عاجل
الثلاثاء 24 فبراير 2026 الموافق 07 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

محمد أبو العيون يكتب: الدكتور علي جمعة.. واقتحام المناطق الشائكة

محمد أبو العيون
محمد أبو العيون

كعادته؛ يواصل الدكتور محمد أبو العيون  مفتي الجمهورية الأسبق، عضو هيئة كبار علماء الأزهر، اقتحام المناطق الشائكة بجسارة وشجاعة لا يتحلّى بها أي عالم دين غيره؛ ففي شهر رمضان الحالي قرّر مولانا الاشتباك مع الشباب من «جيل Z» من خلال برنامجه «نور الدين والشباب»، وذلك عن طريق إعطائهم الفرصة كاملةً للبوح بأفكارهم، ثم مناقشتهم مناقشة هادئة في محاولة لإقناعهم بالتمسك بصحيح فكرهم، والعدول عن سقيمه.

ومعروف أن «جيل Z» -وهم من وُلدوا في الفترة من عام 1997 وحتى 2012 م- لا يقبلون سوى سماع حديثٍ يُقنع عقولهم، ودائمًا يريدون حين يسألون أن يكون الجواب فيه كل التفاصيل التي يُسلّمون من خلالها بأنّ ما قاله (المُجيب) هو الصواب. أما طريقة الفرض أو: (هو كده.. وعيب متسألش في الحاجات دي.. ومتناقشِ.. وما يصحش.. وبلاش وجع الدماغ.. واختشي) فكل هذه المصطلحات التي كانت تصلح طرقًا للتربية مع جيل إكس -ولدوا في الفترة من 1966 وحتى 1980- وجيل الألفية -ولدوا في الفترة من 1981 وحتى 1996- لم تعد تصلح مع هذا الجيل.

وبالتأكيد فإن علماء الدين أو المشايخ يعرفون طبيعة هذا الجيل، كونهم آباء قبل أن يكونوا علماء دين؛ لكنهم لا يريدون الوقوف على أرضية مشتركة تجمعهم بـ «جيل Z»، وأسقطوا من حساباتهم -سهوًا أو عمدًا- هذا الجيل؛ بالرغم من أن هذه الفئة العمرية هم الأكثر استهدافًا في مخططات أعداء الوطن والدين، ولكن الشيخ علي جمعة قرر (بمفرده) أن يقوم بـ «فرض العين» الذي أسقطه المشايخ من حساباتهم، نيابة عن كل المنتسبين إلى المؤسسة الدينية، وقرر النزول إلى هؤلاء الشباب والتحاور معهم دون محاذير أو حتى فرض زيٍّ معين عليهم.

ذهب الشيخ علي جمعة، إلى «جيل Z» بالكيفية التي يريدها هذا الجيل، بزيهم وطريقة حديثهم وكثرة نقاشاتهم وجدالهم، وأخذ يحاورهم ويفعل ما توارى عن فعله الآخرون؛ فكشف لنا عن طريقة تفكير هذا الجيل، وما يدور في وجدانهم؛ فأهدانا طريقة التعامل معهم، والسبيل الأنجع لمحاورتهم حوارًا وديًّا بين أصدقاء قبل أن يكون بين أرباب أسر وأبنائهم.

وليست هذه الجرأة والجسارة والشجاعة في اقتحام المناطق الشائكة بالأمر الجديد على فضيلة الدكتور علي جمعة؛ ففي منتصف التسعينيات -مرورًا بما تلاها من سنوات- واجه (بمفرده) جحافل المد السلفي الوهابي، وكان لهم بمثابة الصخرة التي تحطمت أمامها أحلام سيطرتهم على العقل الجمعي المصري.

الأمر نفسه فعله الشيخ علي جمعة، حين أعاد إحياء دور «الرواق الأزهري»، وأعاد للجامع الأزهر مجده القديم.

أما النهضة التي أحدثها الشيخ علي جمعة، في دار الإفتاء المصرية، حين كان مفتيًا للديار المصرية مدة عشر سنوات منذ عام 2003 وحتى العام 2013 م، فهي تحتاج إلى مجلدات لسرد محاسنها، وتعديد فوائدها، والوقوف على جوانب الخير الوفير الذي جنته مصر جراء هذه النهضة التي حولت دار الإفتاء المصرية من مجرد مبنى يعرفه الناس أوائل الشهور العربية فقط، إلى مؤسسة دينية رائدة حاضرة في واقع الناس الملموس، ولها أيادٍ محمودة وسبق مرأي ومسموع في المجال الدعوي.

لقد أثبت الدكتور علي جمعة، أنه عالم دين لا يعرف البقاء داخل الأبراج العاجية التي يسكنها كثير من رجال الدين؛ فتحول بينهم وبين معرفة القضايا المستحدثة وواقع الناس الحقيقي؛ وأنه رجلٌ قرر أن يكون مؤثرًا تأثيرًا حقيقيًّا بين الناس.. رجلٌ قرر أن يُغير بالأفعال لا بالكلام.. رجلٌ قرر أن يبقى ذكره خالدًا في ذاكرة هذه الأمة.

تابع موقع تحيا مصر علي