أو توفير الأمن الغذائي والدوائي للمدنيين العزل الذين باتوا رهينة للصراع المسلح.
الفاشر وتحديات الصمود في وجه القصف الممنهج
وفي إقليم دارفور، وتحديداً في مدينة الفاشر التي تعد مركزاً استراتيجياً وإنسانياً لولاية شمال دارفور، يعيش مئات الآلاف من النازحين فصولاً مرعبة من المعاناة تحت وطأة الحصار المطبق. فالمتحدث باسم شبكة أطباء السودان، محمد فيصل، أشار بوضوح إلى أن المدينة تتعرض لعمليات قصف ممنهج تنفذها قوات الدعم السريع، مما جعل الحركة داخل الأحياء مغامرة محفوفة بالمخاطر. الفاشر التي كانت ملاذاً آمناً للفارين من ولايات دارفور الأخرى، تحولت الآن إلى سجن كبير يفتقر لأبسط مقومات البقاء، حيث تسببت الهجمات المستمرة في تدمير محطات المياه وشبكات الكهرباء، فضلاً عن تعطل الأسواق المحلية. إن الاكتظاظ السكاني الهائل داخل المدينة يزيد من تعقيد الأزمة، حيث تنتشر الأمراض المعدية وتتفاقم حالات سوء التغذية بين الأطفال الذين لا يجدون الحليب أو الأدوية الأساسية، في ظل منع دخول القوافل الإغاثية التي تحاول الوصول إلى المحتاجين وتعرقلها الحواجز العسكرية المنتشرة في المحيط.
تحويل المستشفيات إلى ثكنات عسكرية وانتهاك القانون الدولي
تمثل الشهادات الميدانية الصادرة عن الكوادر الطبية دليلاً دامغاً على حجم الكارثة الحقوقية التي يشهدها السودان، حيث تشير التقارير إلى قيام قوات الدعم السريع بتحويل العديد من المشافي والمراكز الصحية في مناطق سيطرتها إلى ثكنات عسكرية ومراكز لإدارة العمليات.
هذا المسلك لا يؤدي فقط إلى حرمان المواطنين من حقهم الدستوري والإنساني في العلاج، بل يجعل من هذه المنشآت أهدافاً عسكرية مشروعة في نظر الطرف الآخر، مما يضاعف من احتمالية تدميرها بالكامل. إن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف تحظر بشكل قاطع استخدام الأعيان المدنية لأغراض عسكرية، إلا أن الواقع على الأرض يعكس استهتاراً بهذه القواعد، حيث يتم طرد الأطباء وإجلاء المرضى قسراً لاستخدام غرف العمليات والأسرة كأماكن لإقامة المقاتلين وتخزين الذخائر، وهو ما يفسر خروج أكثر من خمسين بالمئة من المرافق الطبية في مناطق النزاع عن الخدمة تماماً، مما خلق فجوة صحية هائلة لا يمكن ردمها في القريب العاجل.
الطفولة السودانية بين مطرقة الجوع وسندان الصدمات النفسية
لا تنتهي آثار الحرب عند حدود الرصاص والانفجارات، بل تمتد لتغتال مستقبل الجيل القادم من أطفال السودان الذين باتوا الضحية الصامتة لهذا النزاع الدموي. ففي ظل نقص الغذاء الحاد وانهيار سلاسل التوريد، تسجل المنظمات الطبية ارتفاعاً مخيفاً في معدلات سوء التغذية الحاد والتقزم بين الرضع والأطفال الصغار، خاصة في المناطق التي تخضع لسيطرة أو حصار قوات الدعم السريع. وإلى جانب الجوع الجسدي، تبرز أزمة الدعم النفسي كأولوية قصوى لا تقل أهمية عن العلاج الدوائي، إذ يعاني آلاف الأطفال من اضطرابات ما بعد الصدمة جراء رؤية مشاهد العنف وفقدان الوالدين أو النزوح القسري تحت التهديد.
إن الفرق الميدانية لشبكة أطباء السودان تحذر من أن إهمال الجانب النفسي والتربوي لهؤلاء الأطفال سيخلق أزمة اجتماعية ممتدة لسنوات طويلة، مما يستوجب تدخلات عاجلة من المنظمات الدولية لإنشاء مساحات آمنة وبرامج تأهيل نفسي متخصصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براءة ضاعت وسط دخان المدافع.
المسؤولية الدولية وضرورة التحرك العاجل لحماية المدنيين
أمام هذا التدهور المريع في الأوضاع الإنسانية، لم يعد الصمت الدولي خياراً مقبولاً، إذ يتطلب الوضع في السودان ضغطاً حقيقياً على الأطراف المتصارعة للالتزام بمسارات السلام وحماية المدنيين. إن شبكة أطباء السودان من خلال متحدثيها الرسميين وفرقها المنتشرة في جميع الولايات، تواصل إطلاق نداءات الاستغاثة لتوفير الرعاية الصحية الأولية للنازحين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في ظروف مناخية وصحية قاسية. يجب على المجتمع الدولي تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة تجاه أي جهة تستهدف الكوادر الطبية أو تمنع وصول المساعدات، مع ضرورة تأمين ممرات آمنة ودائمة تضمن تدفق الأدوية والمستلزمات الجراحية للمناشئ الطبية المتبقية. إن استعادة الأمن في مدن مثل كادوقلي والفاشر والخرطوم تبدأ من تحييد القطاع الصحي والمدني عن الصراع، وضمان عدم استخدام الاحتياجات الإنسانية كوسيلة للضغط العسكري أو السياسي، ليبقى الهدف الأسمى هو الحفاظ على حياة الإنسان السوداني الذي يدفع ثمن حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
تطبيق نبض