إيران ما بعد «فبراير الأسود».. صراع الهوية والسيادة في مواجهة الهيمنة الدولية
تشهد منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن زلزالاً سياسياً وعسكرياً عنيفاً أعاد صياغة موازين القوى، حيث تبرز دولة إيران كلاعب محوري في هذا الصراع الدولي الذي تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية. إن فهم أبعاد هذه الحرب يتطلب الغوص في أعماق الاستراتيجية الإيرانية الساعية للهيمنة الإقليمية، والتي اصطدمت بشكل مباشر مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، مما أدى إلى اندلاع مواجهة عسكرية شاملة غيرت وجه المنطقة للأبد.
حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" ولعدد من الوكالات الدولية، فإن الجذور الأساسية لهذا الصدام تعود إلى القضية الفلسطينية التي اتخذتها إيران ركيزة لسياساتها الخارجية ودستورها. وتؤكد المادة الخامسة عشرة من الدستور الإيراني التزام طهران بدعم المستضعفين وحقوق المسلمين، وهو ما ترجمه النظام إلى تحركات ميدانية تهدف لمد النفوذ عبر أذرع عسكرية في دول الهلال الخصيب وصولاً إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
لقد سعى القادة في طهران منذ عقود إلى إحياء الأمجاد التاريخية تحت غطاء الخطاب الإسلامي الراديكالي، مما دفع إيران نحو تبني نهج يوصف بالإمبريالية الإقليمية الصغيرة. هذا الطموح اصطدم بالواقع العسكري المعقد، حيث حاولت السلطة استغلال التذمر الشعبي التاريخي من التدخلات الأجنبية السابقة لتعزيز شرعيتها الداخلية. ورغم الأزمات الاقتصادية الخانقة، وجد النظام في التهديد الخارجي وسيلة لإعادة رص الصفوف ومواجهة الضغوط الدولية.
فسيفساء القوميات وتحديات الوحدة الوطنية
يظهر المجتمع الإيراني كنسيج معقد من الإثنيات والقوميات التي تشكل أكثر من نصف السكان، حيث يتوزع الولاء بين الفرس والترك والكرد والبلوش والعرب. ورغم وجود استياء واسع من السياسات الحكومية، إلا أن الحرب الحالية التي اندلعت في فبراير الماضي غيرت قواعد اللعبة السياسية داخل إيران بشكل غير متوقع. فبدلاً من الانهيار السريع، أظهرت فئات واسعة من المجتمع تماسكاً ملحوظاً أمام الهجمات الجوية.
لقد راهنت القوى المهاجمة على تحريك الشارع الإيراني لإسقاط النظام من الداخل، خاصة بعد استهداف شخصيات قيادية كبرى في هرم السلطة. ومع ذلك، فإن الاستجابة الشعبية لتلك الدعوات كانت محدودة للغاية، حيث فضلت الطبقات الوسطى والعمالية الوقوف بجانب مؤسسات الدولة. هذا الموقف نبع من كره المهاجمين الأجانب والخوف من تدمير البنية التحتية المدنية والمنشآت الاقتصادية الحيوية التي تعتمد عليها البلاد.
وتبرز القومية الكردية كأحد أهم الأطراف التي كان يعول عليها الخارج لإضعاف السلطة المركزية في إيران نظراً لتنظيمها العالي وطابعها العلماني. ويليها في الأهمية الحراك البلوشي ذو الصبغة الدينية السنية، حيث يتقاسم الطرفان العداء للحكم الطائفي القائم. لكن الحسابات الإقليمية وتضارب المصالح بين القوميات المختلفة، مثل التوجس الأذري من الطموحات الكردية، حال دون تشكيل جبهة معارضة موحدة قادرة على حسم الصراع.
وفي المقابل، أبدى القوميون الفرس تمسكاً شديداً بوحدة الأراضي الإيرانية، معتبرين أن أي ضعف في السلطة المركزية سيؤدي حتماً إلى تفتيت إيران وتقسيمها. وينطلق هذا الشعور من إيمان عميق بأنهم الورثة الشرعيون لإمبراطورية عريقة تمتد لقرون طويلة، مما يجعلهم يرفضون أي تدخل أجنبي يهدف لتغيير النظام بالقوة. هذه السيكولوجية السياسية لعبت دوراً حاسماً في صمود الدولة أمام الهجمات العسكرية العنيفة.
التوازنات الإقليمية وحسابات القوى الكبرى
لا يمكن عزل الصراع الدائر في إيران عن التنافس الاقتصادي العالمي بين الولايات المتحدة والصين، حيث تقع طهران في قلب مشاريع الربط التجاري الدولية. فبينما تدعم السلطات الإيرانية "مبادرة الحزام والطريق" الصينية، تسعى واشنطن لتعزيز مسارات بديلة تمر عبر الهند والخليج. هذا التنافس المحموم جعل من الأراضي الإيرانية ساحة لتصفية الحسابات الكبرى وتشكيل نظام عالمي جديد يقوم على توازن القوى.
وعلى الصعيد الإقليمي، تراقب القوى المجاورة بحذر شديد مآلات الحرب المدمرة وتأثيرها على استقرار المنطقة ومستقبل النظام في إيران. ورغم الخلافات العميقة مع طهران، إلا أن دولاً مثل مصر ودول الخليج ترفض الانجرار إلى تحالفات عسكرية قد تجعل من إسرائيل القوة المهيمنة الوحيدة. هذا الموقف المتوازن يهدف لحماية المصالح الوطنية ومنع انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
إن صمود النخبة الحاكمة في وجه الضغوط العسكرية يعود أيضاً إلى العقيدة السياسية والمسيانية التي يتبناها القادة، والذين يسعون لتجنب مصائر الزعماء السابقين. ومع استمرار العمليات العسكرية، يبرز دور الميليشيات المتحالفة في العراق ولبنان واليمن كأدوات ضغط استراتيجية بيد إيران لتهديد المصالح الدولية. هذا الترابط العسكري يجعل من الصعب حسم المعركة عبر الوسائل الجوية فقط دون الدخول في حرب استنزاف طويلة.
في نهاية المطاف، يبقى التغيير الحقيقي في إيران رهناً بإرادة الشعوب الإيرانية ذاتها وقدرتها على بناء حراك وطني ديمقراطي شامل بعيداً عن التدخلات. وإذا خمدت أصوات المدافع دون سقوط النظام، فإن التحدي الأكبر سينتقل إلى الداخل حيث المطالب الشعبية بالعدالة وتوزيع الثروة. إن حلم الحكم الديمقراطي اللامركزي لا يزال يراود الإيرانيين منذ ثوراتهم الأولى، وهو المسار الوحيد لإنهاء دوامة العنف والحروب.
تطبيق نبض
