هيلاري كلينتون أمام نيران التحقيقات في قضية إبستين المثيرة للجدل
تشهد الساحة السياسية الأمريكية تحولاً دراماتيكياً مع إعلان هيلاري كلينتون عزمها المثول أمام لجنة برلمانية للتحقيق في ملفات جيفري إبستين الشائكة.
يأتي هذا القرار بعد فترة طويلة من الشد والجذب القانوني والسياسي الذي حبس أنفاس المراقبين في واشنطن وخارجها. وتعكس هذه الخطوة حجم الضغوط التي واجهتها المرشحة الرئاسية السابقة لتقديم إفادة علنية تنهي حالة الجدل المستمرة حول طبيعة علاقات عائلة كلينتون برجل الأعمال الراحل.
وحسب تقرير لـ بيبيدول فإن وزيرة الخارجية السابقة وافقت أخيراً على الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة في مجلس النواب الأمريكي بصحبة زوجها.
ويأتي هذا التطور بعد أن رفض الثنائي في وقت سابق الانصياع لطلبات الاستدعاء معتبرين أن التحركات البرلمانية تفتقر للنزاهة القانونية. لكن المخاوف من اتخاذ إجراءات عقابية بتهمة ازدراء الكونغرس دفعت الطرفين لتغيير موقفهما في اللحظات الأخيرة لتجنب أزمة قضائية قد تعصف بمكانتهما السياسية.
مواجهة علنية لتبديد غيوم الاتهامات السياسية
أكدت هيلاري كلينتون في تصريحاتها الأخيرة أنها لا تملك أي ذاكرة حول لقاءات مباشرة أو محادثات خاصة جمعتها مع إبستين خلال السنوات الماضية. وشددت على أن موقفها الحالي يهدف إلى قطع الطريق أمام المحاولات الحزبية الرامية لتشويه صورتها وربط اسمها بملف إجرامي لا علاقة لها به. وترى الدوائر المحيطة بها أن الشهادة العلنية هي الوسيلة الوحيدة لمنع تسريب أجزاء مجتزأة من أقوالها قد تستخدم ضدها في الصراعات الانتخابية القادمة.
من جانبه نفى الرئيس الأسبق بيل كلينتون ارتكاب أي مخالفات قانونية أو معرفته بالأنشطة الإجرامية التي كان يمارسها إبستين قبل وفاته في السجن. وأوضح كلينتون أنه قطع كافة صلاته برجل الأعمال منذ ما يقرب من عشرين عاماً معرباً عن ندمه الشديد على أي ارتباط سابق به. وتعد شهادة كلينتون المقررة يوم الجمعة حدثاً تاريخياً لم يتكرر منذ عقود حيث لم يشهد رئيس سابق أمام لجنة برلمانية منذ عام ثمانية وثمانين.
أوضحت هيلاري كلينتون في مقابلة مع بي بي سي أن استدعاءها للشهادة يمثل محاولة مكشوفة من الجمهوريين لصرف الأنظار عن علاقة ترامب بإبستين. وأضافت بلهجة حادة أن عائلتها ليس لديها ما تخفيه عن الرأي العام وأنها طالبت مراراً بالكشف الكامل عن جميع الملفات المرتبطة بالقضية. وتؤمن الوزيرة السابقة بأن الشفافية المطلقة هي السلاح الأقوى لمواجهة ما وصفته بـ "الحيل السياسية" التي تهدف لإحراج الخصوم بتوجيه مباشر من قادة الحزب المنافس.
علاقات غامضة وتحقيقات فيدرالية عابرة للقارات
اعترفت هيلاري كلينتون بأنها التقت بشريكة إبستين المدانة غيلين ماكسويل في مناسبات قليلة ومحدودة للغاية خلال السنوات الماضية بمناسبات اجتماعية عامة. ومن المثير للجدل أن ماكسويل كانت ضمن الحاضرين في حفل زفاف تشيلسي كلينتون عام ألفين وعشرة في مدينة نيويورك وهو ما أثار تساؤلات. ورغم ذلك تصر هيلاري على أن هذه اللقاءات العابرة لا تعني بأي حال من الأحوال وجود شراكة أو معرفة بالجانب المظلم لحياة إبستين.
يمثل تراجع آل كلينتون عن موقفهم الرافض للشهادة رضوخاً واضحاً أمام احتمال تصويت مجلس النواب على تهمة ازدراء المحكمة التي كادت أن تصدر. وما زاد الضغط هو انضمام بعض الأعضاء الديمقراطيين في اللجنة لصالح بدء إجراءات قانونية صارمة لضمان مثول الجميع أمام سلطة القانون والعدالة. ويسعى قادة اللجنة لإثبات أن الحصانة السياسية لا تحمي أحداً من المساءلة في القضايا التي تمس الرأي العام والأمن القومي الأمريكي.
اتهم آل كلينتون رئيس اللجنة الجمهوري جيمس كومر بالتحيز السياسي الصارخ وإدارة التحقيق بطريقة تخدم أجندات حزبية ضيقة بعيدة كل البعد عن الحقائق. ووصفوا الاستدعاءات القانونية بأنها ليست سوى مسرحية سياسية تهدف لاستغلال اسم هيلاري كلينتون في عناوين الأخبار لإرضاء القاعدة الشعبية للرئيس السابق ترامب. وأكدوا أنهم قدموا سابقاً إفادات خطية كافية تغطي المعلومات المحدودة التي كانت بحوزتهم حول تحركات إبستين واتصالاته الدولية المختلفة.
وثائق وزارة العدل تفتح دفاتر الماضي المنسية
صرح متحدث باسم بيل كلينتون أن الحضور أمام اللجنة يهدف لوضع سابقة قانونية تنطبق على الجميع دون استثناء لترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون. وفي المقابل شدد جيمس كومر على أن السعي للحصول على هذه الإفادات هو خطوة تحظى بدعم مشترك من الحزبين لإظهار الجدية. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس يتطلب فيه الشارع الأمريكي إجابات واضحة حول شبكة النفوذ التي بناها إبستين مع كبار الشخصيات حول العالم.
تظهر وثائق وصور نشرتها وزارة العدل الأمريكية مؤخراً وجود بيل كلينتون ضمن مواد تم التوصل إليها خلال التحقيقات الفيدرالية الواسعة في جرائم إبستين. وتكشف هذه الملفات المسربة تدريجياً عن علاقات متشعبة أقامها إبستين مع نخبة من الشخصيات البارزة في مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم حتى بعد إدانته. ورغم أن الأسماء الواردة في الوثائق لا تعني التورط في الجرائم إلا أنها تضع أصحابها تحت مجهر التدقيق الشعبي والقانوني المكثف.
تتضمن الوثائق المنشورة أيضاً اسم الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي كانت تربطه علاقة سابقة بالرجل مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي المتأزم أصلاً. ويؤكد الخبراء القانونيون أن مجرد ذكر الأسماء في ملفات إبستين لا يعد دليلاً كافياً على ارتكاب مخالفات جنسية أو مالية دون أدلة مادية. ومع ذلك فإن الضغط الجماهيري يطالب بكشف كافة التفاصيل المتعلقة بالرحلات الجوية واللقاءات التي تمت في جزر إبستين الخاصة والمنتجعات العالمية.
جلسات تشاباكوا العلنية ورهان الشفافية الكاملة
تقرر عقد جلسات استماع هيلاري كلينتون في منطقة تشاباكوا بنيويورك بالقرب من مقر إقامتها الدائم لتسهيل الإجراءات اللوجستية والأمنية المعقدة المحيطة بالشهادة. ورغم أن مثل هذه الإفادات تُجرى عادة خلف أبواب مغلقة لسرية التحقيقات إلا أن الطرفين طلبا أن تكون الجلسة علنية ومفتوحة للصحافة. ويهدف هذا الإجراء لمنع أي محاولات لتشويه الأقوال أو تسريب نصوص منقوصة قد تؤدي إلى تضليل الرأي العام الأمريكي قبل الانتخابات القادمة.
من المتوقع أن يتحدث أعضاء اللجنة من كلا الحزبين إلى وسائل الإعلام فور انتهاء إفادة هيلاري كلينتون لتوضيح النقاط التي تم التطرق إليها. ويسود ترقب كبير في الأوساط السياسية لمعرفة ما إذا كانت الأسئلة ستتركز على الجوانب الشخصية أم ستتوسع لتشمل تمويلات المؤسسات الخيرية والمانحين. وتعتبر هذه الجلسة اختباراً حقيقياً لقدرة النظام البرلماني على إدارة ملفات حساسة تتداخل فيها المصالح الشخصية مع القضايا الجنائية الكبرى.
يستعد بيل كلينتون للدخول إلى قاعة الشهادة يوم الجمعة في لحظة ستسجل في كتب التاريخ كأول مثول لرئيس سابق أمام الكونغرس منذ عقود. وتأمل هيلاري كلينتون أن تنهي هذه الشهادة فصلاً طويلاً من الملاحقات الإعلامية التي طالت سمعتها وعائلتها بسبب ارتباطات قديمة بشخصيات مثيرة للجدل والريبة. وفي نهاية المطاف يبقى الحكم للجمهور وللقضاء الأمريكي في تقييم مدى صدق الإفادات ومدى تورط النخبة في شبكة إبستين الغامضة.
تظل قضية جيفري إبستين جرحاً نازفاً في ضمير المجتمع الأمريكي حيث تتكشف يومياً تفاصيل جديدة حول استغلال السلطة والنفوذ في ممارسات غير قانونية. إن إصرار البرلمان على استجواب شخصيات بوزن هيلاري كلينتون يعكس رغبة في تطهير الحياة السياسية من شوائب العلاقات المشبوهة التي قد تؤثر على القرار. وسوف تظل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مسارات قانونية جديدة قد تطال أسماء أخرى لم تكن تتوقع المثول يوماً أمام لجان التحقيق.
تطبيق نبض
