نهاية عهد المرشد.. واشنطن ترسم ملامح «اليوم التالي» بعد إسقاط النظام الإيراني
تتسارع دقات الساعة في ردهات البيت الأبيض وصحاري الشرق الأوسط لترسم ملامح مرحلة جديدة لم تعد تكتفي بتقليم أظافر طهران أو تحجيم نفوذها الإقليمي بل باتت تضع إسقاط النظام الإيراني كهدف معلن ومباشر للعمليات العسكرية الجارية حالياً. هذا التحول الجذري في العقيدة السياسية للرئيس دونالد ترمب يعكس رغبة جامحة في إنهاء ملف استمر لعقود من التوتر والمواجهة الصفرية بين واشنطن وطهران وصولاً إلى لحظة الحسم الراهنة.
حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" ووكالات الأنباء العالمية، فإن الرسائل المصورة التي وجهها الرئيس الأميركي مؤخراً لم تعد تترك مجالاً للتأويل بشأن نواياه النهائية تجاه السلطة القائمة في طهران. فقد دعا ترمب الشعب الإيراني صراحة إلى الاستعداد لتسلم زمام الأمور وإدارة شؤون بلادهم بأنفسهم فور انتهاء العمليات العسكرية التي تستهدف تدمير الآلة الحربية للحرس الثوري، مما يكرس فكرة أن الهدف هو إسقاط النظام الإيراني بالكامل.
تعود جذور هذه المواجهة إلى عقود من العداء المرير الذي بدأ منذ الثورة الإسلامية عام 1979 مراراً بأزمات الرهائن وحروب الناقلات وصولاً إلى البرنامج النووي المثير للجدل. لقد حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة احتواء طهران عبر العقوبات الاقتصادية تارة والدبلوماسية تارة أخرى، لكن الإدارة الحالية يبدو أنها توصلت إلى قناعة مفادها أن الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه دون إسقاط النظام الإيراني.
لقد كانت الاحتجاجات الشعبية العارمة التي اندلعت في يناير الماضي داخل المدن الإيرانية بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل التحرك العسكري الأميركي الواسع والتنسيق مع القوى المعارضة. هذه التظاهرات التي قوبلت بقمع عنيف أدى لسقوط آلاف الضحايا وفرت الغطاء الأخلاقي والسياسي لواشنطن لتبرير تدخلها العسكري المباشر، حيث اعتبر البيت الأبيض أن اللحظة التاريخية قد حانت أخيراً لتنفيذ استراتيجية إسقاط النظام الإيراني بمساندة داخلية.
يبرز في هذا المشهد المعقد دور رضا بهلوي نجل شاه إيران السابق الذي بدأ يتحرك كقائد للمرحلة الانتقالية المرتقبة من مقر إقامته في الولايات المتحدة الأميركية. حيث وجه بهلوي نداءات متكررة للإيرانيين بضرورة البقاء على أهبة الاستعدا للتحرك النهائي في الشوارع فور صدور الإشارة، مؤكداً أن التنسيق مع القوى الدولية يهدف بالأساس إلى تسهيل عملية إسقاط النظام الإيراني وإعادة بناء الدولة.
حشد عسكري يغير وجه المنطقة
لم تشهد منطقة الشرق الأوسط تجمعاً للقوات الأميركية بهذا الحجم منذ غزو العراق في عام 2003، حيث تنتشر الأساطيل والقواعد العسكرية في حالة استنفار قصوى. هذا الوجود العسكري المكثف لا يهدف فقط لتوجيه ضربات جراحية للمنشآت النووية، بل يسعى لشل قدرة الدولة على الرد وحماية مراكز القرار السياسي والعسكري، مما يمهد الطريق لعملية انهيار داخلي متسارعة تحت وطأة القصف الجوي المتواصل.
وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن الخطط العسكرية الموضوعة على طاولة الرئيس ترمب تتضمن خيارات لاستهداف القيادات العليا في هرم السلطة بشكل مباشر وشخصي. إن التركيز على تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية وسلاح البحرية الإيراني يهدف إلى نزع مخالب النظام ومنعه من تهديد ممرات التجارة العالمية أو حلفاء واشنطن، مما يجعل فكرة الصمود أمام الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك أمراً في غاية الصعوبة.
وعلى الرغم من إرسال ترمب لإشارات متضاربة في السابق حول رغبته في الحوار، إلا أن التصعيد الميداني الأخير قطع الشك باليقين بشأن نواياه الحقيقية تجاه طهران. فالرئيس الذي كان يرفع شعار "أميركا أولاً" والابتعاد عن النزاعات الخارجية، وجد نفسه مدفوعاً بضرورات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية لاتخاذ قرار المواجهة الشاملة، معتبراً أن كلفة الحرب الآن أقل من كلفة التعايش مع نظام نووي معادٍ.
التحالفات الدولية وموازين القوى
تتسم المواجهة الحالية بتنسيق وثيق وغير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب، حيث يرى الطرفان في هذه اللحظة فرصة ذهبية لإنهاء التهديد الإيراني للأبد. هذا التحالف لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد ليشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية الدقيقة حول تحركات القادة الإيرانيين ومواقع تخزين الأسلحة الاستراتيجية، مما يعزز من فاعلية الضربات الجوية وقدرتها على تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية في وقت قياسي.
في المقابل، تجد طهران نفسها في حالة عزلة دولية متزايدة مع تراجع قدرة حلفائها التقليديين على تقديم دعم ملموس يغير موازين القوى على الأرض. فالضغوط الاقتصادية الهائلة التي سبقت الهجوم العسكري أضعفت الجبهة الداخلية وجعلت النظام يعاني من تآكل في شرعيته وقدرته على حشد الجماهير، وهو ما تراهن عليه واشنطن في رهانها على حدوث انشقاقات داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.
ويثير هذا التصعيد مخاوف دولية واسعة من احتمالية انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة قد تشمل إغلاق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية. غير أن الإدارة الأميركية تبدو واثقة من قدرتها على احتواء رد الفعل الإيراني عبر التفوق التكنولوجي والسيطرة الجوية المطلقة، مؤكدة أن الهدف النهائي ليس تدمير إيران كدولة بل تحريرها من قبضة السلطة الحالية التي تعتبرها واشنطن "راعية للإرهاب".
المعارضة الإيرانية ورهان التغيير
تؤدي المعارضة الإيرانية في الخارج دوراً محورياً في رسم ملامح "إيران ما بعد النظام"، حيث تسعى لتقديم بديل سياسي مقبول للمجتمع الدولي وللداخل الإيراني. التصريحات الأخيرة لرضا بهلوي تعكس ثقة كبيرة في أن السقوط الوشيك للسلطة بات مسألة وقت، وأن التنسيق مع القوى الكبرى يضمن انتقالاً منظماً للسلطة يمنع دخول البلاد في حالة من الفوضى أو الحرب الأهلية المدمرة.
وتراقب عواصم القرار في العالم باهتمام شديد ردود أفعال الشارع الإيراني تجاه هذه التطورات المتلاحقة، حيث يختلط الشعور بالأمل في التغيير بالخوف من ويلات الحرب. إن المراهنة على "الثورة من الداخل" بدعم "القوة من الخارج" هي الاستراتيجية التي تتبعها واشنطن حالياً، وهي استراتيجية محفوفة بالمخاطر لكنها تعبر عن نفاد صبر المجتمع الدولي تجاه سياسات طهران الإقليمية وطموحاتها النووية المثيرة للقلق.
ويؤكد خبراء سياسيون أن نجاح هذه الخطة يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة المعارضة على توحيد صفوفها وتقديم رؤية وطنية شاملة تجمع كافة أطياف الشعب الإيراني. فالتحدي الأكبر ليس فقط في الإطاحة بالسلطة القائمة، بل في بناء نظام سياسي جديد يحظى بالإجماع الوطني ويستطيع إعادة دمج إيران في المجتمع الدولي كدولة مسؤولة تسعى للاستقرار والازدهار الاقتصادي بعيداً عن الأيديولوجيات الثورية.
سيناريوهات المستقبل واليوم التالي
يبقى السؤال الجوهري الذي يشغل بال المحللين هو: ماذا بعد سقوط النظام؟ فالخبرات السابقة في العراق وليبيا تثير هواجس مشروعة حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب بنجاح. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أقر بصعوبة التنبؤ بالمستقبل، لكنه أعرب عن أمله في ظهور قيادات عقلانية من داخل المؤسسات الحالية يمكن التفاهم معها لبناء عهد جديد من السلام.
إن التداعيات الاقتصادية لأي صراع طويل الأمد في الخليج العربي ستكون كارثية على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر حرص ترمب على جعل الضربات "محدودة" في أهدافها لكن "قاصمة" في تأثيرها. الرغبة في تجنب الانغماس في حروب برية طويلة تدفع البنتاغون للاعتماد على القوة الجوية والصاروخية والعمليات النوعية، مع ترك مهمة السيطرة على الأرض للقوى الشعبية والمعارضة الإيرانية المدعومة دولياً.
في نهاية المطاف، تمثل هذه اللحظة التاريخية مقامرة كبرى من جانب الإدارة الأميركية التي تسعى لتغيير وجه الشرق الأوسط بشكل جذري. فإما أن تنجح الاستراتيجية الحالية في تحقيق تحول ديمقراطي واستقرار مستدام، أو أن المنطقة ستدخل في نفق مظلم من الصراعات التي قد تستمر لأجيال، مما يجعل العالم يحبس أنفاسه بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من أحداث ومفاجآت.
تطبيق نبض
