عاجل
الإثنين 23 فبراير 2026 الموافق 06 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

القمة المصرية السعودية في جدة.. صياغة ميثاق جديد للأمن القومي العربي

السيسي وبن سلمان
السيسي وبن سلمان

شهدت مدينة جدة السعودية مساء اليوم فصلاً جديداً من فصول التلاحم الأخوي بين جناحي الأمة العربية، حيث جسدت القمة المصرية السعودية في جدة التي جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رؤية مشتركة لصياغة مستقبل المنطقة بعيداً عن التدخلات الخارجية، مع التركيز على إنهاء الصراعات الدامية في قطاع غزة وتعزيز التعاون الاقتصادي الشامل والتشاور السياسي المستمر بين البلدين الكبيرين.

رحلة الأخوة من القاهرة إلى شواطئ جدة

تعتبر القمة المصرية السعودية في جدة محطة محورية في تاريخ العلاقات الممتدة، حيث استقبل الأمير محمد بن سلمان الرئيس السيسي بحفاوة بالغة تعكس مكانة مصر في قلب المملكة العربية السعودية. بدأت المراسم بصورة تذكارية وثقت لحظة اللقاء قبل الانتقال إلى جلسة مباحثات مغلقة تناولت أدق التفاصيل المتعلقة بالأمن القومي العربي والمصالح المشتركة التي تربط الشعبين الشقيقين في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.

​انتقلت المباحثات بعد ذلك إلى مأدبة إفطار رمضانية أقامها ولي العهد تكريماً للضيف الكبير والوفد المرافق له، حيث سادت أجواء من الود والثقة المتبادلة التي تميز العلاقات بين القاهرة والرياض دائماً. وقد نقل الرئيس السيسي تحياته إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مهنئاً المملكة بذكرى يوم التأسيس، ومعرباً عن تقديره للدور الريادي الذي تلعبه السعودية في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ.

​تؤكد هذه اللقاءات المتكررة أن التنسيق بين القيادتين لا يتوقف عند حدود المجاملات البروتوكولية، بل يمتد ليشمل كافة الملفات الحساسة التي تهم المواطن العربي من المحيط إلى الخليج. إن توافق الرؤى بين الزعيمين يمثل صمام أمان حقيقي ضد محاولات زعزعة الاستقرار، ويؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الذي يتجاوز التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة تخدم تطلعات الأجيال القادمة في كلا البلدين وتحقق الرفاهية المنشودة للجميع.

دبلوماسية السلام وتحديات القضية الفلسطينية

​تصدرت الأوضاع في قطاع غزة أجندة القمة المصرية السعودية في جدة، حيث شدد الزعيمان على ضرورة الالتزام الكامل باتفاق وقف الحرب وتنفيذ خطط السلام المقترحة دولياً لإنهاء المعاناة الإنسانية. وأكد الجانبان على الرفض القاطع لأي محاولات تهدف لتهجير الشعب الفلسطيني خارج أرضه، معتبرين أن استقرار المنطقة يمر بالضرورة عبر إطلاق عملية سياسية شاملة تفضي إلى حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967.

​اتفق الطرفان على أهمية زيادة نفاذ المساعدات الإنسانية إلى القطاع دون أي عوائق، مع البدء الفوري في خطط التعافي المبكر وإعادة الإعمار لضمان عودة الحياة الطبيعية للسكان المتضررين من العمليات العسكرية. إن هذا الموقف الموحد يبعث برسالة قوية للمجتمع الدولي مفادها أن مصر والسعودية لن تسمحا بتصفية القضية الفلسطينية، وأنهما ستظلان الداعم الأول لحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والمشروعة في كافة المحافل الدولية والإقليمية المتاحة.

​كما تناول اللقاء ضرورة تجنب التصعيد العسكري في المنطقة ومنع انجراف الأطراف إلى صراعات أوسع قد تعصف بمقدرات الشعوب، حيث شدد الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان على دعم الحلول السلمية القائمة على الحوار. وأوضح المتحدث الرسمي أن البلدين يسعيان لتعزيز التضامن العربي لمواجهة التحديات الراهنة، مع التأكيد على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية من قبل أي قوة إقليمية أو دولية أخرى.

جذور تاريخية وتكامل اقتصادي فريد

​إن القمة المصرية السعودية في جدة ليست إلا حلقة في سلسلة طويلة من التعاون الذي بدأ منذ توقيع معاهدة الصداقة عام 1926، حيث ساندت المملكة مطالب مصر في الاستقلال والجلاء. واستمر هذا الدعم في كافة المنعطفات التاريخية، بدءاً من العدوان الثلاثي وصولاً إلى حرب أكتوبر المجيدة التي سجلت فيها القوات السعودية بطولات بجانب أشقائها المصريين، واستخدام سلاح النفط الذي غير موازين القوى في ذلك الوقت الحرج من الصراع.

​وفي العصر الحديث، تجلى هذا الدعم في أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو، حيث وقفت المملكة وقفة تاريخية لمساندة الاقتصاد المصري ودعم خيارات الشعب، مما ساهم في استقرار الدولة المصرية ومواجهة الإرهاب. واليوم، تترجم هذه العلاقات إلى مشروعات اقتصادية ضخمة واستثمارات متبادلة في قطاعات الطاقة والسياحة والبنية التحتية، مما يجعل من البلدين قوة اقتصادية لا يستهان بها في الخارطة العالمية، ويعزز من قدرتهما على مواجهة الأزمات المالية.

​كما يشمل التعاون الجوانب الثقافية والدينية والتقنية، حيث تعد مصر والسعودية نموذجاً يحتذى به في التكامل والعمل المشترك، فالتشابه في التوجهات السياسية يؤدي دائماً إلى تقارب المواقف تجاه القضايا الإسلامية والدولية. إن قوة هذه العلاقة تنبع من وعي القيادتين بأن أمن القاهرة هو امتداد لأمن الرياض، وأن العمل المنفرد لن يحقق النتائج التي يطمح إليها العرب في ظل عالم لا يعترف إلا بالكتل القوية والمتحالفة بصدق.

مواجهة التطرف وحماية الأمن القومي

​ناقش الزعماء خلال القمة المصرية السعودية في جدة سبل مكافحة الفكر المتطرف واجتثاث منابع الإرهاب التي هددت استقرار المجتمعات لسنوات طويلة، مؤكدين أن التنسيق الأمني بين البلدين في أعلى مستوياته. واعتبر الجانبان أن الجماعات الإرهابية والدول المحركة لها تمثل الخطر الأكبر على التنمية، مما يستوجب تكاتف الجهود الدولية لتجفيف منابع التمويل الفكري والمادي لهذه الآفة، مع ضرورة نشر قيم التسامح والوسطية التي يتبناها الدين الإسلامي الحنيف.

​تطرق الحوار أيضاً إلى ملفات المنطقة الملتهبة في سوريا واليمن وليبيا والسودان، حيث أكدت القمة على ضرورة الحفاظ على وحدة هذه الدول وحماية مؤسساتها الوطنية من الانهيار. إن الرؤية المصرية السعودية تعتمد على دعم المبادرات السياسية التي تضع مصلحة الشعوب فوق أي اعتبار، وترفض تحويل أراضي هذه الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يضمن في النهاية استقرار الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل والواسع بعيداً عن الاستقطاب.

​شدد اللقاء على أن التغول العدواني في المنطقة يفرض مسؤولية تاريخية على عاتق مصر والسعودية بوصفهما القطبين الأساسيين في النظام الإقليمي العربي، وهو ما يفسر حرصهما على مواصلة التشاور السياسي المكثف. إن الاتفاق على تعزيز التنسيق بين العاصمتين يعكس إدراكاً عميقاً للمخاطر المحيطة، ويؤكد أن الشراكة الاستراتيجية بينهما هي حجر الزاوية لأي نظام أمني إقليمي ناجح يسعى لحماية مكتسبات الشعوب العربية ومقدراتها الطبيعية والبشرية في المستقبل.

آفاق المستقبل وتوطيد التعاون الثنائي

​اختتمت القمة المصرية السعودية في جدة بالاتفاق على دفع التعاون الثنائي في مجالات جديدة تشمل التحول الرقمي والطاقة المتجددة والتعاون الطبي، بما يتماشى مع رؤيتي مصر 2030 والسعودية 2030. وقد حرص الأمير محمد بن سلمان على اصطحاب الرئيس السيسي إلى المطار في لفتة تعكس عمق المودة الشخصية والتقدير المتبادل، مما يؤكد أن المستقبل يحمل مزيداً من النجاحات المشتركة التي ستنعكس إيجاباً على حياة المواطنين في كلا البلدين الشقيقين.

​إن استمرار هذه اللقاءات رفيعة المستوى يضمن تدفق الاستثمارات وتسهيل حركة التجارة البينية، فضلاً عن توحيد الخطاب السياسي في المحافل الدولية تجاه القضايا المصيرية، مما يزيد من وزن الصوت العربي عالمياً. ويعول الكثير من المراقبين على هذا الحلف الوثيق في إعادة ترتيب البيت العربي من الداخل، وتجاوز الخلافات الهامشية لصالح الأهداف الكبرى التي تجمع الأمة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي يمر بها العالم أجمع حالياً.

​بهذه القمة، تثبت مصر والسعودية مرة أخرى أنهما جناحا الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن تنسيقهما ليس موجهاً ضد أحد، بل هو لبنة أساسية لبناء منطقة آمنة ومزدهرة تعيش في سلام. ومع توديع الرئيس السيسي في مطار الملك عبد العزيز، تبدأ مرحلة جديدة من العمل الجاد لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مما يبشر بغد أفضل تسوده روح الإخاء والتعاون، وتتحطم على صخرته كافة المؤامرات التي تستهدف النيل من وحدة الأراضي العربية وسيادتها.

تابع موقع تحيا مصر علي