خداع «المسيرات» والأقنعة الدبلوماسية: كيف تنصلت إيران من دماء المدنيين في الخليج؟
تشهد المنطقة تصعيداً خطيراً تتبنى فيه إيران استراتيجية عسكرية مزدوجة تجمع بين القصف الميداني والإنكار الدبلوماسي، حيث تسببت الهجمات الأخيرة في سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منشآت اقتصادية حيوية في دول الخليج. وتكشف الوقائع على الأرض زيف الادعاءات التي تحاول تصوير العمليات العدائية كضربات موجهة فقط للقواعد الأجنبية، بينما تشير التقارير الميدانية إلى أن النيران الإيرانية طاولت المطارات الدولية والمناطق المأهولة بالسكان، مما يضع النظام أمام مأزق أخلاقي وقانوني دولي.
حسب تقرير لصحيفة "اندبندنت عربية" والمستند إلى بيانات مراكز أبحاث عالمية، فإن التصريحات الرسمية الإيرانية تعيش حالة من التضاد الصارخ الذي يربك المشهد السياسي. ففي الوقت الذي يتباهى فيه قادة الحرس الثوري بدقة ضرباتهم وقدرتهم على الوصول إلى عمق الدول المجاورة، يخرج وزير الخارجية عباس عراقجي ليزعم أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من ينفذان هذه الهجمات باستخدام مسيرات مشابهة للطائرات الإيرانية بغرض إلصاق التهمة بطهران.
إن هذه المحاولات الإيرانية للتنصل من المسؤولية تفتقر إلى الحد الأدنى من الواقعية، خاصة حين يقر عراقجي نفسه في ذات المقابلة بأن استهداف فروع بنكية مدنية في دبي والمنامة كان رداً انتقامياً. هذا التذبذب في الرواية يعكس محاولة فاشلة لتهدئة الغضب الخليجي المتصاعد، بينما تستمر الآلة العسكرية في إطلاق أسراب المسيرات والصواريخ الباليستية نحو أهداف اقتصادية استراتيجية لزعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية وفرض كلفة اقتصادية باهظة.
الحرس الثوري واستهداف الممرات الملاحية واقتصادات الطاقة
تؤكد بيانات مشروع "ACLED" لرصد النزاعات أن الهجمات التي شنتها إيران لم تكن عشوائية، بل ركزت بشكل ممنهج على البنية التحتية للطاقة والشحن البحري منذ بداية شهر مارس الجاري. وقد سجلت المنظمة ما لا يقل عن 25 هجوماً استهدف السفن في مضيق هرمز، مما أدى لتقليص حركة العبور اليومي بنسبة 90 في المئة، وهو ما يكذب الادعاءات الإيرانية حول حماية أمن الملاحة الإقليمي.
وتشير التقارير الفنية إلى أن أسراب الطائرات المسيرة استهدفت حقل الشيبة النفطي ومصافي تكرير في الكويت وعمان والإمارات بشكل متكرر لتعطيل تدفقات النفط. هذه العمليات تهدف بوضوح إلى الضغط على القوى الدولية عبر استهداف أمن الطاقة العالمي، وهو ما يثبت أن إيران تستخدم التصعيد العسكري كأداة للمساومة السياسية، ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق الدولية التي تحيد المنشآت الاقتصادية المدنية عن النزاعات المسلحة المباشرة.
ويرى معهد دراسات الحرب أن طهران أطلقت آلاف المسيرات في محاولة لخلق شرخ بين دول الخليج وحلفائها الدوليين عبر تحميل واشنطن مسؤولية التوتر الأمني. إلا أن رصد الرادارات وتتبع مسارات الصواريخ يثبت تورط إيران المباشر في هذه الاعتداءات، مما يجعل الرواية الدبلوماسية التي يروجها السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة حول "العمليات المنسوبة" مجرد محاولة يائسة لتجنب الملاحقة القانونية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب.
الضحايا المدنيون وانتهاكات القانون الدولي الإنساني في المدن الخليجية
تجاوزت الاعتداءات حدود المواقع العسكرية لتطاول قلب الأحياء السكنية، حيث وثقت تقارير مقتل 17 شخصاً في هجمات طالت المنامة والكويت والشارقة وأبوظبي ومناطق أخرى. هذه الأرقام المفزعة تضع إيران في مواجهة مباشرة مع المنظمات الحقوقية، حيث أكدت منظمة العفو الدولية أن استهداف البنية التحتية والمطارات المدنية مثل مطار دبي والكويت يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر توجيه الضربات للمدنيين.
ولم تقتصر الأضرار على الخسائر البشرية، بل امتدت لتشمل تدمير مرافق حيوية مثل محطات تحلية المياه ومراكز البيانات الكبرى وموانئ الشحن التجارية كجبل علي. إن استمرار إيران في توجيه صواريخها نحو هذه الأهداف يعكس رغبة في شل الحياة العامة في المنطقة، وهو ما يتناقض مع تصريحات مسؤوليها الذين يزعمون أنهم لا يهاجمون سوى أهداف عسكرية، بينما الواقع يثبت سقوط الحطام فوق رؤوس الأبرياء.
وتحذر هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي بمنظمة العفو، من أن استهداف منشآت الوقود والكهرباء يؤدي إلى كوارث بيئية وصحية طويلة الأمد تهدد ملايين السكان. ومع استمرار سقوط الضحايا من جنسيات مختلفة، يتضح أن المغامرة العسكرية التي تقودها إيران لا تفرق بين هدف عسكري ومدني، مما يستوجب تحركاً دولياً حازماً لوقف هذه الهجمات التي باتت تهدد السلم والأمن الإقليميين بشكل غير مسبوق.
التداعيات الاستراتيجية للهجمات الصاروخية على مستقبل الأمن الإقليمي
يمثل استهداف السفارات والبعثات الدبلوماسية والمطارات الدولية تحولاً خطيراً في قواعد الاشتباك، حيث تسعى طهران لفرض واقع أمني جديد يمنحها اليد العليا في المنطقة. ورغم نجاح الدفاعات الجوية الخليجية في اعتراض النسبة الأكبر من التهديدات، إلا أن كثافة الهجمات التي تجاوزت 2000 اعتداء تهدف لاستنزاف القدرات الدفاعية وزرع الرعب في نفوس المدنيين والمستثمرين الأجانب، مما يؤثر على الجاذبية السياحية والاقتصادية لتلك الدول.
إن السردية الإيرانية التي تدعي أن المواقع المدنية تصبح أهدافاً مشروعة إذا استخدمت لأغراض عسكرية هي "شيك على بياض" لشرعنة قصف أي مرفق مدني دون أدلة. هذا المنطق الالتفافي يثبت أن إيران لا تحترم السيادة الوطنية لجيرانها، وتعتبر أراضيهم ساحة لتصفية حساباتها مع القوى الكبرى، وهو ما يعمق العزلة السياسية لطهران ويزيد من احتمالات الانفجار الشامل الذي قد يخرج عن نطاق السيطرة التقليدية.
في الختام، يظهر بوضوح أن الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي الإيراني والواقع الميداني قد وصلت إلى مرحلة من الاستعصاء الذي لم يعد ينطلي على المجتمع الدولي. فالحقائق الموثقة بالصور والبيانات تثبت أن إيران هي المحرك الأساسي لزعزعة استقرار الخليج، وأن إنكارها للمسؤولية ليس سوى تكتيك زمني لا يغير من حقيقة أن دماء المدنيين ومنشآت الدول الآمنة باتت وقوداً لطموحات إقليمية مدمرة.
تطبيق نبض
