عاجل
الإثنين 09 مارس 2026 الموافق 20 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

إيران وتصعيد أزمة الطاقة العالمية: تداعيات تهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي

تحيا مصر

بات الهدف الإيراني واضحًا، إذ تسعى طهران إلى تحويل الحرب إلى أزمة طاقة عالمية تهدد استقرار الأسواق الدولية وتصعّد الضغوط على الاقتصاديات الكبرى، مستهدفةً بشكل خاص الاقتصاد الأمريكي والدول الغربية وتلك التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، اذ تسعى طهران إلى تحقيق هذا الهدف من خلال تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الرئيسي لإمدادات النفط والغاز، واستهداف عدد من منشآت النفط والغاز في دول الخليج، بما يضغط على الدول المنتجة للإعلان عن حالات قوة قاهرة force majeure لتعليق التزامات التوريد، وهو ما يخلق حالة مستمرة من عدم اليقين تدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد ويضعف مرونة الأسواق في مواجهة الصدمات.

فهذه الخطوة تمكن إيران من استثمار موقعها الجيوستراتيجي لتحقيق أهدافها، التي تتجاوز التأثير الفوري على أسعار البترول والغاز لتشمل إعادة رسم موازين القوة الاقتصادية والسياسية على المستوى الدولي، وإجبار اللاعبين الرئيسيين على الانخراط في معادلات قوة جديدة. وهكذا، أصبحت الطاقة والمضايق البحرية الاستراتيجية أدوات واضحة للضغط والتأثير، تلجأ إليها إيران بشكل متواصل لتعزيز موقعها وتوسيع نفوذها الإقليمي والدولي.

فقد أدى التصعيد المتسارع في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وما ترتب عليه من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، إلى صدمة فورية في أسواق الطاقة العالمية. فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 30٪ لتقترب من 119 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ أكثر من 40 عامًا، وسط توقعات بإمكانية بلوغ 150 دولارًا في المستقبل القريب إذا استمر تعطل الإمدادات واشتدت حدة التوترات العسكرية. وفي الوقت نفسه، تشهد أسواق الغاز الطبيعي ارتفاعات أشد حدة، إذ يُتوقع أن تتضاعف الأسعار أربع مرات مقارنة بمستويات ما قبل الحرب لتصل إلى نحو 117 يورو لكل ميغاواط/ساعة، ما يعكس حساسية هذه الأسواق لأي تهديد يطال أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميًا.

يشكل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي، فهو الممر الذي يمر عبره نحو 20–21 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يعادل نحو 20–25٪ من تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال، أغلبه من قطر. أي اضطراب في الملاحة عبر هذا الممر الاستراتيجي ينعكس سريعًا على ميزان العرض والطلب العالمي، ويجبر الأسواق على إعادة تسعير الطاقة بما يتوافق مع المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة.

وقد شهدت أسواق الغاز الطبيعي بالفعل ارتفاعات ملحوظة، حيث سجلت أسواق الغاز المسال في آسيا وأوروبا قفزات تراوحت بين 40 و57٪ خلال فترة قصيرة، خاصة بعد توقف مؤقت لإنتاج الغاز في قطر نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت مواقع إنتاجية. هذه الأحداث تؤكد هشاشة أسواق الطاقة تجاه أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية وتبرز الدور المركزي للمضائق البحرية في استقرار الاقتصاد العالمي.

وتتفاقم خطورة الوضع بسبب محدودية القدرة على تعويض الانخفاض في المعروض من الغاز الطبيعي من مصادر بديلة. فالإنتاج النرويجي يعمل بالفعل بالقرب من طاقته القصوى، في حين أن القرار الأوروبي السابق بوقف استيراد الغاز الروسي قلّص بدرجة كبيرة هامش المرونة أمام الأسواق الأوروبية. وبناءً على هذه المعطيات، يزداد احتمال أن تواجه القارة الأوروبية أزمة طاقة حقيقية يصعب احتواؤها على المدى القريب، مع انعكاسات ملموسة على الاقتصاد الكلي، التضخم، أسعار السلع الأساسية، والصناعات التحويلية.

فإغلاق مضيق هرمز لأكثر من بضعة أيام يجعل الركود العالمي أمرًا مرجحًا، بينما تواجه البنوك المركزية تحديات مزدوجة: إما رفع أسعار الفائدة لتعميق الركود، أو إبقاؤها كما هي مع فقدان السيطرة على التضخم. فالاقتصاد العالمي دخل أزمة هيكلية، والاحتياطيات البترولية الاستراتيجية تشكل مجرد مسكن مؤقت لا يسد فجوة بهذا الحجم.

ولا يعكس ارتفاع أسعار النفط والغاز مجرد تراجع فعلي في الإمدادات، بل يعكس أيضًا ما يمكن وصفه بالزيادة المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية، إذ يسارع المتعاملون في الأسواق إلى تسعير احتمالات اتساع نطاق الحرب أو استمرار اضطراب الإمدادات لفترة أطول. وفي هذه الظروف، لا تتحرك الأسعار وفق المعطيات المادية للإنتاج والنقل فقط، بل تتأثر أيضًا بتوقعات الأسواق ودرجة القلق الاستراتيجي لدى المستثمرين والدول المستوردة للطاقة.

يتسرب تأثير هذه الصدمة إلى جميع القطاعات الحيوية، إذ تؤدي زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين إلى رفع أسعار السلع والخدمات، مما يفاقم ضغوط التضخم ويقلص القدرة الشرائية للمستهلكين. كما تتعرض الحكومات المستوردة للطاقة لضغوط إضافية بسبب ارتفاع الإنفاق على دعم الأسعار، ما يدفع صانعي السياسات إلى إعادة تقييم استراتيجيات الطاقة الوطنية، بما يشمل تنويع مصادر الإمداد وبناء احتياطيات استراتيجية للتخفيف من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.

وقد حذر صندوق النقد الدولي  من أن الارتفاع المستمر في أسعار النفط والغاز، الناتج عن التوترات في الشرق الأوسط، يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي من خلال زيادة التضخم وإبطاء النمو. وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10٪ قد يضيف نحو 40 نقطة أساس إلى التضخم العالمي، في حين أن الأسعار العالية والمتقلبة تضغط على اقتصادات الدول النامية وتزيد من تكاليف الطاقة ، اذ تشير التوقعات الاقتصادية إلى احتمال تباطؤ النمو العالمي خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها المباشر على تكاليف الإنتاج والنقل، مما يزيد من ضغوط التضخم ويحدّ من القدرة الشرائية للمستهلكين. كما تتأثر الأسواق المالية بشكل ملحوظ، حيث تؤدي حالة عدم اليقين الجيوسياسي إلى تقلبات حادة في أسواق الأسهم والسندات والسلع، وارتفاع تكلفة رأس المال نتيجة زيادة المخاطر، ما يزيد من صعوبة تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى ويضغط على النمو الصناعي والخدمي في مختلف الاقتصادات.

في ضوء هذه المعطيات، يظهر بوضوح أن الحرب ضد إيران لم تعد مجرد صراع إقليمي محدود، بل تحولت إلى اختبار شامل لاستقرار أسواق الطاقة العالمية وبمجمل الأوضاع الاقتصاديه الدوليه إذ ان استمرار تعطّل الملاحة في مضيق هرمز أو تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة سيجعل من أزمة الطاقة عاملاً مركزياً يعيد صياغة أولويات الدول في السياسات الاقتصادية والاستثمارية، ويجبرها على إعادة تقييم استراتيجيات امن الطاقه ومصادر الإمداد. وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق الدولي لإدارة المخاطر، وتعزيز المرونة الاقتصادية، وتوسيع الخيارات أمام الدول المستوردة للطاقة، لتجنب التعرض للمزيد من إلى الصدمات الاقتصادية، حيث تصبح القدرة على حماية الممرات الحيوية للطاقة والاستجابة السريعة للأزمات معياراً أساسياً لاستقرار الاقتصاد العالمي في المستقبل.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي