"أطول انتخابات.. سقوط رئيس حكومة أثناء جلسة.. إسقاط عضوية رئيس المجلس".. "البرلمان المصري" سجل حي للمفارقات التاريخية
من وقائع سياسية نادرة إلى مشاهد معاصرة تعكس تطور الأداء النيابي وتنوع التمثيل
على مدار أكثر من 150 عامًا، شكّل البرلمان المصري أحد أبرز ملامح الحياة السياسية، ليس فقط بوصفه سلطة تشريعية ورقابية، بل كمساحة تتكثف فيها لحظات التحول الوطني. وبين جلسة وأخرى، سجلت القبة البرلمانية مفارقات استثنائية، لم تخرج عن إطار العمل الدستوري، لكنها اكتسبت قيمتها من دلالاتها السياسية والرمزية، لتتحول إلى علامات فارقة في الذاكرة النيابية.
قراءة تاريخ البرلمان تكشف أن كثيرًا من هذه المفارقات ارتبطت بلحظات مفصلية في تاريخ الدولة. فالبرلمان، بحكم موقعه، كان دومًا شاهدًا على تداخل القرار السياسي مع السياق العام، وعلى قدرة المؤسسة التشريعية على التفاعل مع الأحداث الكبرى، سواء عبر مناقشات حاسمة أو جلسات غير مسبوقة في طبيعتها ونتائجها.
مفارقات البرلمان الحالي في الحاضر
في الحاضر، يحمل البرلمان الحالي مفارقات من نوع مختلف، تعكس تطور التجربة البرلمانية نفسها. فقد وُصفت الانتخابات الأخيرة بأنها من الأطول والأعقد، سواء من حيث الإجراءات أو التنافس، ما أفرز مجلسًا متنوعًا في خلفيات أعضائه وتجاربهم. كما شهدت الجلسة الأولى مشاهد لافتة، أبرزها صعود وجوه عادت إلى المجلس بقرارات قانونية، ثم حصلت على معطيات مؤثرة تحت القبة.

وتبرز المفارقة الأهم في الحضور النسائي اللافت بالجلسة الافتتاحية، مع اعتلاء ثلاث سيدات منصة هيئة مكتب مجلس النواب لأول مرة في التاريخ، برئاسة النائبة الدكتورة عبلة الهواري، هذا المشهد لم يكن مجرد حدث رمزي، بل مؤشر واضح على اتساع المشاركة السياسية، وتطور النظرة إلى دور المرأة داخل المؤسسة التشريعية.
وفي قلب مفارقات البرلمان الحالي، يبرز مشهد النائبة سحر عثمان بوصفه أحد أكثر اللقطات دلالة على حيوية المشهد النيابي وقدرته على تصحيح مساراته. فالنائبة التي كانت خارج المجلس قبل أسابيع قليلة فقط، عادت إلى تحت القبة بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات بعد قبول تظلمها، لتتحول سريعًا من حالة قانونية محل نقاش إلى رقم مؤثر داخل البرلمان. ولم تتوقف المفارقة عند حدود العودة، بل اكتملت بحصولها على 89 صوتًا في انتخابات منصب وكيل المجلس، في مشهد عكس ديناميكية التوازنات داخل القاعة، ورسّخ فكرة أن المشهد البرلماني لا تحكمه فقط النتائج الأولية، بل أيضًا المسارات القانونية والدستورية التي قد تعيد تشكيل الواقع السياسي في لحظات فارقة.
سقوط رئيس الحكومة بسبب الفرحة الزائدة 1940
في نوفمبر 1940، تحولت الجلسة الافتتاحية للبرلمان من مناسبة بروتوكولية إلى واقعة استثنائية. رئيس الحكومة آنذاك، حسن صبري باشا، حضر إلى القاعة ليستعد لتلاوة خطاب العرش، بعد ساعات قليلة من حصوله على وسام محمد علي الأعظم، أعلى أوسمة الدولة في ذلك الوقت. الأجواء كانت احتفالية، لكن اللحظة انقطعت فجأة حين سقط رئيس الحكومة داخل القاعة قبل بدء كلمته، ليتبين لاحقًا أنه توفي في مكانه. الواقعة رسخت في الذاكرة البرلمانية بوصفها حدثًا نادرًا شهدته القبة في قلب العمل السياسي.

وبعد سنوات قليلة، عاد البرلمان ليكون مسرحًا لقرار سيادي بالغ الأهمية خلال الحرب العالمية الثانية. ففي فبراير 1945، ناقش مجلس النواب، في جلسة سرية، موقف مصر من الحرب الدائرة في أوروبا.
البرلمان والحرب العالمية الثانية
رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا عرض على النواب طلب الانضمام إلى جانب الحلفاء وإعلان الحرب على ألمانيا، ونجح بعد مناقشات مطولة في الحصول على موافقة الأغلبية. وعقب انتهاء الجلسة، وأثناء انتقاله داخل المبنى ذاته لاستكمال الإجراءات الدستورية، تعرض لإطلاق نار أودى بحياته، ليبقى البرلمان شاهدًا على تداخل القرار السياسي مع أحداث جسيمة وقعت في اللحظة نفسها.
إسقاط عضوية رئيس المجلس في السبعينات
وفي مايو 1971، شهد المجلس واحدة من أكثر جلساته إثارة للانتباه، عندما اجتمع مئات النواب في جلسة طارئة انتهت بإسقاط عضوية رئيس المجلس الدكتور محمد لبيب شقير، إلى جانب عدد من الوكلاء والنواب، بلغ إجماليهم 18 عضوًا. الجلسة، التي ترأسها أكبر الأعضاء سنًا، أسفرت عن إعادة تشكيل هيئة المكتب، وسجلت سابقة لم تتكرر في تاريخ البرلمان، عكست حجم التحولات السياسية في تلك المرحلة.

وبهذا، يظل البرلمان المصري شاهدًا على وقائع لا تتكرر كثيرًا، حيث لم تقتصر أدواره على سن القوانين، بل احتضن لحظات فارقة صنعت ذاكرة سياسية متراكمة، تؤكد أن تحت القبة تُسجل محطات أساسية في تاريخ الدولة.
تطبيق نبض