عاجل
الجمعة 27 فبراير 2026 الموافق 10 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

مفاوضات جنيف.. سباق اللحظة الأخيرة بين طهران وواشنطن

الوفد الإيراني
الوفد الإيراني

 تتصدر مفاوضات جنيف المشهد الدولي مجدداً بوصفها المحطة الأحدث في صراع الإرادات بين إيران والولايات المتحدة، حيث تتقاطع حسابات البرنامج النووي ورفع العقوبات مع هواجس الأمن الإقليمي ومخاوف اندلاع مواجهة عسكرية جديدة. الجولة الثالثة بدت الأكثر حساسية، إذ امتزجت فيها مؤشرات الانفراج برسائل التشدد، وسط وساطة عمانية وحضور فني للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مشهد يعكس تعقيد اللحظة.
حسب تقرير لـ الجزيرة نت، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن جولة اليوم كانت الأفضل بين الجولات السابقة ضمن مفاوضات جنيف، مؤكداً تحقيق تقدم جيد في ملفي البرنامج النووي ورفع العقوبات. وأوضح أن النقاشات أفضت إلى اتفاق حول بعض النقاط، مقابل استمرار الخلاف بشأن أخرى تتصل بآليات التنفيذ والضمانات.
وأضاف عراقجي أن طهران عرضت تصورها بشأن رفع العقوبات الأمريكية وعقوبات مجلس الأمن، مشيراً إلى ضرورة تحديد ما ينبغي على كل طرف القيام به بصورة متبادلة ومتزامنة. وأكد أن الجولة الرابعة قد تُعقد الأسبوع المقبل بعد تشاور الوفدين مع القيادتين في طهران وواشنطن، في إشارة إلى أن القرار النهائي لا يزال رهن الحسابات السياسية العليا.
مفاوضات جنيف… تقدم محسوب تحت سقف الشكوك
في ختام الاجتماعات، أشار عراقجي إلى أن المفاوضات التي جرت بحضور نظيره العماني ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت الأطول والأكثر جدية. هذا التوصيف عكس رغبة إيرانية في إظهار انخراط فعلي في مسار دبلوماسي، بالتوازي مع التأكيد على ثوابت تعتبرها طهران غير قابلة للتنازل، وعلى رأسها حقها في تخصيب اليورانيوم.
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أعلن بدوره انتهاء جولة اليوم بإحراز تقدم ملحوظ بين الولايات المتحدة وإيران. وأكد أن مناقشات فنية ستعقد في فيينا الأسبوع المقبل، على أن تُستأنف المفاوضات السياسية بعد عودة الوفدين للتشاور مع العاصمتين، في مسار يبدو متدرجاً وحذراً.
في المقابل، نقلت شبكة سي إن إن عن مصدر مطلع أن المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف أجرى محادثات مباشرة مع عراقجي خلال الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف، وهو ما منح اللقاء بعداً مختلفاً، رغم تأكيد وكالة تسنيم أن التواصل اقتصر على تبادل التحية في إطار مجاملة دبلوماسية.


بين الإيجابية وخيبة الأمل

موقع أكسيوس نقل عن مصادر أن ويتكوف وجاريد كوشنر شعرا بخيبة أمل مما قدمه الإيرانيون خلال جلسة صباحية، قبل أن يعود الموقع نفسه لينقل عن مسؤول أمريكي وصفه للمحادثات بأنها إيجابية. هذا التناقض في التقييم يعكس صراعاً داخلياً في واشنطن بين تيارات تدفع نحو تشدد دائم وأخرى ترى في التسوية خياراً واقعياً.
كما أشارت فوكس نيوز إلى أن أي اتفاق محتمل سيتطلب من إيران وقف التخصيب وتقديم ضمانات تحول دون إحياء برنامجها النووي مستقبلاً. وفي السياق ذاته، نقلت وول ستريت جورنال أن واشنطن قد تطلب تفكيك ثلاثة مواقع نووية وتسليم اليورانيوم المخصب، مع الإصرار على أن يستمر أي اتفاق إلى الأبد.
هذا الإصرار الأمريكي على وقف دائم للتخصيب يشكل العقدة الأبرز في مفاوضات جنيف، إذ تعتبر طهران أن التخصيب حق سيادي لا يمكن مصادرته. وبين مطلب “التصفير الأبدي” الذي ترفضه إيران، ورغبة واشنطن في ضمانات طويلة الأمد، تتحدد مساحة المناورة المتاحة أمام الطرفين.


لا تصفير ولا تفكيك… الخطوط الحمراء الإيرانية


مسؤول إيراني رفيع أوضح أن المقترح المقدم في مفاوضات جنيف يركز على مسارين متوازيين: رفع العقوبات والتعامل مع القلق الأمريكي من خلال ترتيبات فنية قابلة للتحقق. وأكد أن مبدأ تصفير التخصيب أو تفكيك المنشآت أو نقل المخزون بالكامل إلى الخارج مرفوض كلياً، مع استعداد لخفض مستويات التخصيب مؤقتاً وتحت إشراف دولي.
وأشار إلى أن المقترح يتضمن خفض مخزون اليورانيوم إلى درجات تخصيب متدنية بإشراف الوكالة الدولية، بما يثبت أن طهران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي. كما شدد على أن منظومة الصواريخ والبرامج الدفاعية ليست جزءاً من التفاوض، في محاولة لحصر النقاش في الملف النووي ورفع العقوبات حصراً.
في المقابل، تؤكد مصادر أمريكية أن المفاوضين ركزوا على سد الفجوات المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وأنهم يسعون لتحديد ما إذا كان المقترح الإيراني يلبي مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما تساءل مسؤولون عما إذا كان المرشد الإيراني سيوافق على الشروط النهائية، حتى وإن أبدى المفاوضون مرونة أولية.


وساطة عمانية ودور فني حاسم


الحضور العماني في مفاوضات جنيف لم يكن شكلياً، إذ لعبت مسقط دور قناة التواصل وضابط الإيقاع بين الطرفين. البوسعيدي تحدث عن تبادل أفكار مبتكرة وإيجابية، معبراً عن أمله في إحراز تقدم إضافي. هذا الدور يعيد تأكيد مكانة عمان كوسيط موثوق في ملفات إقليمية شائكة.
إلى جانب المسار السياسي، برز الدور الفني للوكالة الدولية للطاقة الذرية بوصفه حجر الزاوية في أي اتفاق محتمل. فآليات التحقق والمراقبة ستحدد مدى قبول المجتمع الدولي بالتفاهمات، كما ستشكل الضمانة العملية لتنفيذ الالتزامات المتبادلة، خصوصاً في ما يتعلق بمستويات التخصيب وحجم المخزون.
وزارة الخارجية الإيرانية وصفت المفاوضات بأنها مكثفة واستمرت قرابة ثلاث ساعات، مؤكدة طرح وجهات نظر بجدية كاملة. لكنها أشارت أيضاً إلى تصريحات أمريكية متناقضة تثير الشكوك بشأن جدية واشنطن، في رسالة تعكس استمرار انعدام الثقة المتراكم منذ سنوات.
 

خلفية المشهد.. من الاتفاق إلى الانسحاب
 

تأتي مفاوضات جنيف في سياق تاريخي معقد بدأ بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، قبل أن تنسحب واشنطن منه عام 2018 وتعيد فرض عقوبات واسعة على إيران. منذ ذلك الحين، دخل الطرفان في حلقة تصعيد متبادل، شملت رفع مستويات التخصيب وتعزيز العقوبات، مع محاولات متكررة لإحياء التفاهم.
التوترات الإقليمية، بما فيها المواجهات غير المباشرة في عدة ساحات، أضفت على الملف النووي بعداً أمنياً مضاعفاً. لذلك تبدو مفاوضات جنيف محاولة لتفادي سيناريوهات عسكرية مكلفة، خصوصاً في ظل تعزيزات عسكرية أمريكية سابقة ورسائل ردع متبادلة.
من جنيف إلى واشنطن… ظلال ملفات أخرى
تزامن الحراك الدبلوماسي مع جدل داخلي أمريكي متجدد حول قضايا سياسية وإعلامية، من بينها ما يُعرف بملفات جيفري إبستين، التي أعادت إلى الواجهة أسئلة حول الشفافية والنفوذ والعلاقات داخل دوائر القرار. ورغم أن هذه الملفات لا ترتبط مباشرة بمفاوضات جنيف، فإنها تعكس بيئة سياسية داخلية مضطربة تؤثر في حسابات الإدارة الأمريكية.
قضية إبستين، التي انفجرت بعد اتهامات بالاتجار بالقاصرات وانتهت بوفاته في السجن عام 2019 في ظروف أثارت جدلاً واسعاً، تحولت إلى رمز للجدل حول شبكات النفوذ والضغط. وفي مناخ سياسي تتداخل فيه الملفات، تصبح أي تسوية خارجية عرضة لتجاذبات داخلية حادة.
هذا التداخل بين السياسة الداخلية والخارجية ينعكس على طريقة إدارة واشنطن لمفاوضات جنيف، إذ تخضع القرارات الاستراتيجية لمعادلات انتخابية وإعلامية معقدة. ومن ثم، فإن أي اتفاق محتمل لن يكون مجرد تفاهم تقني، بل نتاج موازين قوى داخلية وخارجية متشابكة.


مفاوضات جنيف… اختبار الإرادة السياسية

في المحصلة، تبدو مفاوضات جنيف اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها. إيران تعرض خفضاً مؤقتاً للتخصيب وضمانات فنية، مقابل رفع ملموس للعقوبات. الولايات المتحدة تطالب بوقف دائم وضمانات طويلة الأمد تتجاوز حدود الاتفاقات الزمنية.
الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت الهوة قابلة للجسر، أم أن التناقضات ستعيد المشهد إلى مربع التصعيد. وبين التفاؤل الحذر والتشكيك المتبادل، تظل مفاوضات جنيف ساحة تتقاطع فيها الحسابات النووية مع رهانات السياسة والاقتصاد والأمن، في سباق مفتوح على مستقبل المنطقة.

 

تابع موقع تحيا مصر علي