شعب واحد في دولتين.. زيارة الرئيس السيسي للإمارات تحالف الأشقاء في مواجهة التحديات الإقليمية
تأتي زيارة الرئيس السيسي للإمارات اليوم كطلقة رصاص دبلوماسية في قلب المشهد الإقليمي المتغير، حيث تجسد في توقيتها ودلالاتها ذروة التنسيق المشترك بين القاهرة وأبوظبي، وتعلن للعالم أن التحالف المصري الإماراتي هو حجر الزاوية الصلب لاستقرار منطقة الشرق الأوسط في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة.
ترسم الزيارة ملامح مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والسياسي، وتضع النقاط على الحروف في ملفات شائكة تتصدرها الأوضاع في غزة وأمن البحر الأحمر، فضلاً عن دفع قاطرة الاستثمارات المليارية التي باتت تربط مصير البلدين بمستقبل واحد وتنمية مستدامة تتجاوز حدود الجغرافيا لتصنع واقعاً عربياً جديداً يتسم بالقوة والريادة والقدرة على مواجهة العواصف الدولية.
كما تكتسب زيارة الرئيس السيسي للإمارات في مطلع هذا العام أهمية استثنائية تعكس عمق التناغم غير المسبوق في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث عقد الزعيمان نحو خمس وعشرين قمة منذ تولي الشيخ محمد بن زايد رئاسة الدولة، ما جعل من هذا التنسيق المستمر المحرك الرئيسي لصناعة القرار العربي المشترك، فيما تركز المباحثات الثنائية في قصر الوطن على ترسيخ آليات العمل المشترك وتوسيع آفاق التعاون لتشمل قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، مع التأكيد على أن قوة مصر هي قوة للإمارات وأن نهضة الإمارات هي دعم لمصر، وهو ما يفسر حرص القيادة المصرية على هذه الزيارة الأخوية لمتابعة ما تم الاتفاق عليه في قمة العلمين واللقاءات السابقة، وضمان استمرارية الزخم في العلاقات التي لم تعد مجرد تعاون بين دولتين بل تحولت إلى نموذج يحتذى به في التكامل القومي والسياسي.
أمن المنطقة وإدارة الأزمات في صدارة أجندة أبوظبي
في سياق التحديات الإقليمية المتسارعة، تضع زيارة الرئيس السيسي للإمارات ملف الأمن القومي العربي على طاولة المفاوضات بجدية بالغة، حيث توافقت الرؤى بين القاهرة وأبوظبي على ضرورة الوقف الفوري والدائم لإطلاق النار في قطاع غزة وتفعيل "مجلس السلام" كآلية دولية لتنفيذ حل الدولتين، كما شدد الزعيمان على الرفض القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم، وامتد النقاش ليشمل ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر وتجنب التصعيد العسكري الذي قد يضر بالتجارة العالمية، وضرورة احترام السيادة الوطنية للدول العربية ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية، مما يعزز من دور المحور المصري الإماراتي كصمام أمان يحمي المنطقة من الانزلاق نحو صراعات أوسع، ويؤكد أن التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين هو الضمانة الحقيقية لاستعادة الاستقرار الإقليمي المنشود.
شراكات استثمارية بآفاق عالمية واتفاقية التجارة الحرة
على الصعيد الاقتصادي، تمثل زيارة الرئيس السيسي للإمارات نقطة انطلاق كبرى نحو تفعيل اتفاقيات استثمارية ضخمة، حيث يبحث الجانبان اللمسات الأخيرة لاتفاقية التجارة الحرة التي ستؤدي إلى انسيابية غير مسبوقة في حركة الصادرات والواردات، وتأتي هذه الخطوات استكمالاً لمشاريع كبرى مثل مشروع "رأس الحكمة" الذي غير خارطة الاستثمار السياحي في المنطقة، واتفاقيات مجموعة موانئ أبوظبي لتطوير منطقة "كيزاد شرق بورسعيد" ومحطة سفاجا، وتهدف هذه التحركات إلى رفع حجم التبادل التجاري الذي تجاوز بالفعل حاجز الأربعة مليارات دولار في النصف الأول من العام الماضي، مع التركيز على قطاعات الصناعات التحويلية واللوجستيات والبنية التحتية، وهو ما يترجم الرؤية الاقتصادية المشتركة الهادفة إلى خلق سوق متكاملة تجذب الاستثمارات العالمية وتوفر فرص عمل واسعة للشباب في كلا البلدين، مما يحول التعاون الاقتصادي إلى درع حماية للتنمية والاستقرار المجتمعي.
جذور تاريخية ومصير مشترك يجمع القاهرة وأبوظبي
لا يمكن قراءة تفاصيل زيارة الرئيس السيسي للإمارات بمعزل عن التاريخ الطويل من المودة والتعاون الذي أرسى قواعده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والذي كان يرى في مصر قلب العروبة النابض، حيث استمرت هذه العلاقات في النمو والازدهار لتصل اليوم إلى مرحلة "الشعب الواحد في دولتين"، وتستند هذه الخلفية الموسعة إلى إرث من الدعم المتبادل في كافة المحافل الدولية ومواقف سياسية مشرفة اتخذتها الإمارات لدعم الدولة المصرية في أحرج لحظاتها التاريخية.
وفي المقابل ظلت مصر دوماً هي السند الاستراتيجي والعمق الأمني للأشقاء في الخليج، وهذا التشابك المصيري هو ما يمنح الزيارات المتبادلة بين السيسي وبن زايد صبغة خاصة تتجاوز الرسميات إلى آفاق الأخوة الصادقة، لتظل العلاقات المصرية الإماراتية نموذجاً فريداً للصلابة والوفاء في عالم تتقاذفه الأمواج السياسية المتلاطمة، وتثبت يوماً بعد يوم أن هذا التحالف هو الرهان الرابح لمستقبل الأمة العربية.
تطبيق نبض
