أسرار الليلة الدامية.. قراءة تحليلية في بنك الأهداف الأميركي الإسرائيلي داخل عمق إيران
عاشت المنطقة فجرا استثنائيا بعد أن شنت القوات الأميركية والإسرائيلية هجوما واسعا ومباغتا أطلق عليه البنتاغون تسمية ملحمة الغضب مستهدفا مواقع حساسة ومقرات سيادية في الداخل الإيراني. جاءت هذه الضربات المكثفة لتشكل تحولا جذريا في مسار الصراع الإقليمي الممتد ولتعلن بشكل غير مباشر عن انهيار أي مساع دبلوماسية كانت تعول على استئناف مفاوضات جنيف لتخفيف التوترات المستعرة.
حسب تقرير لشبكة سي إن إن الإخبارية الأميركية فإن هذه العمليات العسكرية المشتركة ركزت بدقة متناهية على أهداف عسكرية بحتة ومواقع استراتيجية تابعة للنظام الإيراني في عدة مدن.
وقد استيقظت العاصمة طهران على دوي انفجارات عنيفة هزت أركانها بينما سارعت وسائل الإعلام الرسمية إلى طمأنة الشارع والتأكيد على تصدي الدفاعات الجوية للأهداف المعادية التي اخترقت سماء البلاد.
شرارة التصعيد الميداني وانهيار مسار الدبلوماسية
شكلت الهجمات الأخيرة تصعيدا عسكريا غير مسبوق في تاريخ المواجهات المباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى. وقد نقلت مصادر مطلعة أن نطاق هذه الضربات فاق كل التوقعات السابقة متجاوزا مجرد توجيه رسائل تحذيرية إلى محاولة شل قدرات الردع الإيرانية وتدمير البنى التحتية الحساسة التي تدير العمليات وتوجيه ضربة قاصمة لقلب القيادة المركزية.
ومع اشتعال سماء طهران بصواريخ الاعتراض والانفجارات بات واضحا أن خيار الحل السلمي قد تراجع إلى أدنى مستوياته التاريخية. لقد أثبتت هذه العملية المعقدة أن الأطراف الدولية قد فقدت ثقتها التامة في نجاعة الحوار السياسي مما يعكس إحباطا عميقا من تعثر مسارات التسوية الدبلوماسية وفي مقدمتها مفاوضات جنيف التي طالما اعتبرت طوق النجاة الأخير لتجنب حرب مدمرة.
تزامنت هذه التطورات الميدانية الخطيرة مع تصريحات سياسية حادة من العواصم الغربية التي حملت طهران مسؤولية زعزعة استقرار الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد القاتم يبدو أن واشنطن قررت الانتقال من استراتيجية الاحتواء إلى الهجوم المباشر مستغلة تفوقها الجوي لتدمير ترسانة الصواريخ التي كانت تشكل ورقة ضغط قوية بيد المفاوض الإيراني على طاولات الحوار.
ورغم محاولات التكتم الرسمي على حجم الخسائر الأولية إلا أن مقاطع الفيديو التي تسربت أظهرت أعمدة الدخان تتصاعد من مواقع بالغة الأهمية. هذا المشهد المروع يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحروب الكبرى ويضع منطقة الخليج العربي بأسرها على صفيح ساخن مفتوح على كافة الاحتمالات العسكرية والسياسية التي قد تعيد رسم الخرائط الاستراتيجية لعقود قادمة.
استهداف رموز السلطة والمقار السيادية الحساسة
تركزت الموجة الأولى من هذا الهجوم الكاسح على قلب العاصمة السياسية مستهدفة رموز السلطة وصناع القرار في خطوة تحمل دلالات رمزية وعسكرية عميقة. فقد أفادت وكالات أنباء محلية وغربية بسقوط نحو سبعة صواريخ موجهة بدقة على منطقة حيوية ومحاطة بتعزيزات أمنية قصوى تقع بالقرب من القصر الرئاسي الإيراني ومجمع المرشد الأعلى في سابقة خطيرة تنذر بصراع مفتوح.
وأكدت وكالة فارس للأنباء وقوع سبع إصابات صاروخية مباشرة في منطقتي كشوردوست وحي باستور الحيويين بالعاصمة طهران وهما يضمان أهم المقرات الحكومية. وفي السياق ذاته نقلت وكالة إيسنا مشاهد حية لتصاعد أعمدة الدخان الكثيف من محيط حي باستور الذي يحتضن مقر المرشد ومقر الرئاسة مما يعكس حجم الاختراق الأمني والجوي الذي حققته الطائرات المهاجمة وتجاوزها لشبكات الرادار.
لم تقتصر الأهداف في العاصمة على المربعات الأمنية العليا بل امتدت لتشمل مقرات إدارية حيوية تدير شؤون البلاد اليومية. فقد نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين محليين تأكيدات باستهداف عدة وزارات سيادية تقع في الأجزاء الجنوبية من طهران مما أدى إلى شلل شبه تام في الحركة وإعلان حالة الطوارئ القصوى في صفوف الأجهزة الأمنية وفرق الإنقاذ.
وفي خضم هذه الفوضى العارمة سارعت السلطات الإيرانية إلى إصدار بيانات مطمئنة تؤكد سلامة القيادات العليا حيث أفادت وكالة إرنا الرسمية بأن الرئيس مسعود بزشكيان بخير ولم يصب بأذى. كما نقلت تقارير أخرى أن المرشد الأعلى قد تم نقله إلى مكان آمن وفائق السرية لضمان سلامته الشخصية في ظل استمرار تحليق الطيران المعادي واحتمال تجدد الغارات.
اتساع رقعة القصف وعمق العمليات العسكرية
لم تنحصر ملحمة الغضب في حدود العاصمة بل تمددت جغرافيا لتشمل مدنا استراتيجية وقواعد عسكرية منتشرة في مختلف المحافظات الإيرانية. فقد أكدت التقارير الواردة استهداف مدينة أصفهان بوسط البلاد والتي تضم منشآت حيوية بالغة الأهمية حيث سمع السكان دوي انفجارات متعاقبة هزت الأرجاء وأثارت حالة من الرعب والهلع بين المدنيين الذين استيقظوا على أزيز الطائرات المقاتلة.
وامتدت أذرع الهجوم لتصل إلى مدينة تبريز في الشمال الغربي وهي منطقة ذات ثقل عسكري واقتصادي كبير. ولم تسلم مدن قم وكرج وكرمنشاه من الاستهداف المتزامن حيث تم رصد نشاط مكثف للدفاعات الجوية الإيرانية التي حاولت يائسة التصدي لأسراب المقاتلات والصواريخ الانزلاقية التي أمطرت قواعد الحرس الثوري ومراكز تجميع الأسلحة محولة ليل تلك المدن إلى نهار.
وفي تطور لافت يثير القلق الدولي طالت الضربات مدينة بوشهر الساحلية المطلة على مياه الخليج العربي. ورغم التعتيم الإعلامي الصارم لم تتضح بعد الرؤية بشأن ما إذا كانت محطة بوشهر النووية قد تعرضت لأي أضرار مباشرة أو جانبية نتيجة هذا القصف وهو أمر إن حدث سيشكل كارثة بيئية وإشعاعية تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية لتهدد دول الجوار الإقليمي.
كما سجلت محطات الرصد استهداف مناطق حيوية في الجزر الإيرانية الاستراتيجية حيث سمعت انفجارات عنيفة في جزيرتي دزفول وخارك. وتعد جزيرة خارك العصب الرئيسي لتصدير النفط الإيراني مما يوحي بأن الهجوم يحمل أهدافا اقتصادية توازي في أهميتها الأهداف العسكرية بهدف خنق الاقتصاد المحلي وقطع شريان الحياة المالي الذي يغذي الآلة العسكرية في المنطقة.
ملفات طهران الشائكة من التسلح إلى النفوذ
تأتي هذه السلسلة من الضربات العنيفة كتتويج لمسار طويل من التوترات المتراكمة المرتبطة بملفات إيران الشائكة والمعقدة. ويتربع البرنامج النووي المثير للجدل على رأس هذه الملفات حيث تتهم الدول الغربية السلطات الإيرانية باستغلال الوقت لتخصيب اليورانيوم بمعدلات مرتفعة مستفيدة من حالة الجمود السياسي التي رافقت فشل جميع جولات مفاوضات جنيف المتتالية والمحبطة.
وإلى جانب الطموح النووي يشكل ملف النفوذ الإقليمي لطهران مصدر إزعاج دائم للمجتمع الدولي والمنظومة الأمنية في الشرق الأوسط. فقد عملت القيادة الإيرانية على مدار عقود على بناء شبكة معقدة من الحلفاء والوكلاء في دول مجاورة وتسليحهم بترسانة متطورة من الصواريخ والمسيرات بهدف خلق طوق أمني متقدم وتوسيع رقعة الهيمنة الجيوسياسية على حساب سيادة تلك الدول.
كما برز ملف حقوق الإنسان والسياسات الداخلية كعامل إضافي في عزل النظام الإيراني دوليا وتأليب الرأي العام العالمي ضده. وقد حاول الوسطاء إقناع القيادة في طهران بضرورة إبداء مرونة سياسية وتخفيف القبضة الأمنية بالتوازي مع الجهود المبذولة ضمن مسارات مفاوضات جنيف إلا أن الرفض الإيراني القاطع لأي تنازلات جوهرية دفع بعجلة التصعيد نحو حافة الهاوية.
وتنظر الإدارة الأميركية الحالية إلى القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية كتهديد مباشر لأمن حلفائها وقواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة. لذلك كان من الواضح أن بنك الأهداف قد شمل تدمير مصانع إنتاج وتجميع الطائرات المسيرة ومستودعات الصواريخ الدقيقة في محاولة لتقليم أظافر الحرس الثوري وتحجيم قدرته على تنفيذ هجمات انتقامية قد تشعل شرارة حرب شاملة بلا هوادة.
لطالما أثارت الطموحات التوسعية لطهران مخاوف متزايدة لدى العواصم المجاورة التي تعتبر هذا التدخل السافر في شؤونها الداخلية تهديدا لأمنها القومي. وقد انعكس هذا التوتر المتصاعد في تشكيل تحالفات إقليمية ودولية جديدة تسعى لاحتواء هذا النفوذ المتمدد وبناء جدار صد منيع يحول دون تصدير الأزمات الداخلية الإيرانية إلى دول الجوار الآمنة والمستقرة.
تداعيات المشهد الميداني على الاستقرار الإقليمي
تترك هذه الضربات الموجعة تداعيات خطيرة على مجمل المشهد الإقليمي الذي يعاني أساسا من هشاشة أمنية بالغة التعقيد. فمن المتوقع أن تشهد الأسواق العالمية للطاقة تذبذبا كبيرا في أسعار النفط خوفا من رد فعل إيراني قد يستهدف خطوط الملاحة البحرية ومضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية مما يهدد الاقتصاد العالمي.
وعلى الصعيد السياسي يتوقع المحللون أن تتخذ طهران موقفا أكثر تصلبا وتشددا في تعاطيها مع الملفات الخارجية والداخلية. فبدلا من الانصياع للضغوط قد تلجأ القيادة لتسريع وتيرة برنامجها النووي وإعلان انسحابها من معاهدة الحد من الانتشار النووي وإغلاق الباب نهائيا أمام أي فرصة مستقبلية لإحياء مفاوضات جنيف مما سيضع المجتمع الدولي أمام خيارات عسكرية بحتة.
كما يتزايد القلق من احتمالية إعطاء طهران الضوء الأخضر لأذرعها العسكرية في المنطقة لتنفيذ هجمات انتقامية واسعة النطاق ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية. هذا السيناريو قد يدفع المنطقة بأسرها إلى أتون حرب إقليمية مدمرة تتداخل فيها الجبهات من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر مما يعقد مهمة الوسطاء الدوليين الذين يسعون يائسين لاحتواء الموقف ومنع الانزلاق للهاوية.
ولا يمكن إغفال التداعيات الإنسانية الكارثية التي قد تخلفها هذه العمليات العسكرية على الشعب الإيراني الذي يعاني أصلا من أزمات اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات المتراكمة. فإلى جانب الخسائر المادية المباشرة سيزيد هذا التصعيد من عزلة البلاد وتدهور قيمة العملة المحلية مما يضاعف من معاناة المواطنين البسطاء ويضعهم أمام مستقبل غامض ومجهول المعالم.
وفي خضم هذه العاصفة العسكرية تترقب شعوب المنطقة بخوف وحذر ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة من تطورات متلاحقة. فالتصعيد العسكري لا يجلب سوى المزيد من الدمار والتاريخ يشهد أن الصراعات المسلحة نادرا ما تقدم حلولا للأزمات المعقدة بل تزيدها تعقيدا وتعمق الجراح وتترك الأجيال القادمة رهينة لتبعات حروب لا طائل منها ولا منتصر فيها.
لقد أثبتت أحداث هذا اليوم الدامي أن لغة القوة قد طغت بشكل كامل على لغة العقل والسياسة. ومع استمرار توافد التقارير الميدانية وانقشاع غبار المعارك ستتضح الصورة أكثر حول حجم الدمار الفعلي والتغيرات الاستراتيجية التي ستفرضها ملحمة الغضب على معادلة توازن القوى المتقلبة في منطقة لطالما كانت بؤرة للصراعات الدولية ومسرحا لتصفية الحسابات السياسية.
وفي نهاية المطاف تظل الساعات والأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت والتطورات المتسارعة التي قد تقلب موازين القوى رأسا على عقب. فبينما تتواصل المساعي الخجولة للتهدئة يبدو أن صوت الانفجارات سيظل مسيطرا على المشهد لفترة ليست بالقصيرة راسما ملامح مرحلة جديدة من الصدام المباشر الذي سيكتب فصولا دامية في كتاب تاريخ منطقة الشرق الأوسط المضطربة.
تطبيق نبض
