عاجل
الإثنين 02 مارس 2026 الموافق 13 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

برميل الـ 120 دولاراً يطرق الأبواب.. كيف أعاد الصراع الإيراني رسم خريطة الأسواق العالمية؟

الأسواق العالمية
الأسواق العالمية

​افتتحت الأسواق العالمية تعاملات الأسبوع على وقع صدمة عنيفة هزت أركان الاقتصاد الدولي، حيث تراجعت المؤشرات الرئيسية بشكل حاد فور توارد الأنباء عن الضربات العسكرية الواسعة التي استهدفت العمق الإيراني، مما أثار موجة من البيع الذعري بين المستثمرين الذين سارعوا للتخلص من الأصول عالية المخاطر، في محاولة للبحث عن ملاذات آمنة تحمي محافظهم المالية من تقلبات الصراع المتسارع وتداعياته التي قد تمتد لتشمل ممرات التجارة العالمية الحيوية.

​وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية ووكالات أنباء عالمية"، فإن المشهد المالي تعقد بصورة غير مسبوقة مع ارتباك القواعد التقليدية للاستثمار، إذ لم تكتفِ الأسواق العالمية برد فعل تدريجي بل قامت بإعادة تسعير الأخطار الجيوسياسية فوراً، حيث قفزت أسعار النفط الخام بنسب تجاوزت تسعة في المئة، بينما سجلت أسهم شركات الطيران تراجعات دراماتيكية نتيجة إلغاء الرحلات الجوية واتساع رقعة الحظر الجوي في سماء المنطقة، مما ينذر بأزمة شحن طويلة الأمد.

مضيق هرمز ونيران أسعار الطاقة الملتهبة

​تحول تركيز الأسواق العالمية صوب مضيق هرمز الذي يعد الشريان التاجي لإمدادات الطاقة في العالم، حيث أصيبت حركة ناقلات النفط بما يشبه الشلل التام نتيجة الارتفاع الجنوني في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وهو ما دفع بنوكاً استثمارية كبرى مثل "جيه بي مورغان" للتحذير من استنفاد دول الخليج لطاقتها التخزينية إذا استمرت الاضطرابات، مما قد يدفع أسعار خام برنت للتحليق في نطاق يراوح ما بين مئة وعشرين دولاراً للبرميل الواحد.

​وانعكست هذه المخاوف مباشرة على أداء شركات الطاقة الكبرى التي خالفت الاتجاه الهبوطي العام، حيث سجلت أسهم شركات مثل "وودسايد إنرجي" و"سانتوس" و"إينبكس" مكاسب قوية تجاوزت ستة في المئة، في حين قفز سهم "جابان بتروليوم" بنسبة اثني عشر في المئة، مما يعكس رهان المستثمرين على استمرار نقص المعروض وارتفاع هوامش الربح نتيجة تعطل الإمدادات القادمة من منطقة الشرق الأوسط المشتعلة، مما يزيد الضغوط التضخمية عالمياً.

تهاوي أسهم الطيران في مطبات الصراع العسكري

​في المقابل واجه قطاع السفر والترفيه في الأسواق العالمية عاصفة هوجاء أدت إلى تآكل القيمة السوقية لكبرى شركات الطيران، حيث كشفت بيانات "سيرسيوم" عن إلغاء أكثر من نصف الرحلات المتجهة إلى الشرق الأوسط، وهو ما انعكس بمرارة على سهم "لوفتهانزا" الألمانية الذي هبط بنحو أحد عشر في المئة، كما تراجعت أسهم الخطوط الجوية اليابانية والسنغافورية بنسب قاربت الخمسة في المئة، وسط ضبابية كثيفة تحيط بمستقبل الملاحة الجوية.

​ولم تكن شركات الطيران الآسيوية والأوروبية وحدها المتضررة، بل امتد الأثر ليشمل شركات الشحن الجوي والبري التي تعتمد على استقرار المسارات الدولية، حيث يرى المحللون في "فرانكلين تمبلتون" أن الحذر يجب أن يظل سيد الموقف تجاه القطاعات الحساسة لأسعار الوقود، فالارتفاع المضطرد في كلف الكيروسين وتغيير مسارات الرحلات الطويلة سيؤدي حتماً إلى تراجع الأرباح التشغيلية وزيادة الأعباء المالية على الشركات التي لم تتعافَ كلياً من أزماتها السابقة.

ارتباك الملاذات الآمنة وصعود العملة الخضراء

​علاوة على ذلك، شهدت الأسواق العالمية تحركات غير تقليدية في سوق العملات والسندات، حيث ارتفع مؤشر الدولار بنسبة معتبرة كونه العملة المفضلة لتسعير النفط ولأنه يمثل ملجأً وقت الأزمات، بينما تراجع الين الياباني بشكل مفاجئ أمام العملة الأمريكية رغم مكانته التاريخية كملاذ آمن، ويعزو الخبراء هذا الضعف إلى كون اليابان مستورداً صافياً للطاقة، مما يجعل اقتصادها أكثر عرضة للتأثر المباشر بارتفاع فواتير استيراد النفط والغاز.

​وفي سياق متصل، سجل الذهب الفوري ارتفاعاً قوياً بنسبة تقترب من اثنين في المئة، مدعوماً برغبة المؤسسات المالية في حماية موازناتها من تآكل قيمة العملات الورقية، بينما أظهرت عملة "بيتكوين" تحركاً طفيفاً لكنها ظلت بعيدة عن مستوياتها القياسية، مما يشير إلى أن المستثمرين في الأسواق العالمية يفضلون في لحظات الصراع العسكري المباشر الأصول الملموسة والسلع الاستراتيجية على الأصول الرقمية التي تتسم بالتقلب العالي وحساسية السيولة المفرطة في الظروف الراهنة.

خلفية الصراع وملف إيران المفتوح على المجهول

​تعد الأزمة الراهنة ذروة لسنوات من التوتر المكتوم حول ملفات إيران الشائكة، بدءاً من برنامجها النووي المثير للجدل وصولاً إلى نفوذها الإقليمي، غير أن الضربات الأخيرة التي أدت إلى مقتل القيادة العليا غيرت قواعد الاشتباك تماماً، مما جعل الأسواق العالمية تتحسب لسيناريوهات لم تكن مطروحة سابقاً، حيث إن استهداف طهران ووقوع هجمات متبادلة يضع النظام الإيراني أمام تحدٍ وجودي قد يدفع المنطقة بأسرها نحو مواجهة شاملة وطويلة الأمد.

​إن قصة الاقتصاد العالمي اليوم تكتبها فوهات المدافع ومنصات إطلاق الصواريخ، حيث يراقب المستثمرون بوجل أي بوادر للتهدئة أو التصعيد، فكل صاروخ ينطلق في سماء المنطقة يترجم إلى خسائر بمليارات الدولارات في البورصات، مما يجعل استقرار الأسواق العالمية رهناً بالتوافقات السياسية الدولية وقدرة القوى الكبرى على احتواء الحريق قبل أن يلتهم سلاسل التوريد العالمية ويعيد العالم إلى مربع الركود التضخمي الذي يخشاه الجميع في هذه المرحلة الحساسة.

تابع موقع تحيا مصر علي