عاجل
الثلاثاء 03 مارس 2026 الموافق 14 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

من تغيير النظام الإيراني إلى انهيار الدولة.. سيناريوهات ما بعد الضربات في إيران وتداعياتها على الاقتصاد العالمي

تحيا مصر

​تشهد منطقة الشرق الأوسط في هذه اللحظات التاريخية الحرجة تحولاً دراماتيكياً قد يعيد رسم خارطة القوى العالمية لعقود قادمة، حيث تتباين القراءات حول مآلات الحرب المفتوحة التي تشنها واشنطن وتل أبيب لتغيير النظام الإيراني.

تتصاعد حدة التساؤلات عما إذا كانت هذه الضربات الجوية المكثفة ستحقق الردع المطلوب وتجبر طهران على الانكفاء، أم أنها ستقود إلى فوضى إقليمية شاملة يصعب احتواؤها وتتجاوز في آثارها حدود الجغرافيا السياسية التقليدية المعروفة تاريخياً.

​حسب تقرير لصحيفة الجارديان، يعالج الكاتبان راجان مينون ودانيال آر. ديبيتريس الأزمة من منظور عدم اليقين والمخاطر غير المحسوبة التي تحيط بعملية تقويض النظام الإيراني الحالي وقدرته على الرد.

يوضح الكاتبان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم إطاراً واسعاً من الاتهامات للجمهورية الإسلامية تمتد لثورة 1979، معتبراً أن الخيار العسكري بات حتمياً لإنهاء تهديدات طهران المستمرة للأمن القومي الأمريكي وحلفائها الاستراتيجيين في المنطقة.

​ويلفت المقال التحليلي إلى أن العنصر المركزي في خطاب التصعيد كان التحذير من خطر امتلاك طهران سلاحاً نووياً قادراً على بلوغ الأراضي الأمريكية وتهديد التوازنات الدولية القائمة تحت سلطة النظام الإيراني.

رغم غياب المعلومات الاستخباراتية المؤكدة، يرى الكاتبان أن الإدارة الأمريكية تعمدت بناء سردية الحرب بناءً على فرضيات القوة، متجاهلة تصريحات المسؤولين الإيرانيين في جنيف حول سلمية برنامجهم النووي وتعهداتهم بعدم تطوير أسلحة دمار شامل.

​ويشير الكاتبين مينون وديبيتريس إلى وجود تناقضات صارخة في السياسة الأمريكية، حيث تزامنت الهجمات العسكرية مع إرسال مبعوثين للتفاوض، مما يوحي بأن الدبلوماسية كانت مجرد غطاء لتبرير إسقاط النظام الإيراني لاحقاً.

لقد قدمت الوساطة العمانية تنازلات غير مسبوقة شملت خفض التخصيب والسماح للمفتشين الدوليين بصلاحيات كاملة، إلا أن واشنطن وتل أبيب أصرتا على مسار المواجهة الشاملة الذي يتجاوز تقييد البرنامج النووي ليشمل اجتثاث القيادة السياسية.

​على الصعيد الميداني، يؤكد التقرير أن الحرب خرجت سريعاً من إطارها المحدود لتصبح نزاعاً إقليمياً واسعاً طال قواعد ومنشآت حيوية في دول الخليج التي تستضيف الوجود العسكري الأمريكي لمواجهة النظام الإيراني.

حذرت الصحيفة من احتمال إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية، مما قد يطلق صدمة اقتصادية كونية تطيح بآمال الاستقرار المالي العالمي، وتدفع بأسعار الطاقة إلى مستويات قياسية لا يمكن تحمل تكلفتها.

​رهانات ترامب ومخاطر الانهيار غير المنضبط

​في تحليل ثانٍ لمجلة "الإيكونوميست"، يوضع الهجوم الأمريكي في سياق محاولات تاريخية متعثرة لرؤساء سابقين فشلوا في تغيير السلوك السياسي العام الذي يتبناه النظام الإيراني منذ عقود طويلة في المنطقة.

يرى المقال أن ترامب أقدم على قصف طهران بموجات متتالية من الصواريخ بالتنسيق مع إسرائيل، رغم إدراك البنتاغون أن النتائج قد تذهب نحو سفك دماء إضافي بدلاً من تحقيق السلام الموعود أو الديمقراطية المنشودة.

​يوضح التحليل أن الرئيس الأمريكي يسعى لتحقيق أهداف متعددة دفعة واحدة، تبدأ بالقضاء على الصواريخ الباليستية وتنتهي بتحفيز انتفاضة داخلية تطيح بما تبقى من هياكل السلطة التابعة لسيطرة النظام الإيراني حالياً.

ومع إعلان مقتل المرشد الأعلى واغتيال قيادات عسكرية بارزة، يبرز التساؤل حول مدى قدرة الدولة الإيرانية على التماسك في وجه الفراغ السياسي المفاجئ الذي قد يتبع غياب رأس الهرم القيادي في طهران تحت وطأة النيران.

​وتحذر الإيكونوميست من أن النتائج قد لا تسير وفق الرغبات الأمريكية، حيث تمتلك طهران قدرة على إلحاق دمار واسع بالبنية التحتية لدول الجوار التي تعتمد على الاستقرار لضمان ازدهارها الاقتصادي المعتمد.

قد يؤدي التصعيد إلى مقتل جنود أمريكيين ورفع أسعار النفط لمستويات تفوق المئة دولار، مما يضع ضغوطاً هائلة على الناخب الأمريكي ويحول انتصار ترامب العسكري المزعوم إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل جداً بالداخل.

​وعلى المدى الأبعد، يرى المقال احتمال فشل الضربات في تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، حيث قد يخلف المرشد شخصيات أكثر تشدداً وقسوة تؤمن بأن السلاح النووي هو الضمان الوحيد لحماية بقاء النظام الإيراني.

وهناك سيناريو أكثر قتامة يتمثل في انهيار الدولة وتحولها إلى ساحة حرب أهلية وميليشيات مسلحة تتصارع على مخزونات اليورانيوم المخصب، مما يهدد بانتشار التهديد النووي خارج نطاق السيطرة الرسمية للدولة المنهارة تماماً تحت القصف.

​جذور الصراع التاريخي وملف البرنامج النووي

​يعود التوتر الحالي إلى عقود من العداء المتبادل بين واشنطن وطهران، حيث شكل البرنامج النووي والسياسات الإقليمية جوهر الصراع المستمر الذي يسعى اليوم ترامب لإنهاء فصوله عبر القوة العسكرية المفرطة والمركزة.

منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018، دخلت العلاقة نفقاً مظلماً من العقوبات القصوى التي هدفت لخنق الاقتصاد، لكنها لم تنجح في تغيير التوجهات الاستراتيجية الكبرى التي يتبعها النظام الإيراني في الإقليم.

​لقد كانت إيران تاريخياً تراهن على شبكة حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن لتشكيل حائط صد دفاعي، إلا أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة أضعفت هذه الأطراف وجعلت طهران مكشوفة عسكرياً أمام التكنولوجيا الغربية المتطورة.

هذا الضعف الميداني شجع صناع القرار في واشنطن وتل أبيب على انتهاز الفرصة التاريخية لتوجيه ضربة قاضية تنهي طموحات القيادة الإيرانية في قيادة محور المقاومة أو الحصول على نفوذ نووي يهدد أمن إسرائيل الاستراتيجي.

​وتشير التقارير التاريخية إلى أن الشعب الإيراني عانى طويلاً من العزلة الدولية والأزمات المعيشية الخانقة نتيجة سياسات القيادة التي فضلت الإنفاق العسكري على التنمية الداخلية المستدامة لمواطنيها البالغ عددهم 93 مليون نسمة.

تلك المعاناة ولدت موجات من الاحتجاجات الشعبية التي قوبلت بقمع شديد من الأجهزة الأمنية، مما جعل البعض يراهن على أن أي ضربة خارجية قد تكون الشرارة التي تشعل ثورة داخلية تنهي حقبة النظام الإيراني للأبد.

​مغامرة القوة وتحدي الشرعية الدولية

​في افتتاحية صحيفة لوموند الفرنسية، يُقدَّم الهجوم الأمريكي الإسرائيلي باعتباره خياراً استراتيجياً مدفوعاً بالرغبة في تغيير الخارطة السياسية، أكثر من كونه رداً على تهديد عسكري داهم أو وشيك من جانب طهران.

تعتبر الصحيفة أن مقتل المرشد الأعلى يشكل نهاية رمزية لعهد طويل، لكنها تؤكد أن العملية لم تشن كرد فعل على أزمة طارئة، بل كجزء من مسعى مخطط له منذ سنوات لتقويض أركان النظام الإيراني.

​وتلفت لوموند إلى أن التبريرات التي ساقها ترامب حول وجود "تهديدات وشيكة" لا تستند إلى وقائع ملموسة، مما يضع الهجوم في خانة "حرب الاختيار" التي قد تؤدي إلى تداعيات قانونية وأخلاقية على المستوى الدولي.

فشل ترامب في الحصول على تفويض من الأمم المتحدة يجعل المسؤولية الكاملة عن نتائج هذه الحرب تقع على عاتقه وحده، مما قد يضعف الموقف الأمريكي في حال انزلقت الأمور نحو كارثة إنسانية واسعة النطاق.

​وترى الافتتاحية أن تدمير القدرات العسكرية لا يضمن بالضرورة بناء بديل سياسي مستقر، بل قد يفتح الباب أمام قوى متطرفة تستغل الفراغ الأمني للسيطرة على مناطق واسعة من البلاد ذات التنوع العرقي المعقد.

لقد أثبتت تجارب العراق وليبيا أن إسقاط الأنظمة بالقوة دون خطة واضحة لما بعد الحرب يؤدي إلى "فوضى مسلحة" تستنزف الموارد الدولية وتخلق بؤراً جديدة للإرهاب العابر للحدود والذي يهدد الأمن العالمي بأسره.

​مآلات الحرب المفتوحة وسيناريوهات المستقبل

​تخلص القراءات الصحفية الدولية إلى أن المنطقة تقف على شفا حفرة من النار، حيث لا يمكن لأحد التنبؤ بمسار الحرب أو ضبط تداعياتها الطويلة الأمد على استقرار سوق الطاقة أو الأمن البحري.

الرهان على انهيار سريع وسلس هو مقامرة كبرى تتجاهل تعقيدات المجتمع الإيراني وقوة الأجهزة الأمنية التي قد تقاتل بشراسة من أجل البقاء، مما يجعل من سيناريو "الحرب الطويلة" هو الأكثر ترجيحاً وخطورة في آن واحد.

​إن سقوط القيادة في طهران قد لا يثير ندم الكثيرين في الغرب، لكن ثمن هذا السقوط قد يكون باهظاً جداً إذا تحولت إيران إلى "دولة فاشلة" على مفترق طرق الطاقة العالمية الحيوية والمؤثرة.

يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل يمتلك ترامب والنتنياهو القدرة على احتواء الفوضى التي أطلقوا عنانها، أم أنهم فتحوا صندوق "باندورا" الذي سيحرق الجميع بنيران نزاع لا يعرف الحدود ولا القوانين الدولية المتعارف عليها.

​في نهاية المطاف، تعكس هذه الحرب تحولاً في العقيدة الأمريكية من "القيم والدبلوماسية" إلى "تعظيم القوة الخام"، وهو مسار قد يحقق ردعاً مؤقتاً لكنه يزرع بذور نزاعات مستقبلية أكثر دموية وتعقيداً في الإقليم.

إن مستقبل المنطقة بات معلقاً بمدى قدرة القوى الدولية على تدارك الموقف قبل فوات الأوان، أو الاستعداد للتعايش مع فوضى إقليمية قد تمتد لسنوات وتغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد تحت رماد الحرب.

 

تابع موقع تحيا مصر علي