شريف الاسواني يكتب: اليوم التالي.. حين تكون الفوضى أخطر من السقوط
ليست لحظة سقوط الأنظمة هي الذروة الحقيقية للخطر، بل تلك اللحظة الرمادية التي تعقبها، حين ينفضّ الغبار ولا تتضح الرؤية، وحين تتسابق الأيدي إلى ملء الفراغ قبل أن تستفيق الدولة من صدمتها. فالتاريخ لا يخبرنا أن الانهيارات تبدأ من الخارج بقدر ما يؤكد أنها تكتمل حين يعجز الداخل عن إدارة لحظة التحول.
الحديث عن احتمال سقوط نظام المرشد في إيران إن حدث لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية فصل، بل بداية كتاب جديد قد تُكتب صفحاته بمداد الدم أو بالحكمة، بحسب من يمسك بالقلم.
الفراغ… أخطر من الانهيار
الدول لا تسقط فجأة، لكنها قد تتفكك سريعًا إن تُركت بلا مرجعية جامعة. في اليوم التالي لأي سقوط سياسي، يصبح السؤال الحقيقي: من يملك القدرة على ضبط الإيقاع؟ هل تبقى المؤسسات متماسكة؟
هل يظل الجيش جيش دولة لا جيش فصيل؟ وهل تتقدم فكرة الوطن على فكرة الثأر؟الفراغ السياسي ليس مساحة محايدة، بل بيئة خصبة للفوضى. وحين تختلط المطالب الشعبية المشروعة بأجندات خارجية مترقبة، تتحول الشوارع إلى ساحة تصفية حسابات، لا إلى ميدان بناء مستقبل.
الخرائط لا تُعاد رسمها بالحبر فقط
في الشرق الأوسط، الجغرافيا ليست خطوطًا على ورق، بل توازنات دقيقة بين هويات وتاريخ ومصالح. كل هزة كبيرة في دولة محورية تفتح شهية مشاريع قديمة مؤجلة. هناك من يرى في اضطراب الإقليم فرصة لفرض وصايتة ومن يتعامل مع الحدود باعتبارها قابلة لإعادة التشكيل متى أراد
لكن إعادة هندسة الخرائط ليست عملية هندسية باردة، بل مغامرة في ميزان القوة قد تشعل الإقليم لعقود. فالدول المتشظية لا تُنتج استقرارًا، بل تولّد موجات لجوء، وصراعات بالوكالة، وانفلاتًا أمنيًا يتجاوز الحدود.
بين الدولة والنظام
من الخطأ الخلط بين النظام والدولة. الأنظمة تتغير، أما الدول فتبقى ما بقيت مؤسساتها قادرة على أداء دورها. الفارق بين الانتقال المنظم والانهيار الشامل يكمن في قوة البنية المؤسسية: القضاء، الجيش، الإدارة، والاقتصاد.
إذا نجحت هذه الأعمدة في الصمود، يصبح التغيير فرصة لإعادة البناء. أما إذا انهارت، فإن البديل لا يكون بالضرورة أفضل، بل قد يكون أشد قسوة وأطول أمدًا.
مصر… خيار الدولة الوطنية
وسط هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يظل الدرس واضحًا: لا حماية لدولة إلا بذاتها. الارتهان للخارج لا يصنع أمنًا، والمراهنة على توازنات متقلبة لا تبني استقرارًا دائمًا. فالدولة الوطنية، بمؤسساتها ومشروعها الجامع، هي الحصن الأخير في زمن السيولة. حين تتقدم المصلحة العامة على الشعارات،
وحين يكون الجيش عمود الخيمة لا طرفًا في صراع، وحين تتغلب الحكمة على الانفعال، يصبح الاستقرار قرارًا سياديًا لا منحة خارجية.
السلام لمصر…
الدولة قبل الأفراد، والشعب قبل الشعارات، والسيادة قبل الاصطفافات. ففي عالم تتنازعه الحماقات وتغريه المغامرات، تظل الحكمة المصرية ضرورة تاريخية، لا ترفًا سياسيًا.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في كل عاصمة عربية:
هل نحن مستعدون لليوم التالي؟ أم أننا نكتفي بمراقبة لحظة السقوط ونغفل ما بعدها؟
تطبيق نبض