عاجل
الأحد 01 مارس 2026 الموافق 12 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

بعد إعلان ترامب مقتل المرشد الأعلي في إيران.. من هو خامنئي الذي حكم طهران بالحديد والنار لمدة 36 عاما ؟

المرشد الأعلي الإيراني
المرشد الأعلي الإيراني

فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مفاجأة من العيار الثقيل بإعلانه رسمياً مقتل المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي، في تصريح أربك الحسابات السياسية في المنطقة والعالم بأسره، وبينما تلتزم العاصمة طهران الصمت التام ولم تصدر أي بيان لنفي أو تأكيد الخبر حتى هذه اللحظة، تعيش الأوساط الدولية حالة من الترقب الشديد لمعرفة مصير الرجل الذي قبض على مفاصل الحكم في إيران لعقود طويلة.

حيث يعتبر المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي هو القائد الأول لسياسات بلاده والمسؤول الأول عن تحولاتها الكبرى منذ الثورة الإسلامية، وقد بدأت رحلته الطويلة من أبواب المعارضة السرية لنظام الشاه وصولاً إلى الجلوس على قمة الهرم السياسي كصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون البلاد، مخلفاً وراءه تاريخاً طويلاً من القرارات الصعبة التي أثارت انقسامات حادة داخل إيران وخارجها.

النشأة والشباب

ووُلد علي خامنئي في عام 1939 بمدينة مشهد، التي تعتبر ثاني أكبر المدن الإيرانية وواحدة من أهم المراكز الدينية في البلاد، ونشأ في أسرة كبيرة حيث كان هو الابن الثاني من بين ثمانية أخوة.

وكان والده رجل دين زاهداً ترك أثراً كبيراً في تكوينه النفسي والفكري، كما أن البيئة الدينية في مدينة مشهد وضريح الإمام الرضا الشيعي ساهما في صياغة توجهاته منذ الصغر.

وتلقى خامنئي تعليمه الديني الأولي في مدارس تقليدية ثم انتقل بين الحوزات العلمية في إيران والعراق، وبفضل والدته التي ولدت في مدينة النجف العراقية أتقن اللغة العربية بطلاقة، ما مكنه لاحقاً من الاطلاع على الفكر الإسلامي في مختلف الدول العربية.

بداية معارضة حكم الشاه

وشهدت فترة شباب خامنئي صراعاً مع نظام الشاه آنذاك محمد رضا بهلوي الذي كان يتبنى سياسات غربية صدمت المجتمع المحافظ، وهو ما دفع خامنئي للانخراط في العمل السياسي المعارض، وبرز كخطيب يلهب حماس الجماهير، ما جعله هدفاً دائماً لجهاز الأمن "السافاك" الذي اعتقله ست مرات وأخضعه للتعذيب والنفي الداخلي.

وفي تلك الفترة، أبدى خامنئي إعجاباً كبيراً بأفكار آية الله الخميني وقام بترجمة كتب من العربية للفارسية لمفكرين إسلاميين مثل المصري سيد قطب، لتتشكل ملامح شخصيته كمعارض ثوري بار.

انتصار الثورة

وكان عام 1979 هو العام الفاصل في حياة المرشد الأعلى خامنئي، فمع انتصار الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه وعودة الخميني من المنفى، تحول خامنئي من شخص من ملاحق أمنياً إلى أحد أبرز أعمدة النظام الجديد، حيث تم اختياره عضواً في مجلس الثورة الحاكم الذي أدار البلاد في تلك المرحلة الانتقالية الصعبة، ومنحه الخميني ثقة مطلقة عندما كلفه بإمامة صلاة الجمعة في طهران عام 1980، وهي المهمة التي جعلته على اتصال مباشر ويومي مع القواعد الشعبية.

من محاولة اغتيال إلى مقعد رئاسة الجمهورية

وفي عام 1981 تعرض خامنئي لمحاولة اغتيال فاشلة بعبوة ناسفة مخبأة في مسجل صوت، أدت لإصابته بجروح خطيرة في الصدر والوجه وفقدانه القدرة على تحريك يده اليمنى بشكل دائم، ليتم بعدها بفترة قصيرة انتخاب خامنئي رئيساً للجمهورية ليكون أول رجل دين يتبوأ هذا المنصب،عقب اغتيال الرئيس محمد علي رجائي.

وواجه خامنئي خلال سنوات رئاسته واحد من أصعب الاختبارات ،وهو الحرب العراقية الإيرانية التي استنزفت موارد البلاد، ليظل متمسكاً بخطابه المتشدد ضد الغرب والولايات المتحدة التي كان يصفها دائماً بالشيطان الأكبر، معتبراً أن الصمود في الحرب هو السبيل الوحيد لحماية الثورة الوليدة.

خلافة الخميني والسيطرة على مفاصل القوة في إيران

وفي يونيو 1989 شهدت إيران لحظة حرجة بوفاة آية الله الخميني ، ليقع اختيار مجلس الخبراء على المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي ليكون خليفة له، علي الرغم من أن رتبته الدينية في ذلك الوقت لم تكن قد وصلت لمرحلة "المرجع العظمى"، لكن الضرورات السياسية عجلت بمنحه لقب "آية الله العظمى" ليتولى القيادة وهو في سن 49، ومنذ ذلك اليوم أحكم قبضته على شبكة معقدة من مراكز القوى، وأصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة والمشرف المباشر على الحرس الثوري الإيراني، كما امتلك سلطة مطلقة في تعيين كبار المسؤولين والقضاة واستخدام حق النقض ضد أي قانون أو سياسة لا تروق له.

صراعات وفتاوي

شهدت فترة التسعينات في إيران دخول خامنئي صراعات خفية وعلنية مع التيارات الإصلاحية التي حاولت الانفتاح على العالم، حيث كان يميل خامنئي لدعم المحافظين والتشديد على الالتزام بمبادئ الثورة الأولى، وهو ما ظهر جلياً في دعمه للرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد.

فعلي الرغم من الضغوط الدولية والتقارير حول البرنامج النووي الإيراني، إلا أنه ظل يناور بين إصدار فتاوى تحرم السلاح النووي وبين الاستمرار في تخصيب اليورانيوم كأداة للضغط السياسي.

مواجهة الاحتجاجات الشعبية والتوترات الإقليمية الكبرى

ولم يكن طريق المرشد الأعلى في إيران مفروشاً بالورود داخل بلاده، فقد واجه هزات عنيفة كادت تعصف بالنظام، أبرزها احتجاجات عام 2009 التي اندلعت بسبب اتهامات بتزوير الانتخابات الرئاسية، حيث قابلها خامنئي بقسوة غير مسبوقة معتبراً إياها مؤامرة خارجية.

كما تكرر المشهد مرة أخري في عام 2022 بعد وفاة الشابة مهسا أميني، التي أدت لاندلاع مظاهرات واسعة قادتها النساء والشباب للمطالبة بالحريات، ليؤمر خامنئي قوات الأمن والحرس الثوري بالتعامل بصرامة لإخماد الحراك.

أما على الصعيد الإقليمي فقد قاد إيران لتكون لاعباً محورياً في صراعات المنطقة في سوريا والعراق واليمن، وصولاً إلى المواجهات المباشرة مع إسرائيل بعد أحداث أكتوبر 2023 وحرب غزة، مما جعل من حكمه نموذجاً للتوتر الدائم مع المجتمع الدولي.

كواليس الحياة الخاصة والعائلة

ويعيش المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي حياة توصف بالبساطة في قلب طهران بعيداً عن ضجيج السياسة ،ويشتهر خامنئي بحبه للشعر والبستنة، ونادراً ما يغادر إيران لأسباب أمنية وصحية.

ويُذكر أن لخامنئي من زوجته منصورة خجسته ستة أبناء، أربعة ذكور وابنتان، وظلت حياتهم الخاصة بعيدة عن الأضواء لسنوات طويلة قبل أن يبرز اسم ابنه الثاني مجتبى خامنئي كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً في إيران.

حيث يلعب مجتبي خامنئي دوراً محورياً في إدارة مكتب المرشد والتنسيق مع الأجهزة الأمنية والحرس الثوري، ما جعل الكثيرين ينظرون إليه كخليفة محتمل لوالده، علي الرغم من أن النظام لا يورث رسمياً.

وفي سياق آخر، فبقية أبنائه مصطفى ومسعود وميثم يشرفون على مؤسسات دعائية ونشر تراث والدهم، بينما ترتبط ابنتيه بشرى وهدى بعائلات دينية وسياسية مرموقة في طهران، ما خلق شبكة مصالح وأنساب تعزز من نفوذ المرشد داخل بنية الدولة وتجعل من عائلته جزءاً لا يتجزأ من منظومة الحكم المعقدة التي بناها على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

تابع موقع تحيا مصر علي