عاجل
الإثنين 16 مارس 2026 الموافق 27 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

شركات النفط ترامب: إنتاج أمريكا المحلي لن ينقذ العالم من كارثة إغلاق هرمز

ترامب
ترامب

 

​تشهد أروقة البيت الأبيض تحركات دبلوماسية واقتصادية مكثفة مع تصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، حيث سارعت شركات النفط الكبرى إلى إطلاق جرس الإنذار حول مستقبل أمن الطاقة العالمي. وتأتي هذه التحذيرات في وقت حساس للغاية، إذ يرى الخبراء أن أي اضطراب طويل الأمد في تدفق الإمدادات عبر الممرات المائية الحيوية سيؤدي حتماً إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي لن تقتصر آثارها على الولايات المتحدة بل ستمتد لتشمل دول القارة الأوروبية والآسيوية على حد سواء.

​وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" وصحيفة "وول ستريت جورنال"، فقد عقد رؤساء التنفيذيين في شركات "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"كونوكو فيليبس" سلسلة من الاجتماعات المغلقة مع كبار المسؤولين في إدارة ترمب لمناقشة تداعيات الحرب مع إيران. وأكد المشاركون في هذه الاجتماعات أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يمثل تهديداً وجودياً لاستقرار الأسعار، خاصة وأن هذا الممر يمثل الشريان الرئيسي لنحو خمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، وهو ما يجعل تعويضه أمراً مستحيلاً على المدى القريب.

تداعيات إغلاق مضيق هرمز على التوازنات الاقتصادية

​أوضح دارين وودز، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، أن القلق لا يتوقف فقط عند تراجع كميات الخام المتاحة، بل يمتد ليشمل سلوك المضاربين في الأسواق الدولية الذين قد يدفعون الأسعار لمستويات قياسية. ويرى وودز أن الفجوة بين العرض والطلب بدأت تضيق بشكل مرعب، مما قد يتسبب في نقص حاد في المنتجات المكررة مثل البنزين والديزل، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على حركة النقل والخدمات اللوجستية في مختلف قارات العالم دون استثناء.

​ومن جانبه، شدد مايك ويرث، رئيس شركة شيفرون، على أن الأسواق العالمية تعيش حالة من عدم اليقين التي لم تشهدها منذ عقود طويلة بسبب الاضطرابات الراهنة في الملاحة البحرية. وأشار ويرث إلى أن شركات النفط تجد صعوبة بالغة في التنبؤ بمسارات التجارة الآمنة، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤدي في نهاية المطاف إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الزيادات السعرية، وهو أمر قد يؤدي إلى ركود تضخمي يضرب القوى الشرائية في المجتمعات المتقدمة والنامية.

​تتزامن هذه التحذيرات مع قفزة فعلية في أسعار النفط الأميركي التي تجاوزت حاجز 99 دولاراً للبرميل في غضون أيام قليلة، وسط توقعات بوصولها إلى 120 دولاراً إذا استمرت الأزمة. ويرى ستيفن برويت، رئيس شركة "إليفيشن ريسورسز"، أن مثل هذه الأسعار المرتفعة لا تخدم مصلحة الاقتصاد العالمي، بل تسبب أضراراً هيكلية واسعة، حيث تخشى شركات النفط من أن يؤدي الغلاء الفاحش إلى تراجع الطلب العالمي على الوقود على المدى الطويل ودفع الدول للبحث عن بدائل قاسية.

خيارات الإدارة الأميركية لمواجهة نقص الإمدادات

​تحاول إدارة الرئيس دونالد ترمب جاهدة إيجاد مخارج سريعة للأزمة، حيث تدرس خيارات مثيرة للجدل مثل تخفيف العقوبات على النفط الروسي لضمان تدفق كميات إضافية للسوق الدولية. وتؤكد المصادر أن هذا التوجه يواجه معارضة أوروبية شديدة، إلا أن الضرورات الاقتصادية قد تفرض على واشنطن المضي قدماً في هذا المسار، خاصة مع إدراك شركات النفط أن المخزون الاستراتيجي الأميركي، مهما بلغ حجمه، لن يكون كافياً لسد العجز الناتج عن تعطل صادرات الخليج العربي.

​كما برز خيار العودة إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي كأحد الحلول المطروحة على طاولة البحث، رغم التاريخ الطويل من التوترات السياسية وعمليات التأميم السابقة التي طالت الأصول الأميركية. وتجري الإدارة الأميركية حالياً مشاورات فنية مع شركات النفط الكبرى لبحث إمكانية استئناف العمل هناك، في محاولة لتعويض النقص العالمي، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية تجاه كاراكاس، فرضته ضرورة حماية أمن الطاقة الوطني من الانهيار الوشيك.

​وفي سياق متصل، تبحث الحكومة الأميركية إجراء تعديلات قانونية تسمح بتسهيل نقل النفط بين الموانئ المحلية، وتجاوز بعض القيود التاريخية التي كانت تحد من مرونة الحركة التجارية الداخلية. ومع ذلك، يظل الخبراء في شركات النفط متشككين في قدرة هذه الإجراءات "الترقيعية" على مواجهة أزمة بحجم فقدان 10 ملايين برميل يومياً، وهي الكمية التي تقدر المصادر أنها أصبحت عالقة خلف مضيق هرمز نتيجة التوترات العسكرية والتهديدات الأمنية المستمرة للملاحة.

مستقبل الطاقة العالمي في ظل الصراعات الجيوسياسية

​يشير الواقع الميداني إلى أن الضغوط المسلطة على سوق الطاقة لن تنتهي قريباً، خاصة مع استمرار حالة الشد والجذب بين واشنطن وطهران في الممرات المائية الحيوية. ويرى محللون أن شركات النفط أصبحت الآن في وضع لا تحسد عليه، حيث توازن بين رغبتها في تحقيق أرباح من ارتفاع الأسعار وبين خوفها من انهيار الطلب العالمي، وهو توازن دقيق يتطلب تدخلاً سياسياً حازماً لإعادة فتح المضيق وضمان حرية التجارة الدولية دون عوائق عسكرية.

​إن الاعتماد على زيادة الإنتاج المحلي في الولايات المتحدة، رغم كونه خياراً استراتيجياً، يواجه تحديات تقنية ولوجستية تجعل من الصعب الاستجابة الفورية للاحتياجات العالمية المتزايدة في وقت الأزمات. وتؤكد شركات النفط أن الاستثمارات في قطاع التنقيب والإنتاج تتطلب استقراراً تشريعياً وأمنياً طويلاً، وهو ما يفتقده العالم حالياً، مما يجعل الأسواق عرضة لهزات عنيفة ومفاجئة قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة إذا ما اتسعت رقعة المواجهة العسكرية في المنطقة.

​ختاماً، يبقى مصير الاقتصاد العالمي معلقاً بمدى قدرة القوى الدولية على تأمين ممرات الملاحة وإبعاد شبح الحرب عن منشآت الطاقة الحيوية التي تغذي الصناعة والحياة المعاصرة. وتظل شركات النفط هي المراقب الأكثر دقة للنبض العالمي، حيث تعكس تحذيراتها الأخيرة حجم الخطر الذي يحيق بالنظام الاقتصادي الدولي، في ظل صراع تتداخل فيه المصالح القومية مع أمن الطاقة، مما يضع إدارة ترمب أمام اختبار حقيقي لإدارة أزمة قد تغير وجه العالم لسنوات طويلة.

تابع موقع تحيا مصر علي