«على خطاه».. تركي آل الشيخ يُدشن أضخم مشروع لتوثيق الهجرة النبوية
يمثل مشروع على خطاه الذي أعلن عنه المستشار تركي آل الشيخ نقطة تحول جوهرية في مسار السياحة الدينية والتاريخية في المملكة العربية السعودية، حيث يهدف هذا المشروع الطموح الذي يمتد على مسافة 470 كيلومتراً إلى إعادة إحياء مسار الهجرة النبوية الشريفة بأسلوب توثيقي دقيق يجمع بين الأصالة التاريخية والتقنيات الحديثة.
يأتي هذا الإعلان ليعكس توجه المملكة نحو استثمار مقوماتها التاريخية الفريدة لتقديم تجربة إيمانية وثقافية استثنائية للزوار من مختلف أنحاء العالم، وقد حظي التدشين بحضور رفيع المستوى يعكس اهتمام القيادة بهذه المبادرات النوعية، حيث شارك في الجولة الميدانية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة، وصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة.
الرؤية الاستراتيجية والأبعاد الاقتصادية للمشروع
تتجاوز أهداف مشروع على خطاه مجرد كونه مساراً سياحياً تقليدياً، إذ يحمل في طياته أبعاداً اقتصادية وتنموية ضخمة تتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع مصادر الدخل، وقد أوضح رئيس الهيئة العامة للترفيه في كلمته خلال الافتتاح أن الخطط الموضوعة للمشروع تتسم بالطموح والتدرج المدروس، حيث تستهدف المرحلة الأولى جذب مليون زائر سنوياً لخوض هذه التجربة الفريدة التي تربط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
تمتد التطلعات المستقبلية للمشروع لتصل إلى أرقام قياسية، حيث تسعى الخطط التشغيلية للوصول إلى خمسة ملايين زائر بحلول عام 2030، وهو ما يعكس الثقة في جاذبية المنتج الثقافي الإسلامي، ولم يتوقف الطموح عند هذا الحد، بل أشار المستشار تركي آل الشيخ إلى وجود دراسات جادة تهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية وأعداد الزوار مستقبلاً لتصل إلى عشرة ملايين زائر، مما يضع المشروع في مصاف الوجهات السياحية العالمية الكبرى.
تلعب البنية التحتية المتطورة دوراً حاسماً في نجاح هذه المبادرة، حيث يجري العمل على قدم وساق لتنفيذ مشاريع نوعية تسهل حركة الزوار وتثري تجربتهم، ومن أبرز هذه المشاريع تركيب "تلفريك" في منطقة غار ثور، والذي يعد أحد أهم المعالم التاريخية في السيرة النبوية، وسيساهم هذا المشروع في تسهيل الوصول إلى الغار بطاقة تشغيلية عالية تصل إلى ثلاثة آلاف شخص في الساعة الواحدة.
ينعكس هذا الحراك السياحي والعمراني بشكل مباشر على سوق العمل في المملكة، حيث يعد المشروع محركاً قوياً لخلق الفرص الوظيفية للشباب السعودي، وتشير التقديرات الأولية إلى أن المرحلة الأولى ستوفر نحو 25 ألف وظيفة متنوعة، وهو رقم مرشح للزيادة بشكل كبير مع توسع مراحل المشروع وتشغيل كافة مرافقه وخدماته المساندة.
تتجه التوقعات المستقبلية إلى أن يصل عدد الوظائف التي يوفرها مشروع على خطاه إلى 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، مما يساهم في خفض معدلات البطالة وتعزيز التنمية المحلية في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسيتم إدارة عمليات التوظيف بالتنسيق الكامل مع إمارتي المنطقتين وبالتعاون مع شركة "صلة"، لضمان وصول الفرص لمستحقيها من الكفاءات الوطنية.
لن تقتصر عملية التوظيف على التشغيل المباشر فحسب، بل ستتضمن برامج تأهيلية وتدريبية متخصصة لضمان تقديم خدمات ترقى لمستوى الحدث، وقد أكد القائمون على المشروع التزامهم بتقديم دورات تدريبية وفق الضوابط الشرعية، مما يضمن تأهيل كوادر وطنية قادرة على تقديم شرح وافٍ وموثق للسيرة النبوية والتعامل باحترافية مع الزوار من مختلف الثقافات.
دور هيئة الترفيه في تعزيز الهوية الثقافية
يأتي انخراط الهيئة العامة للترفيه في مشروع على خطاه كدليل على توسع دور الهيئة وتنوع مبادراتها لتشمل الجوانب الثقافية والتراثية العميقة، فالهيئة التي تأسست عام 2016 بهدف تنظيم وتنمية قطاع الترفيه في المملكة، لم تعد تحصر نشاطها في الفعاليات الترفيهية المعتادة، بل أصبحت لاعباً أساسياً في صياغة المشهد الثقافي والسياحي، مستفيدة من إمكانياتها التنظيمية لخدمة التراث الإسلامي.
تعمل الهيئة العامة للترفيه منذ إنشائها على تعزيز البنية التحتية لقطاع الترفيه والسياحة، ودعم الاقتصاد الوطني من خلال تنويع الخيارات المتاحة للمواطنين والمقيمين والزوار، ويعد هذا المشروع تجسيداً لقدرة الهيئة على تطويع الخبرات التنظيمية العالمية لخدمة مشاريع ذات طابع ديني وتاريخي، مما يعزز من مكانة المملكة كوجهة سياحية متكاملة تجمع بين الترفيه والروحانية والثقافة.
وفي سياق متصل بالجانب التوثيقي، افتتح الأمير سلمان بن سلطان والأمير سعود بن مشعل، بحضور تركي آل الشيخ، معرض "الهجرة على خطى الرسول صلى الله عليه وسلم"، ويعد هذا المعرض الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء" إضافة نوعية للمشروع، حيث يقام بجوار مسجد قباء، أول مسجد أسس في الإسلام، مما يمنحه رمزية مكانية وتاريخية فريدة.
يتميز المعرض بتقديمه محتوى علمياً وتاريخياً موثقاً بأسلوب عصري، حيث يشتمل على 14 محطة تفاعلية تغطي كافة مراحل رحلة الهجرة النبوية، وقد صممت هذه المحطات بعناية فائقة لتقدم للزائر تجربة غامرة تنقله عبر الزمن ليعيش تفاصيل الرحلة التي غيرت مجرى التاريخ، وذلك بالاعتماد على أحدث تقنيات العرض والمؤثرات البصرية والصوتية.
شارك في إعداد محتوى المعرض نخبة من الخبراء والباحثين المحليين والدوليين، لضمان دقة المعلومات وسردها بأسلوب مشوق يجمع بين التوثيق التاريخي الرصين والتجربة التفاعلية الممتعة، ويسلط المعرض الضوء على القيم الإنسانية والحضارية التي انطلقت منها الهجرة، مستعرضاً الدروس والعبر في التخطيط والصبر والتوكل وبناء المجتمعات.
رحلة عبر التاريخ وتجربة الزوار
يقدم مشروع على خطاه تجربة سردية متكاملة لرحلة الهجرة التي استغرقت في الواقع 8 أيام وقطعت مسافة تقارب 400 كيلومتر، حيث يتيح للزوار استكشاف التضاريس والمواقع التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق، مما يعزز الوعي بتفاصيل السيرة النبوية ويقرّب الصورة الذهنية لتلك الحقبة التاريخية المهمة في أذهان الأجيال الجديدة والزوار الأجانب.
إن دمج التقنية الحديثة مع المواقع التاريخية الأصلية يمنح هذا المشروع ميزة تنافسية كبرى، فهو لا يكتفي بالسرد التقليدي، بل يجعل الزائر جزءاً من الحدث من خلال المحاكاة والمشاهدة الواقعية، ويأتي استخدام التلفريك في غار ثور كأحد الحلول الذكية التي توازن بين الحفاظ على طبيعة المكان الوعرة وتسهيل وصول الزوار من مختلف الأعمار والقدرات الجسدية.
يمثل التعاون بين مختلف الجهات الحكومية والخاصة، مثل إمارات المناطق وهيئة الترفيه وشركة أرامكو (ممثلة في إثراء) وشركة صلة، نموذجاً للتكامل المؤسسي الذي تنشده المملكة لتنفيذ المشاريع الكبرى، ويضمن هذا التعاون تضافر الجهود وتوحيد الرؤى لتقديم منتج سياحي وثقافي يليق بمكانة المملكة كحاضنة للحرمين الشريفين ومهبط الوحي.
يعكس الاهتمام الكبير بتوظيف أبناء وبنات الوطن في هذا المشروع رغبة حقيقية في تمكين الكفاءات السعودية من إدارة مقدراتهم الثقافية، وستساهم البرامج التدريبية المخطط لها في تخريج جيل من المرشدين والمنظمين الذين يمتلكون المعرفة الشرعية والتاريخية، إلى جانب المهارات التشغيلية واللغوية اللازمة للتعامل مع الزوار العالميين.
ختاماً، يعد مشروع على خطاه لبنة أساسية في بناء اقتصاد معرفي وسياحي مستدام، حيث يربط الماضي العريق بالحاضر المزدهر، ويقدم للعالم صورة مشرقة عن التراث الإسلامي بأسلوب حضاري، ومع اكتمال مراحله ووصوله إلى طاقته التشغيلية القصوى، سيشكل هذا المشروع رافداً مهماً للاقتصاد الوطني ومنارة ثقافية تشع من أرض الرسالة إلى العالم أجمع.
تطبيق نبض
