مدريد في عين العاصفة.. هل تدفع إسبانيا ثمن «لاءاتها» للبيت الأبيض؟
تصدرت إسبانيا المشهد السياسي العالمي بعد دخولها في مواجهة دبلوماسية حادة مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تباين الرؤى تجاه التصعيد العسكري في الشرق الأوسط. وانفجر الخلاف عقب تصريحات متضاربة بين البيت الأبيض والحكومة الإسبانية حول طبيعة التعاون العسكري في العمليات الموجهة ضد طهران. وتتمسك مدريد بموقفها السيادي الرافض للانجرار نحو نزاع مسلح جديد قد يعيد للأذهان كوارث حروب سابقة في المنطقة.
حسب تقرير لوسائل إعلام دولية ومصادر دبلوماسية، بدأت شرارة الأزمة عندما هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا بشكل كامل. جاء هذا التهديد المباشر رداً على قرار مدريد بمنع القوات الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية المشتركة في روتا ومورون لشن هجمات. ووصف ترامب الموقف الإسباني بـ "السيئ للغاية"، مؤكداً أن واشنطن لن تتساهل مع الحلفاء الذين يعرقلون استراتيجيتها العسكرية في مواجهة التهديدات الإيرانية.
وتشير بيانات تتبع الملاحة الجوية إلى تحركات عسكرية مكثفة في الأجواء الأوروبية تزامنت مع ذروة التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران. ورصدت المواقع مغادرة نحو خمس عشرة طائرة عسكرية أمريكية من القواعد الموجودة في إسبانيا باتجاه محطات بديلة مثل قاعدة رامشتاين في ألمانيا. ويعكس هذا التحرك الميداني حجم الضغط الذي تمارسه واشنطن لتجاوز القيود التي فرضتها الحكومة الإسبانية على استخدام أراضيها في العمليات الهجومية المباشرة.
وتعتبر قاعدتا روتا ومورون في إسبانيا من أهم مراكز الارتكاز الاستراتيجي للجيش الأمريكي في القارة الأوروبية ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. وتعمل هاتان القاعدتان بموجب اتفاقية دفاعية تاريخية تعود إلى عام ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين خلال حقبة الديكتاتور فرانكو. ومع ذلك، يشدد الدستور الإسباني الحالي والاتفاقيات المحدثة على أن السيادة الكاملة تظل للدولة الإسبانية، مما يمنحها الحق القانوني في رفض أي نشاط عسكري.
إرث حرب العراق وشعار "لا للحرب"
وفي خطاب مطول ألقاه أمام البرلمان، أكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن إسبانيا لن تكون شريكة في أي هجمات تخالف الشرعية الدولية. واستحضر سانشيز شعار "نو آ لا غيرا" التاريخي الذي يمثل ضمير الشعب الإسباني الرافض للحروب والتدخلات العسكرية الخارجية غير المبررة. وأوضح أن بلاده لا تدعم نظام آيات الله في إيران، لكنها تدعم السلام العالمي وتنبذ استخدام القوة العسكرية كحل وحيد للأزمات السياسية المعقدة.
ويرى سانشيز أن الدفاع عن القانون الدولي هو السبيل الوحيد لتجنب الكوارث البشرية التي تنجم عن القرارات العسكرية المتسرعة وغير المدروسة. وأكد أن إسبانيا ترفض التلاعب بمصائر الملايين من البشر تحت ذرائع أمنية واهية، مشيراً إلى أن الحوار هو المسار الأمثل. وشدد على أن التهديدات الاقتصادية بقطع العلاقات التجارية لن تغير من ثوابت السياسة الخارجية لبلاده، ولن تدفعها للتنازل عن مبادئها الأخلاقية والسياسية.
وانتقد رئيس الوزراء الإسباني ما وصفه بـ "الأهداف غير الواضحة" للتحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المشتركة التي استهدفت الأراضي الإيرانية في الآونة الأخيرة. واعتبر أن استخدام ستار الحرب لإخفاء الإخفاقات السياسية الداخلية هو أمر غير مقبول في العرف الدولي المعاصر. وأضاف أن الحروب لم تؤد يوماً إلى بناء نظام دولي أكثر عدلاً، بل ساهمت دائماً في تعميق الانقسامات والكراهية بين الشعوب والحضارات.
التضامن الأوروبي وحماية المصالح المشتركة
وعلى الرغم من وضوح الموقف الإسباني، حاولت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت الإيحاء بوجود تغيير في موقف مدريد تجاه التعاون العسكري. وزعمت ليفيت أن إسبانيا وافقت في نهاية المطاف على التعاون مع القوات الأمريكية، مدعية أن رسالة ترامب وصلت بوضوح وقوة. وأثارت هذه التصريحات موجة من الغضب في الأوساط السياسية الإسبانية التي اعتبرتها محاولة لتزييف الحقائق والضغط النفسي على الحكومة والجمهور.
ورد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بنفي قاطع وشديد اللهجة لهذه الادعاءات الأمريكية، مؤكداً أن موقف بلاده ثابت ولم يتزحزح. وقال ألباريس في مقابلات إذاعية وتلفزيونية إن القواعد العسكرية في إسبانيا لن تستخدم في أي عمليات خارج إطار الاتفاقيات الثنائية المبرمة. وشدد على أن مدريد تلتزم بميثاق الأمم المتحدة، وأنها لن تسمح بتحويل أراضيها إلى منطلق لهجمات تقوض الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
ودخلت المفوضية الأوروبية على خط الأزمة معلنة تضامنها الكامل مع إسبانيا في مواجهة التهديدات التجارية التي لوح بها الرئيس الأمريكي ترامب. وأكد المتحدث باسم المفوضية أن الاتحاد الأوروبي مستعد لاستخدام سياسته التجارية المشتركة لحماية مصالح أي دولة عضو تتعرض لضغوط خارجية. ويعكس هذا الموقف الجماعي حجم الفجوة المتزايدة بين ضفتي الأطلسي فيما يخص التعامل مع الملف الإيراني والقضايا الأمنية المرتبطة به.
وعبر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن دعمه المطلق لقرار مدريد، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي سيضمن حماية سيادة دوله الأعضاء دائماً. كما أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالاً هاتفياً بسانشيز للتعبير عن التضامن الفرنسي والأوروبي في وجه ما وصفه بـ "الإكراه الاقتصادي". وتكرر الموقف ذاته في برلين، حيث أكدت الخارجية الألمانية أن إسبانيا ليست وحدها في هذه المواجهة وأن الوحدة الأوروبية صلبة.
جذور الملف الإيراني وتعقيدات المنطقة
لفهم أبعاد الصراع، يجب العودة إلى تاريخ التوتر بين طهران وواشنطن، والذي تصاعد منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. وتمثل إيران لاعباً إقليمياً مؤثراً يمتلك نفوذاً واسعاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مما يضعها في صدام مستمر مع المصالح الغربية. وتسعى واشنطن لتقويض هذا النفوذ عبر سياسة "الضغوط القصوى"، بينما تفضل إسبانيا ودول أوروبية أخرى نهج الدبلوماسية لاحتواء الطموحات النووية الإيرانية.
وتخشى إسبانيا أن يؤدي أي صراع عسكري مفتوح مع إيران إلى اشتعال منطقة الشرق الأوسط بالكامل، مما يهدد أمن الطاقة العالمي. كما أن الموقع الجغرافي القريب لإسبانيا من منطقة المتوسط يجعلها عرضة لتداعيات أي موجات نزوح أو عدم استقرار ناتج عن الحرب. وترى مدريد أن التعامل مع ملف إيران يتطلب توازناً دقيقاً بين إدانة انتهاكات حقوق الإنسان وبين تجنب العمل العسكري المدمر.
وفي هذا السياق، كانت دول الخليج تراقب التطورات بحذر شديد، نظراً لموقعها الجغرافي كجارة مباشرة لإيران وشريك استراتيجي للولايات المتحدة. وتمتلك دول الخليج تاريخاً طويلاً من التوجس تجاه البرنامج النووي الإيراني وتدخلات طهران في الشؤون الداخلية العربية عبر أذرعها العسكرية المختلفة. ومع ذلك، فإن العديد من دول المنطقة باتت تميل مؤخراً نحو خفض التصعيد وتغليب لغة الحوار الإقليمي لتجنب حرب شاملة.
تدرك دول الخليج أن أي مواجهة عسكرية كبرى ستجعل من أراضيها ومنشآتها النفطية أهدافاً محتملة في حال اندلاع صراع واسع النطاق. لذا، فإن الموقف الذي تتبناه إسبانيا يجد صدىً صامتاً لدى بعض الأطراف التي تخشى من التهور العسكري الذي قد يطيح باستقرار المنطقة. وتسعى هذه الدول لتحقيق توازن بين الحفاظ على التحالف مع واشنطن وبين تأمين الممرات المائية الحيوية في الخليج العربي.
استحضار تجربة العراق وسقوط الحكومات
ربط رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بين الموقف الحالي وبين تجربة بلاده المريرة خلال غزو العراق في عام ألفين وثلاثة ميلادية. وأشار عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى أن التاريخ يعيد نفسه، محذراً من تكرار أخطاء الماضي التي قادها "قادة متهورون" نحو حروب غير قانونية. وتعتبر الذاكرة الجماعية في إسبانيا أن المشاركة في حرب العراق كانت من أكبر الأخطاء السياسية في تاريخ البلاد الحديث.
وكانت الحكومة اليمينية السابقة برئاسة خوسيه ماريا أزنار قد شاركت في "تحالف الراغبين" بجانب بوش وبلير، رغم المعارضة الشعبية الهائلة آنذاك. وأدى ذلك القرار إلى انقسام حاد في المجتمع الإسباني، وزاد من حدة الاحتقان ضد الحزب الشعبي اليميني الذي كان يقود البلاد. وتسببت تلك المشاركة في تداعيات أمنية خطيرة، ربطها الكثيرون بالتفجيرات الإرهابية التي ضربت قطارات مدريد في مارس عام ألفين وأربعة.
تلك التفجيرات التي أودت بحياة مئات الأبرياء كانت نقطة تحول كبرى في السياسة الداخلية، حيث أطاحت بالحكومة اليمينية في الانتخابات التي تلتها. وفاز الحزب الاشتراكي بالانتخابات، وكان أول قرار اتخذه رئيس الوزراء ثاباتيرو هو سحب القوات الإسبانية من العراق بشكل فوري وكامل. وأكد ثاباتيرو حينها أن إسبانيا يجب أن تستمع لإرادة شعبها الذي خرج بالملايين للشوارع يهتف ضد الحرب والدمار والتبعية العمياء لواشنطن.
وبناءً على هذا الإرث، ترفض إسبانيا اليوم أن تكون "مجرد تابع" للسياسات الأمريكية التي قد تجلب الدمار لمنطقة الشرق الأوسط وتؤثر على أمن أوروبا. ويرى سانشيز أن بلاده تعلمت الدرس جيداً، وأن السيادة الوطنية لا يمكن المقايضة عليها بالتهديدات التجارية أو الضغوط السياسية. ويعزز هذا الموقف شعبية الحكومة الاشتراكية الحالية التي تظهر بمظهر المدافع عن القيم الإنسانية والقانون الدولي في مواجهة لغة القوة.
تناقض السياسات الخارجية لمدريد وواشنطن
لا يقتصر الخلاف بين إسبانيا وإدارة ترامب على الملف الإيراني فحسب، بل يمتد ليشمل ملفات دولية أخرى تتصادم فيها الرؤى بشكل واضح. ففي الملف الفنزويلي، انتقد سانشيز بشدة التحركات الأمريكية الرامية لتغيير النظام بالقوة، معتبراً أن السيطرة على موارد الطاقة هي المحرك الحقيقي. ورغم عدم اعترافه بشرعية مادورو، إلا أنه رفض الانصياع للرغبة الأمريكية في دعم تدخل عسكري مباشر في كاراكاس.
كما برزت إسبانيا كصوت قوي ومدافع عن الحقوق الفلسطينية، منتقدة بشدة العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة. وكانت مدريد من أوائل الدول الأوروبية التي وصفت ما يحدث في غزة بأنه "إبادة جماعية"، وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار والاعتراف بالدولة الفلسطينية. هذا الموقف وضع إسبانيا في مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب التي تتبنى دعماً مطلقاً وغير مشروط للسياسات الإسرائيلية في المنطقة.
وتجلى التباين أيضاً في رفض إسبانيا الانضمام لمبادرة "مجلس السلام" التي اقترحتها إدارة ترامب للتعامل مع الوضع في قطاع غزة المحاصر. وأكدت مدريد أن أي حل يجب أن يمر عبر مظلة الأمم المتحدة ويضمن حل الدولتين كسبيل وحيد لتحقيق السلام الدائم والشامل. ويعكس هذا الرفض المتكرر رغبة إسبانيا في صياغة سياسة خارجية مستقلة تعبر عن هويتها كدولة ديمقراطية تلتزم بالقيم الكونية والأخلاقية.
وفي ختام المشهد، تظل إسبانيا ثابتة على موقفها رغم الضجيج الإعلامي والتهديدات الاقتصادية القادمة من خلف المحيط الأطلسي تجاه القواعد العسكرية. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة واشنطن على تنفيذ تهديداتها التجارية في ظل التضامن الأوروبي الواسع مع الموقف السيادي لمدريد. إن الصراع الحالي هو اختبار حقيقي لقوة القانون الدولي أمام سياسة القوة، واختبار لصلابة التحالفات الأوروبية في مواجهة التحديات العالمية المتسارعة.
- إسبانيا
- الولايات المتحدة
- ايران
- دونالد ترامب
- بيدرو سانشيز
- حرب العراق
- القواعد العسكرية
- روتا
- مورون
- الاتحاد الاوروبي
- القانون الدولي
- السيادة الوطنية
- تهديدات تجارية
- الشرق الأوسط
- خوسيه مانويل ألباريس
- البيت الأبيض
- المفوضية الأوروبية
- إيمانويل ماكرون
- غزو العراق
- لا للحرب
- آيات الله
- الأمن القومى
- العلاقات الدولية
- التصعيد العسكري
- الملاحة الجوية
- الدبلوماسية
- حقوق الإنسان
- غزة
- فنزويلا
تطبيق نبض
