عاجل
الأربعاء 25 فبراير 2026 الموافق 08 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

شروط تكسير العظام.. هل تذعن طهران لـ «الاتفاق النووي الأبدي»؟

المبعوث الأمريكي
المبعوث الأمريكي

في قلب الأروقة السياسية المغلقة بواشنطن، بدأت ملامح المرحلة القادمة تتشكل بوضوح حيال التعامل مع الملف الإيراني الشائك والمعقد للغاية. كشف المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن توجه حاسم لإدارة الرئيس دونالد ترامب يقضي بضرورة أن يكون أي الاتفاق النووي مستقبلي سارياً للأبد. تهدف هذه الرؤية لغلق الثغرات التي تسببت في انسحاب واشنطن السابق من تفاهمات عام ألفين وخمسة عشر الدولية.

​أوضح ويتكوف في لقاء سري مع المانحين أن الإدارة لن تقبل بجدول زمني يسمح لإيران باستئناف نشاطها الحساس مستقبلاً. يمثل هذا التوجه حجر الزاوية في العقيدة السياسية الجديدة التي تتبناها واشنطن لضمان أمن إقليمي طويل الأمد ومستقر. إن السعي نحو صياغة الاتفاق النووي بشكل دائم يعكس رغبة ترامب في تجاوز إرث سلفه باراك أوباما السياسي تماماً.

​يرى المطلعون أن استبعاد "بنود انتهاء الصلاحية" هو المطلب الذي لن تتنازل عنه الإدارة الأمريكية في الجولة الحالية. تدرك واشنطن أن القيود التي كانت تسقط تدريجياً منحت طهران مساحة للمناورة والانتظار حتى انتهاء مدة الحظر الدولي المفروض. لذا، فإن الهدف الآن هو تثبيت قواعد لعبة جديدة تمنع تحول إيران إلى قوة نووية تحت أي ظرف.

ثغرات الماضي وصراع النفوذ بين أوباما وترامب

لطالما اعتبر ترامب ومنتقدوه أن الصيغة السابقة التي أبرمتها إدارة أوباما كانت تفتقر للضمانات الحقيقية التي تحمي المصالح الأمريكية. كانت البنود الزمنية التي تنتهي بين ثمانية وخمسة وعشرين عاماً تمثل ثغرة أمنية كبرى بنظر الصقور في واشنطن والمنطقة. يهدف الضغط الحالي إلى تحويل الاتفاق النووي من مجرد هدنة مؤقتة إلى صك التزام قانوني وفني لا ينتهي أبداً.

​يشير موقع أكسيوس إلى أن ويتكوف شدد على ضرورة التزام الإيرانيين ببنود التفتيش والرقابة مدى الحياة دون أي استثناءات. يعتقد الجانب الأمريكي أن القوة التفاوضية الحالية تتيح فرض هذه الشروط القاسية والمرهقة على نظام يعاني من أزمات اقتصادية. يطمح ترامب لتقديم هذه النسخة للداخل الأمريكي باعتبارها الإنجاز الدبلوماسي الأهم الذي يتفوق به على خصومه السياسيين.

​تتمحور الفلسفة الأمريكية الجديدة حول مبدأ بسيط وهو أن الثقة في النوايا الإيرانية لم تعد قائمة في القاموس الدبلوماسي. لذلك، يجب أن يرتكز أي الاتفاق النووي جديد على آليات رقابة صارمة لا ترتبط بمدة زمنية أو دورة انتخابية محددة. هذه الصرامة تهدف لقطع الطريق أمام أي محاولة إيرانية مستقبلية لاستخدام البرنامج النووي كوسيلة للابتزاز السياسي الدولي.

أشباح الحرب وحملة الضغوط القصوى في المنطقة

تتزامن هذه التحركات الدبلوماسية مع تصعيد عسكري واقتصادي غير مسبوق يضع المنطقة على صفيح ساخن يغلي بالتوترات المتلاحقة. تستهدف العقوبات الجديدة أكثر من ثلاثين فرداً وكيانًا وسفينة في إطار حملة "الضغوط القصوى" التي تتبناها وادارة البيت الأبيض حالياً. يبدو أن خيار المواجهة العسكرية لم يعد مستبعداً إذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية في الوصول لنتائج ملموسة.

​تتزايد التحذيرات من اندلاع شرارة الحرب الأمريكية الإيرانية المرتقبة في ظل تضاؤل مساحات المناورة السياسية المتاحة لكلا الطرفين المتنازعين. يرى الخبراء أن واشنطن تستخدم التهديد العسكري كأداة ضغط فاعلة لإجبار طهران على قبول الشروط المجحفة في نظرها والضرورية لنيل الرضا. إن حشد القوات والقواعد العسكرية في المنطقة يرسل رسائل واضحة حول جدية التهديدات الأمريكية القادمة بقوة.

​في المقابل، تجد إيران نفسها محاصرة بين كماشة العقوبات الخانقة وتهديدات الاستهداف المباشر لمنشآتها الحيوية والاستراتيجية والحساسة جداً. دفع هذا الوضع المعقد الوسطاء الإقليميين للتحرك بسرعة فائقة لمحاولة نزع فتيل الأزمة قبل الانفجار الكبير الذي يهدد الجميع. يدرك الجميع أن فشل المسار الدبلوماسي في جنيف يعني فتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات عسكرية كارثية ومؤلمة.

مفاوضات جنيف والفرصة الأخيرة للحل الدبلوماسي

تتجه الأنظار نحو مدينة جنيف حيث يلتقي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اجتماع مفصلي وحاسم. سيناقش الطرفان مقترحاً تفصيلياً صاغته طهران في محاولة لتجنب الصدام العسكري المباشر مع القوة العظمى في العالم حالياً. يمثل هذا اللقاء الاختبار الحقيقي لنوايا الأطراف في الوصول إلى صيغة ترضي طموحات ترامب وأمن إسرائيل الإقليمي.

​تركز المحادثات الحالية على جوهر القضية وهو قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها ومصير المخزون المتراكم لديها. تصر طهران على حقها في "التخصيب الرمزي" كمسألة سيادة وطنية، بينما تشترط واشنطن رقابة لصيقة تمنع الوصول لمستوى السلاح. إن الوصول إلى الاتفاق النووي يتطلب تنازلات مؤلمة من الجانبين، خاصة فيما يتعلق بالسيادة الفنية والتقنية للمنشآت النووية.

​تتطلع الإدارة الأمريكية لفتح جولات لاحقة تتناول الصواريخ البالستية ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة العربية والشرق الأوسط بشكل عام. يرى ترامب أن معالجة الملف النووي بمعزل عن السلوك الإقليمي لإيران هو خطأ استراتيجي لن يكرره في ولايته الحالية. الهدف هو بناء منظومة أمنية شاملة تضمن استقرار حلفاء واشنطن وتحد من نفوذ طهران المتغلغل في العواصم.

​تظل الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، حيث يلوح ترامب بامتلاك "خيارات أخرى" في حال تعنت الجانب الإيراني في قبول الشروط. إن الضغط الممارس حالياً يهدف لوضع القيادة الإيرانية أمام خيارين أحلاهما مر، إما الرضوخ التام أو مواجهة تداعيات الحرب. يبقى الرهان قائماً على قدرة الدبلوماسية في اللحظات الأخيرة على صياغة حل يحفظ ماء وجه الجميع ويمنع الكارثة.

 

تابع موقع تحيا مصر علي