عاجل
الأحد 01 مارس 2026 الموافق 12 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

جمهورية في مهب الريح.. حكام إيران الجدد وصراع الأجنحة فوق ركام المواجهة

حكام إيران الجدد
حكام إيران الجدد

​تشهد العاصمة الإيرانية طهران حالة من الاستنفار القصوى والترقب المشوب بالحذر في أعقاب الزلزال السياسي الذي ضرب أركان النظام بمقتل علي خامنئي.

وتتجه أنظار العالم حالياً نحو القصر الرئاسي ومقار السلطة للتعرف على هوية حكام إيران الجدد الذين سيقودون البلاد في هذه اللحظة الفارقة. حيث تم الإعلان رسمياً عن تشكيل مجلس قيادة انتقالي يتولى صلاحيات المرشد الأعلى لضمان عدم حدوث فراغ دستوري في هرم السلطة.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" ووكالات الأنباء الدولية، فإن الدستور الإيراني يحدد بوضوح مسار انتقال السلطة في حالات الطوارئ القصوى. ويتألف هذا المجلس الانتقالي من ثلاثة أقطاب رئيسة يمثلون السلطات التنفيذية والقضائية والدينية في البلاد. ويضم هذا التحالف الاضطراري كلاً من الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام محسني إيجئي ورجل الدين البارز علي رضا أعرافي ليكونوا الواجهة الرسمية ضمن حكام إيران الجدد.

​يعكس تشكيل هذا المجلس محاولة جادة من مؤسسات النظام للحفاظ على التوازن بين التيارات المتصارعة في الداخل الإيراني. فالرئيس بزشكيان يمثل الجناح الذي يوصف بالإصلاحي بينما يجسد إيجئي التوجه المحافظ المتشدد والقبضة الأمنية الحديدية. ويهدف هذا التنوع داخل تركيبة حكام إيران الجدد إلى منع الانفجار الداخلي وتوحيد الجبهة في مواجهة الضغوط الخارجية المتصاعدة من الولايات المتحدة وإسرائيل في آن واحد.

​تأتي هذه التطورات الدراماتيكية بينما تعيش المنطقة على صفيح ساخن نتيجة الحرب المباشرة التي اندلعت رحاها أخيراً. وقد أربك مقتل خامنئي وأربعة من كبار قادة القوات المسلحة الحسابات الإستراتيجية للدولة الإيرانية بشكل كلي. ومع ذلك يحاول حكام إيران الجدد تصدير صورة من الثبات والتماسك عبر التصريحات الرسمية التي تؤكد أن مؤسسات الدولة قادرة على امتصاص الصدمة ومواصلة إدارة ملفات الصراع بكفاءة.

​يبرز اسم مسعود بزشكيان كأحد الوجوه الأكثر تعقيداً في هذه المرحلة بصفته جراح قلب وسياسياً مخضرماً. وقد وصل بزشكيان إلى سدة الرئاسة في ظروف مشابهة بعد رحيل الرئيس السابق إبراهيم رئيسي. والآن يجد نفسه مجدداً في قلب العاصفة ضمن طاقم حكام إيران الجدد الذين يقع على عاتقهم اتخاذ قرارات مصيرية بشأن البرنامج النووي والعلاقات المتوترة مع الغرب التي وصلت لطريق مسدود.

​صراع الأجنحة بين الإصلاح والتشدد

​يمثل غلام محسني إيجئي الجانب المظلم والصلب في منظومة الحكم الحالية نظراً لتاريخه الطويل في الأجهزة الاستخباراتية والقضائية. ويعد إيجئي من الشخصيات التي تثير قلق المعارضة في الداخل والمجتمع الدولي في الخارج بسبب سجله الحافل بالإجراءات القمعية. ومع صعوده كأحد حكام إيران الجدد يخشى الكثيرون من تغليب النهج الأمني المتشدد على حساب أي بوادر للحوار أو التهدئة مع القوى العالمية المتصارعة.

​يعتبر علي رضا أعرافي الضلع الثالث والمكمل للشرعية الدينية في هذا المجلس القيادي المؤقت الذي يدير شؤون البلاد. وبصفته عضواً في مجلس صيانة الدستور ورئيساً للمعاهد الدينية يمتلك أعرافي نفوذاً واسعاً داخل الحوزات العلمية والمؤسسات الدينية العريقة. ويشكل وجوده ضمانة لرجال الدين بأن التغيير في القيادة لن يمس بالثوابت الأيديولوجية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ اندلاع ثورتها في عام 1979.

​تواجه هذه القيادة الثلاثية مهمة شاقة تتمثل في الإشراف على انتخاب مرشد جديد عبر مجلس خبراء القيادة. وتجري خلف الكواليس ترتيبات معقدة تتداخل فيها مصالح الحرس الثوري مع تطلعات النخب السياسية والدينية المؤثرة. وبينما يحاول حكام إيران الجدد السيطرة على المشهد تبرز أسماء مرشحة لخلافة خامنئي من بينها شخصيات محافظة وأخرى تنتمي لعائلة المرشد الراحل أو المقربين منه.

​إن التحدي الأكبر الذي يواجه النظام حالياً هو كيفية إدارة الحرب الوجودية مع إسرائيل في ظل غياب "كاريزما" خامنئي. فقد كان المرشد الراحل يمثل حلقة الوصل بين كافة المكونات العسكرية والسياسية المتنافرة في طهران. وبدونه يجد حكام إيران الجدد أنفسهم أمام مسؤولية صياغة إستراتيجية دفاعية وهجومية جديدة تضمن بقاء النظام وتحمي الأراضي الإيرانية من ضربات جوية وبرية محتملة ومدمرة.

​تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن خامنئي كان قد وضع خطة طوارئ تتضمن مستويات متعددة للخلافة العسكرية والسياسية. وشملت هذه الخطة تفويض شخصيات مثل علي لاريجاني ومحمد باقر قاليباف للقيام بمهام حساسة في حال غيابه. ومع تفعيل هذه الخطط يبدو أن حكام إيران الجدد سيعملون ضمن شبكة واسعة من المستشارين العسكريين التابعين للحرس الثوري لضمان استمرارية العمليات الميدانية واللوجستية.

​التحديات الأمنية والسياسية للمرحلة الانتقالية

​يعاني الشارع الإيراني من حالة من التخبط والقلق حول المستقبل الاقتصادي والسياسي في ظل غياب القيادة التاريخية للبلاد. وقد بدأت بالفعل بوادر أزمة معيشية مع تدهور قيمة العملة المحلية وزيادة المخاوف من عقوبات دولية أكثر صرامة. ويطالب المواطنون من حكام إيران الجدد بضرورة إيجاد حلول عاجلة تخفف من وطأة الضغوط الحياتية وتجنب البلاد الانزلاق نحو فوضى شاملة قد لا تحمد عقباها.

​على الصعيد الدولي تترقب العواصم الكبرى تحركات طهران القادمة لتحديد طبيعة الرد الدبلوماسي أو العسكري المناسب للمرحلة. فبينما يميل بزشكيان نحو الانفتاح الدبلوماسي يصر الحرس الثوري على لغة القوة والردع الصاروخي كخيار وحيد. هذا التباين يضع حكام إيران الجدد في موقف حرج يتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على الكرامة الوطنية وتجنب الانتحار العسكري في مواجهة قوى عظمى تتفوق تقنياً.

​تاريخياً شهدت إيران ملفات شائكة منذ عقود تتعلق ببرنامجها النووي المثير للجدل ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة العربية. وقد أدت هذه الملفات إلى عزل طهران دولياً وتوجيه ضربات موجعة لاقتصادها القائم على تصدير النفط والغاز. واليوم يتحتم على حكام إيران الجدد حسم هذه الملفات العالقة إما بالمواجهة الشاملة أو بتقديم تنازلات مؤلمة كانت تعتبر في السابق من المحرمات السياسية والدينية.

​تعتبر العلاقة مع الحرس الثوري الإيراني هي حجر الزاوية في استقرار أي قيادة جديدة تحكم في طهران. فهذه المؤسسة العسكرية الضخمة تسيطر على مفاصل الاقتصاد والسياسة الخارجية وتمتلك ترسانة صاروخية مرعبة. ولذلك يسعى حكام إيران الجدد لكسب ود قادة الحرس وضمان ولائهم التام لمنع أي محاولات للانقلاب أو التمرد العسكري الذي قد يطيح بالبنية المدنية الهشة للدولة في الوقت الراهن.

​إن مقتل خامنئي في هذا التوقيت بالذات يمثل ضربة قاصمة لمحور المقاومة الذي تقوده طهران في الشرق الأوسط. فقد فقدت الجماعات المتحالفة مع إيران الأب الروحي والداعم الأول لعملياتها ضد المصالح الغربية والإسرائيلية. ويحاول حكام إيران الجدد حالياً بعث رسائل طمأنة لهؤلاء الحلفاء بأن الدعم العسكري والمالي سيستمر دون انقطاع رغم التغييرات الجذرية التي طرأت على رأس الهرم القيادي في الجمهورية.

​سيناريوهات اختيار المرشد الأعلى القادم

​ينص الدستور على أن مجلس خبراء القيادة المكون من 88 رجل دين هو الجهة الوحيدة المخولة باختيار المرشد. وتجري الاجتماعات عادة في أجواء من السرية التامة نظراً لحساسية المنصب وتأثيره على التوازنات الإقليمية. ويراقب حكام إيران الجدد هذه المداولات باهتمام بالغ لأن هوية المرشد الجديد ستحدد بشكل قطعي مسار السياسة الإيرانية للعقود القادمة وما إذا كانت ستتجه نحو الاعتدال أو مزيد من التشدد.

​تتداول الأوساط السياسية أسماء مثل مجتبى خامنئي نجل المرشد الراحل كمرشح قوي رغم الانتقادات المتعلقة بالتوريث السياسي. ويتمتع مجتبى بنفوذ واسع داخل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية مما يجعله رقماً صعباً في معادلة السلطة القادمة. ومع ذلك يفضل بعض حكام إيران الجدد البحث عن شخصية توافقية تحظى بقبول الفقهاء والقادة العسكريين لتجنب إثارة الاحتجاجات الشعبية التي ترفض فكرة الحكم الوراثي في إيران.

​هناك أيضاً تيار يدعو إلى تحويل منصب المرشد إلى مجلس قيادي جماعي بدلاً من الفرد الواحد لضمان توزيع السلطات. وهذا المقترح يلقى صدى لدى الجناح الإصلاحي الذي يمثله بزشكيان وبعض رجال الدين المستنيرين في مدينة قم. ولكن يظل هذا الطرح يواجه مقاومة شرسة من المحافظين الذين يرون في "ولاية الفقيه" الفردية جوهر النظام ومصدر قوته الروحية والسياسية التي لا يمكن المساس بها أبداً.

​يشير المحللون إلى أن الفترة القادمة ستشهد صراعاً خفياً على النفوذ بين المؤسسات التقليدية والمؤسسات الثورية الناشئة. وقد تضطر الظروف الاستثنائية حكام إيران الجدد إلى اتخاذ إجراءات استثنائية تشمل إعلان حالة الطوارئ وتعطيل بعض البنود الدستورية مؤقتاً. والهدف من ذلك هو الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع اختراق الأجهزة الأمنية من قبل الاستخبارات الأجنبية التي تنشط بكثافة خلال فترات الانتقال السياسي.

​إن قصة السلطة في إيران لطالما كانت محاطة بالألغاز والتحالفات المتغيرة التي تظهر في الأزمات الكبرى دائماً. ومقتل خامنئي ليس مجرد نهاية حقبة بل هو بداية لمرحلة تتسم بالغموض والمخاطر المحدقة بكل الأطراف المعنية. وسيبقى حكام إيران الجدد تحت مجهر الرصد العالمي لمعرفة قدراتهم على المناورة والنجاة في بيئة إقليمية ودولية معادية لا ترحم الضعفاء ولا تعترف إلا بلغة المصالح والقوة.

​التوازنات الإقليمية ومستقبل "محور المقاومة"

​يمتد تأثير التغيير في طهران ليشمل العواصم العربية التي تدور في فلك السياسة الإيرانية منذ سنوات طويلة. فالفراغ الذي تركه خامنئي قد يؤدي إلى تراجع التنسيق الميداني بين الفصائل المسلحة والقيادة المركزية في طهران. ومن هنا يسارع حكام إيران الجدد لتثبيت أقدامهم عبر زيارات واتصالات مكثفة تهدف إلى التأكيد على أن الإستراتيجية الإقليمية لم تتغير وأن الالتزامات السابقة لا تزال قائمة ونافذة المفعول.

​تراقب إسرائيل الوضع عن كثب وتعتبر أن مقتل خامنئي فرصة تاريخية لإضعاف النظام وتفكيك طموحاته النووية بشكل نهائي. وقد بدأت بالفعل في تكثيف عملياتها الاستخباراتية والسيبرانية لزعزعة استقرار حكام إيران الجدد وإرباك خططهم الانتقالية في مهدها. وتدرك طهران أن أي خطأ في تقدير الموقف قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مدمرة تطال المنشآت الحيوية والقواعد العسكرية المنتشرة في عمق البلاد.

​على الجانب الآخر تسعى الولايات المتحدة لاستثمار هذه اللحظة لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر صرامة. ويرى البيت الأبيض أن الضغط العسكري المتزامن مع الأزمة السياسية قد يدفع حكام إيران الجدد نحو قبول تسويات كانت مرفوضة في السابق. ولكن يبقى التحدي في كيفية التعامل مع الجناح المتشدد الذي يرى في أي تراجع أمام واشنطن خيانة لإرث الثورة ودماء القادة الذين سقطوا في المعركة.

​إن المشهد السياسي في إيران يشبه رقعة شطرنج معقدة حيث تتحرك القطع بحذر شديد لتجنب السقوط المفاجئ. والأسماء التي تتصدر المشهد اليوم قد تتغير غداً بناءً على توازنات القوى والتحالفات السرية التي تعقد في الغرف المغلقة. ويظل الرهان الحقيقي أمام حكام إيران الجدد هو القدرة على حماية الدولة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يهدد بانفجار شعبي قد يغير وجه إيران إلى الأبد.

​في الختام يبدو أن إيران دخلت نفقاً مظلماً لا يعرف أحد نهايته أو كيفية الخروج منه بأقل الخسائر الممكنة. فمقتل خامنئي كشف عن هشاشة النظام في مواجهة الاختراقات الأمنية الكبرى رغم القبضة الحديدية التي كان يمارسها. واليوم يقع على عاتق حكام إيران الجدد كتابة فصل جديد في تاريخ البلاد إما بالعبور نحو الاستقرار والهدوء أو بالانغماس في فوضى الحروب والنزاعات التي لن ترحم أحداً.

​صياغة العقد الاجتماعي الجديد في طهران

​يعتقد بعض الخبراء أن المرحلة القادمة قد تشهد نوعاً من "البيريسترويكا" الإيرانية إذا ما نجح التيار الإصلاحي في كسب رهان السلطة. وهذا التحول يتطلب جرأة سياسية غير معهودة من قبل حكام إيران الجدد للقيام بإصلاحات هيكلية تلامس تطلعات الشباب والنساء الذين يطالبون بمزيد من الحريات. ولكن هذا المسار محفوف بالمخاطر وقد يواجه باعتراضات عنيفة من الحرس الثوري الذي يرى في الإصلاح تهديداً مباشراً لمصالحه.

​تظل ملفات حقوق الإنسان والاعتقالات السياسية من أصعب الاختبارات التي ستواجه القيادة الثلاثية أمام الرأي العام العالمي. فالمجتمع الدولي لن يقبل التعامل مع حكام إيران الجدد دون ضمانات حقيقية بوقف الانتهاكات وإطلاق سراح السجناء السياسيين من المعارضة. وهذه المعضلة تتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على هيبة النظام وتلبية الضغوط الخارجية التي تربط رفع العقوبات بتحسن ملف الحقوق والحريات الأساسية.

​إن مستقبل إيران يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة هؤلاء القادة على استيعاب الصدمة وتحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الدولة. فالتاريخ الإيراني مليء بالمنعطفات القاسية التي استطاع فيها النظام الصمود رغم كل التوقعات بسقوطه الوشيك دائماً. وسيبقى السؤال المطروح هو هل سينجح حكام إيران الجدد في اجتياز هذا الاختبار الوجودي أم أن مقتل خامنئي سيكون المسمار الأخير في نعش الجمهورية التي تأسست على أنقاض حكم الشاه.

​لقد فقدت إيران برحيل خامنئي ركيزة أساسية كانت تضمن الحد الأدنى من التوافق بين النخب الحاكمة المتصارعة دوماً. والآن أصبح الصراع علنياً وبدون كوابح مما ينذر بمواجهات سياسية وربما أمنية بين أجنحة السلطة المختلفة في طهران. ويحاول حكام إيران الجدد احتواء هذا الموقف عبر تعزيز الروح الوطنية والدعوة إلى الوحدة لمواجهة "العدو المشترك" الذي يتربص بالبلاد من كل جانب وفي كل لحظة.

​ستبقى الأيام القليلة القادمة حاسمة في تحديد هوية المرشد القادم وشكل الحكومة التي ستدير البلاد في مرحلة ما بعد الحرب. فالعالم يراقب والداخل يغلي والخيارات المتاحة أمام حكام إيران الجدد تضيق يوماً بعد يوم بشكل دراماتيكي ومقلق. فإما الذهاب نحو تسوية تاريخية شاملة تنهي عقوداً من العداء مع العالم أو الاستمرار في نهج المواجهة الذي قد يؤدي إلى نهاية مأساوية للنظام برمته.

 

تابع موقع تحيا مصر علي