دبلوماسية الأنفاس الأخيرة.. طهران تقامر بمخزون اليورانيوم لتجنب الحرب
تشهد المنطقة حالة من الغليان السياسي والعسكري حيث تجد إيران نفسها في مواجهة مباشرة مع تهديدات أميركية غير مسبوقة تلوح بضربات عسكرية. ويرى المراقبون أن التصريحات الصادرة من واشنطن وضعت طهران أمام خيارين أحلاهما مر، فإما القبول بشروط تفاوضية قاسية أو مواجهة آلة الحرب الأميركية. وتؤكد الحكومة الإيرانية أن أي تحرك عسكري ضد أراضيها سيغير قواعد اللعبة بالكامل في الشرق الأوسط ولن يمر مرور الكرام.
تحاول القيادة السياسية في إيران امتصاص الضغوط الدولية عبر لغة دبلوماسية مرنة في جنيف، لكنها في الوقت ذاته تبعث برسائل عسكرية صارمة للداخل والخارج. ويرى الرئيس مسعود بزشكيان أن هناك مؤشرات مشجعة قد تفضي إلى انفراجة وشيكة، غير أن هذا التفاؤل يصطدم بصرامة المطالب الأميركية التي يقودها دونالد ترمب. وتظل المعادلة الصعبة تكمن في كيفية الحفاظ على الكبرياء القومي الإيراني مع إنقاذ الاقتصاد المتهاوي تحت وطأة العقوبات.
صراع الإرادات بين طهران وواشنطن
تعتبر إيران أن الحديث عن ضربة محدودة هو مجرد توصيف مخادع لعمل عدواني يستوجب رداً عسكرياً شاملاً ومباشراً على المصالح الأميركية في المنطقة. وصرح المتحدث باسم الخارجية أن القوانين الدولية تمنح بلاده الحق الأصيل في الدفاع عن النفس ضد أي اختراق لسيادتها الوطنية. وتعكس هذه النبرة الحادة حجم التوتر الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين بعد سنوات من القطيعة والحروب بالوكالة في ملفات إقليمية متعددة ومتشابكة.
وفي سياق متصل، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده تمتلك أوراق ضغط قوية تفوق التوقعات الغربية في حال اندلاع أي مواجهة مسلحة. وأوضح أن الصواريخ الإيرانية قد لا تصل للأراضي الأميركية، لكنها قادرة على إصابة القواعد العسكرية المنتشرة في دول الجوار بدقة متناهية. ويمثل هذا التهديد المباشر ذروة التصعيد الكلامي الذي يسبق الجلوس على طاولة المفاوضات المقررة في جنيف لترسيم حدود النفوذ والقدرات النووية.
تسعى إيران من خلال جولة المفاوضات الثالثة إلى انتزاع اعتراف دولي بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية مع رفع شامل وكامل للعقوبات. وتدرك طهران أن الإدارة الأميركية الحالية تستخدم سياسة "الضغط الأقصى" لإجبارها على تقديم تنازلات تمس صلب برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي الواسع. ومع ذلك، تبدو المسودة المقترحة للاتفاق بمثابة حبل غسيل للمشاكل العالقة التي أرهقت كاهل الدبلوماسية الدولية طوال العقدين الماضيين بشكل مستمر ومضنٍ.
رياح الحرب وتدابير الإجلاء الدولية
دفعت حدة التهديدات الموجهة ضد إيران دولاً كبرى مثل الهند إلى الطلب من رعاياها مغادرة الأراضي الإيرانية فوراً تحسباً لأي تطورات عسكرية مباغتة. ويعد هذا الإجراء الهندي مؤشراً خطيراً على جدية الاحتمالات الحربية، خاصة وأن نيودلهي ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية وثيقة مع طهران. ويبدو أن التحالفات الناشئة في المنطقة بدأت تعيد تشكيل مواقف القوى العالمية الكبرى تجاه الأزمة المتصاعدة في الخليج والشرق الأوسط بشكل عام.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، يبرز دور الوساطة العمانية كقناة اتصال وحيدة وأخيرة لمنع وقوع الكارثة الكبرى التي قد تحرق الأخضر واليابس. وتحاول سلطنة عمان تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة عبر صياغة بنود تقنية تضمن عدم وصول طهران للقنبلة النووية مقابل حوافز اقتصادية. ولكن يبقى التحدي الأكبر في انعدام الثقة المتبادلة وتراكم الملفات الخلافية التي جعلت من الوصول إلى حل وسط أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.
تراقب العواصم الأوروبية بقلق شديد ما تؤول إليه الأمور في إيران، داعية إلى ضرورة تغليب لغة العقل والحلول الدبلوماسية لتفادي صراع جديد. وقالت مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي إن العالم لا يتحمل حرباً إضافية في منطقة تعاني أصلاً من نزاعات مسلحة وحالات عدم استقرار. وترى أوروبا أن ضعف الموقف الاقتصادي الإيراني حالياً يمثل فرصة ذهبية للضغط من أجل اتفاق نووي طويل الأمد يضمن الأمن الإقليمي والدولي معاً.
المقامرة النووية وتكتيكات التخصيب
أبدت إيران مرونة مفاجئة في الكواليس عبر اقتراح تصدير نصف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج لتبديد المخاوف الدولية بشأن سلاحها. ويمثل هذا التنازل التقني خطوة كبيرة نحو بناء الثقة، شريطة أن تقابلها واشنطن بخطوات ملموسة في ملف رفع العقوبات المصرفية والنفطية. وتأمل طهران أن تؤدي هذه المقايضة إلى إنعاش عملتها المحلية التي سجلت مستويات هبوط قياسية أمام الدولار خلال الأسابيع القليلة الماضية بشكل أثار غضب الشارع.
وعلى الرغم من هذه التنازلات، ترفض إيران بشكل قاطع المساس ببرنامجها للصواريخ الباليستية، معتبرة إياه ركيزة أساسية لمنظومتها الدفاعية والردعية ضد أي عدوان. وتؤكد القيادات العسكرية أن التفاوض على القدرات الصاروخية هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف أو الضغوط الخارجية. ويخلق هذا التصلب في المواقف العسكرية فجوة واسعة مع المطالب الأميركية التي تريد نزع أنياب طهران الإقليمية بالكامل قبل توقيع أي اتفاق نهائي.
يرى فريق الرئيس ترمب أن إيران تتلاعب بالوقت من أجل استكمال قدراتها التقنية تحت ستار المفاوضات الطويلة والمملة التي لا تنتهي أبداً. ولهذا السبب، حددت واشنطن مهلة زمنية قصيرة جداً لا تتجاوز الأسبوعين لحسم الموقف النهائي إما بالاتفاق أو باللجوء إلى الخيار العسكري. وتضع هذه المهلة ضغطاً هائلاً على صانع القرار في طهران، الذي يوازن بين الحفاظ على الثوابت الثورية وبين تجنب تدمير البنية التحتية للبلاد.
الغليان الداخلي وتحديات الاستقرار
تتزامن الضغوط الخارجية على إيران مع موجة احتجاجات داخلية تطالب بإصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية وتندد بالقبضة الأمنية المتشددة للسلطات في العاصمة. وشهدت الجامعات الإيرانية صدامات بين الطلاب المؤيدين والمعارضين، مما يعكس انقساماً مجتمعياً حاداً قد ينفجر في أي لحظة إذا ساءت الأوضاع المعيشية. وتدرك الحكومة أن الاستقرار الداخلي مرتبط بشكل وثيق بنجاح المفاوضات الخارجية ورفع الحصار الاقتصادي الذي أرهق الطبقات المتوسطة والفقيرة في المجتمع.
ويبقى ملف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة ورقة ضغط تستخدمها إيران في مفاوضاتها السرية مع القوى الدولية للحصول على مكاسب جيوسياسية أوسع. وأشارت تقارير إلى أن طهران قد تبدي مرونة في هذا الملف مقابل اعتراف واشنطن بدورها كلاعب إقليمي محوري لا يمكن تجاوزه. ولكن تظل إسرائيل هي المعارض الأشرس لأي تقارب أميركي إيراني لا يضمن التفكيك الكامل للقدرات العسكرية والنووية للجمهورية الإسلامية التي تهدد وجودها بشكل مباشر.
إن المشهد السياسي الحالي يشير إلى أن إيران تقف على أعتاب مرحلة انتقالية قد تغير وجه المنطقة لسنوات طويلة قادمة وحافلة بالمتغيرات. فإما أن تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الانفجار والوصول إلى "اتفاق القرن" النووي، أو تنزلق الأمور نحو مواجهة عسكرية غير محسوبة النتائج. وتظل الأعين معلقة بجنيف، حيث ترسم ملامح الخريطة الجديدة للقوى في الشرق الأوسط بين لغة الصواريخ وطاولات الحوار التي تفتقر للثقة والوضوح التام.
مستقبل الاتفاق وظلال التهديد
في نهاية المطاف، تجد إيران نفسها مرغمة على التعامل مع واقع سياسي أميركي يتسم بالاندفاع والرغبة في حسم الملفات القديمة بطرق غير تقليدية. وتدرك طهران أن العودة إلى طاولة المفاوضات ليست نزهة، بل هي معركة سياسية لا تقل ضراوة عن المواجهات العسكرية في الميدان. وسيكون للأيام القليلة القادمة القول الفصل في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستنعم بهدوء نسبي أم ستدخل في نفق مظلم من الصراعات والحروب الإقليمية الواسعة.
لقد أصبحت إيران محور الصراع العالمي بين القوى الكبرى، حيث تتداخل فيها المصالح الروسية والصينية مع الطموحات الأميركية والأوروبية في آن واحد وبقوة. وتستغل طهران هذا التناقض الدولي للمناورة وتحقيق أفضل مكاسب ممكنة، لكن الوقت يبدو أنه ينفد بسرعة أمام الجميع مع اقتراب المواعيد النهائية. ويبقى الرهان على قدرة الأطراف كافة على تقديم تنازلات مؤلمة تمنع وقوع المحظور وتحفظ ماء وجه الجميع في هذه المقامرة السياسية الكبرى.
وفي الختام، تظل إيران تمثل اللغز الأكبر في السياسة الدولية المعاصرة، فهي دولة تجمع بين الأيديولوجيا الثورية البحتة والبراغماتية السياسية العميقة في التعامل مع الأزمات. إن صمود طهران أمام الضغوط أو انكسارها سيحدد مستقبل النظام العالمي القادم وتوازن القوى في منطقة هي الأهم استراتيجياً لإنتاج الطاقة والتجارة العالمية. وسيبقى العالم يترقب بحذر ما ستسفر عنه جولات الحوار في جنيف، أملاً في تغليب منطق السلام على طبول الحرب المدوية.
- ايران
- الولايات المتحدة
- دونالد ترمب
- المفاوضات النووية
- جنيف
- العقوبات الاقتصادية
- اليورانيوم
- التخصيب
- التهديد العسكري
- الضربة المحدودة
- عباس عراقجي
- مسعود بزشكيان
- سلطنة عمان
- الشرق الأوسط
- الأمن الإقليمي
- إسرائيل
- الهند
- ناريندرا مودي
- مضيق هرمز
- القواعد الأميركية
- الدبلوماسية
- الاتحاد الاوروبي
- كايا كالاس
- الوكالة الدولية للطاقة الذرية
- صواريخ باليستية
- مسودة اتفاق
- أزمة اقتصادية
- احتجاجات طهران
- الحرس الثوري
- ستيف ويتكوف
- جاريد كوشنر
- السيادة الوطنية
- الدفاع المشروع
- التحالفات الدولية
- ميناء شاباهار
- تجارة النفط
- الأمن القومى
- الاستقرار العالمي
- التصعيد العسكري
- الوساطة العمانية
تطبيق نبض
