عاجل
الأربعاء 18 مارس 2026 الموافق 29 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

خطوط بديلة.. السعودية تنقذ أسواق الطاقة من فخ «هرمز»

النفط السعودي
النفط السعودي

​تواصل السعودية تأكيد دورها المحوري والموثوق في تأمين إمدادات الطاقة العالمية وسط التوترات الجيوسياسية المتصاعدة. وتعتمد الرياض على بنية تحتية لوجستية بالغة التعقيد والمرونة تضمن استمرار التدفقات النفطية إلى الأسواق. وتمثل هذه الجاهزية صمام أمان يحمي الاقتصاد العالمي من تقلبات الأسعار الحادة، ويبرز الرؤية الإستراتيجية للمملكة في تنويع مسارات التصدير وحماية شرايين التجارة.

​حسب تقرير لـ اندبندنت عربية، فإن قدرة الرياض على تحويل مسارات التصدير بين المنافذ المختلفة تسهم بفعالية في تقليص حالة عدم اليقين السائدة. وتعمل هذه البنية التحتية البديلة على تجاوز اختناقات مضيق هرمز الذي يواجه تهديدات مستمرة. ويمنح هذا التنوع الجغرافي قدرة تشغيلية مرنة للحفاظ على استقرار الأسواق حتى في ظل أشد الأزمات الإقليمية تعقيدا.

​وتكتسب هذه الخطوات أهمية مضاعفة مع تزايد المخاوف من تعطل الملاحة في الممرات البحرية الحساسة. ويعتبر مضيق هرمز نقطة عبور حيوية لنحو عشرين مليون برميل من النفط يوميا، ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي. لذلك، فإن أي تهديد لهذا الممر المائي ينعكس فورا على تكاليف الشحن والتأمين، ويضع إمدادات الطاقة العالمية أمام تحديات غير مسبوقة.

​ومن هنا، تتجلى الرؤية الاستباقية في بناء وتطوير منشآت قادرة على استيعاب الصدمات الجيوسياسية المفاجئة. ولا يقتصر الهدف على إيجاد طرق بديلة فحسب، بل يشمل أيضا تعزيز قدرة المنظومة بأكملها على الاستجابة اللحظية للمتغيرات. وتتحول هذه القدرة على إعادة توجيه ملايين البراميل نحو منافذ آمنة إلى عامل حاسم في منع حدوث نقص حاد في الإمدادات.

مرونة إستراتيجية تتجاوز اختناقات المضيق

​يعتبر خط أنابيب الشرق والغرب، المعروف باسم بترولاين، الركيزة الأساسية في هذه المنظومة الدفاعية النفطية. وقد صمم هذا الخط الضخم خصيصا لتوفير مسار آمن بعيدا عن التوترات المعتادة في منطقة الخليج العربي. ويسمح هذا الجسر البري بضخ كميات هائلة من النفط الخام عبر الأراضي الصحراوية الشاسعة، وصولا إلى مياه البحر الأحمر الهادئة والآمنة ملاحيا.

​ولا تقتصر أهمية هذه المرونة اللوجستية على الجانب المادي المتمثل في تعويض الكميات المفقودة من الإمدادات. بل تمتد أبعادها لتشمل تأثيرا نفسيا عميقا يهدئ من روع الأسواق المالية والنفطية ويمنع المضاربات السعرية الحادة. فالأسواق تتفاعل بشكل إيجابي بمجرد التأكد من وجود مسارات بديلة قادرة على ضمان استمرار وصول الطاقة إلى المستهلكين الصناعيين حول العالم.

​وتشير البيانات الرسمية والمتابعات الميدانية إلى أن الطاقة الاستيعابية لهذا الخط العملاق تبلغ نحو خمسة ملايين برميل يوميا. وفي حالات الطوارئ القصوى، يمكن رفع هذه القدرة التشغيلية لتصل إلى سبعة ملايين برميل يوميا من خلال إجراءات تقنية محددة. ويمثل هذا الحجم الكبير نسبة مؤثرة جدا قادرة على تغطية جزء جوهري من الطلب العالمي الملح.

​وعلى الرغم من أن هذا الخط قد لا يعوض كامل السعة الضخمة التي تمر عبر مضيق هرمز، إلا أنه يكسر حدة الاحتكار الجغرافي للمضيق. وتبرز أهمية هذه الخطوة في منح الدول الكبرى والشركات الصناعية طمأنينة ضرورية لاستمرار عجلة الإنتاج. فوجود منفذ بديل بهذا الحجم يشكل درعا واقيا ضد سياسات الابتزاز الإقليمية التي تستهدف الممرات المائية.

​ويمثل التوسع في استخدام مسارات البحر الأحمر خطوة متقدمة نحو إعادة تشكيل خريطة تجارة الطاقة العالمية بشكل تدريجي. وتبرز السعودية في هذا السياق كلاعب رئيس لا يكتفي بإدارة الأزمات، بل يصنع حلولا مستدامة لحماية استقرار الاقتصاد العالمي. ويعزز هذا التوجه من مكانة الموانئ الغربية للمملكة لتصبح نقاط جذب رئيسية لناقلات النفط العملاقة من مختلف القارات.

شريان النفط من بقيق إلى ساحل ينبع

​تبدأ رحلة الذهب الأسود في هذا المسار الاستثنائي من حقول المنطقة الشرقية، وتحديدا من منشآت بقيق العملاقة لمعالجة النفط. ومن هناك، تدفع محطات ضخ قوية ومتطورة ملايين البراميل لتقطع مسافة تقارب ألف ومئتين كيلومتر عبر شبه الجزيرة العربية. وتمثل هذه الرحلة البرية انتصارا هندسيا ولوجستيا يتحدى العوائق الجغرافية ويوفر بديلا آمنا وموثوقا للتصدير الخارجي.

​وتنتهي هذه الرحلة الملحمية في مدينة ينبع الصناعية الواقعة على الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر. وقد تحولت هذه المدينة بفضل الاستثمارات الضخمة إلى مركز تصدير عالمي متكامل يضم شبكات تخزين هائلة ومرافق شحن متطورة. وتستطيع هذه المرافق استقبال أضخم ناقلات النفط في العالم وتعبئتها في وقت قياسي، مما يضمن كفاءة سلسلة التوريد دون تأخير.

​وأكد المختص في إستراتيجيات الطاقة نايف الدندني أن نجاح السعودية في إعادة توجيه صادراتها النفطية إلى موانئ البحر الأحمر يعكس مرونة استثنائية. وأوضح أن هذه العملية المعقدة تتم بسلاسة فائقة ودون التأثير على المعدلات الإجمالية للطاقة الإنتاجية. وتستند هذه الكفاءة إلى منظومة متكاملة وشاملة تغطي كافة مراحل الإنتاج والتصدير والتخزين وتعمل بتناغم تام.

​وأشار الدندني إلى حقيقة بالغة الأهمية تتعلق بقدرة المملكة على الاستمرار في التصدير بالمعدلات الطبيعية لأكثر من شهرين متتاليين. وتعتمد هذه القدرة على شبكة مستودعات ضخمة توفر مخزونا إستراتيجيا يمكن سحبه لتغطية أي نقص طارئ. ويمثل هذا الاحتياطي اللوجستي قوة ضاربة تمنع حدوث أزمات انقطاع مفاجئ وتضمن وفاء الدولة بالتزاماتها تجاه عملائها الدوليين بشفافية.

​ولم تقتصر الاستثمارات السيادية على إنشاء أنبوب نقل النفط فحسب، بل شملت خطة تطوير شاملة للبنية التحتية البحرية. فقد جرى تطوير تسعة موانئ على طول ساحل البحر الأحمر، تم تجهيزها للعمل بأعلى مستويات الكفاءة والجاهزية التقنية. وتحولت هذه الموانئ المتطورة إلى شريان حياة حقيقي، خاصة في اللحظات الحرجة التي تشهد تعطلا في حركة الملاحة الشرقية.

طاقة إنتاجية فائضة وتوازن للأسواق العالمية

​إلى جانب البنية التحتية الجبارة، تمتلك البلاد ميزة تنافسية نادرة تتمثل في الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تحتفظ بها عن قصد. وتقدر وكالة الطاقة الدولية حجم هذه الطاقة المعطلة استراتيجيا بما يراوح بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يوميا. وتستخدم هذه السعة الاحتياطية كأداة للتدخل السريع لضبط الأسواق وتعويض أي نقص ناتج عن كوارث طبيعية أو نزاعات مسلحة.

​ويشكل وجود هذا الفائض الإنتاجي الجاهز للاستخدام الفوري صمام أمان تتكئ عليه الدول الصناعية الكبرى لتأمين احتياجاتها. وفي الوقت الذي تكافح فيه دول أخرى للحفاظ على مستويات إنتاجها، تستطيع منشآت السعودية رفع إمداداتها خلال أيام معدودة. وتتكامل هذه القدرة الإنتاجية مع مرونة خطوط الأنابيب لتشكل جدار حماية مزدوج ضد صدمات نقص الإمدادات العالمية المدمرة.

​وتحدث مستشار الطاقة في شركة هاوك إنرجي خالد العوضي عن الدور المحوري الذي تلعبه البلاد في استقرار الأسواق العالمية. وأوضح أن فلسفة الإدارة النفطية في السعودية تعطي الأولوية المطلقة لتحقيق التوازن الاقتصادي العالمي على حساب تعظيم الإيرادات المالية المؤقتة. وتبرهن هذه السياسة الرصينة على مستوى عال من المسؤولية الدولية تجاه استدامة النمو الاقتصادي وتجنب الركود.

​وأكد العوضي أن مساعي تنويع مسارات التصدير بعيدا عن مناطق النزاع تمثل الإستراتيجية الأنجع لضمان أمن الطاقة. وأشار إلى أن الاعتماد على البحر الأحمر يمنح الدول المنتجة مساحة مناورة واسعة لحماية مصالحها ومصالح شركائها التجاريين. وتحد هذه الخطوات الاستباقية من قدرة أي جهة أو أزمة طارئة على التحكم في شريان الطاقة الذي يغذي المصانع العالمية.

​وتوقع المحللون أن تشهد المرحلة القادمة توجها مكثفا نحو توسيع شبكات الربط الإقليمية وبناء بدائل أكثر استدامة. وتشمل هذه الخطط إحياء مسارات تصدير تاريخية وتطوير خطوط أنابيب جديدة عابرة للحدود لتشكيل شبكة معقدة ومترابطة يصعب تعطيلها. وتصب جميع هذه الجهود في هدف واحد يتمثل في حماية الاقتصاد الدولي والحد من التذبذبات السعرية المرهقة للمستهلكين.

تأثيرات تتجاوز النفط الخام نحو البتروكيماويات

​وفي زاوية أخرى من المشهد، تناول الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات الإستراتيجية طارق الرفاعي الأهمية الحقيقية لخط الأنابيب البديل. وأكد أن القدرة التعويضية لهذا المنفذ، وإن كانت لا تغطي كامل تدفقات المضيق الشرقي، إلا أنها تظل بالغة الأهمية والتأثير. وتكمن قيمة هذه الإمدادات في ضمان حد أدنى ومستمر من تدفقات الطاقة التي تمنع الانهيار الشامل لأسواق الإمداد.

​وشدد الرفاعي على أن البعد النفسي لامتلاك بنية تحتية مقاومة للأزمات يتساوى في أهميته مع البعد المادي والتجاري. فالأسواق المذعورة تحتاج إلى رسائل طمأنة عملية تثبت أن هناك إمدادات آمنة تتدفق بعيدا عن مسارح الصراع والتوتر. وتبرز أهمية المسارات الغربية في كونها رادعا اقتصاديا يقلل من نجاعة التهديدات الموجهة ضد حرية الملاحة الدولية في المضايق.

​من جهته، حذر المتخصص في قطاع النفط والغاز محمد المبيضين من تبسيط الأزمة وحصرها في نطاق النفط الخام وحده. وأشار إلى أن تقديرات نقص الإمدادات غالبا ما تتجاهل حزمة واسعة من المنتجات الحيوية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالإنتاج النفطي. وأوضح أن التأثير الحقيقي لتعطل الممرات يشمل مشتقات أساسية تعتبر العمود الفقري لعدد كبير من الصناعات التحويلية الثقيلة.

​وكشف المبيضين أن إجمالي الإمدادات المرتبطة بالممرات الحيوية يصل إلى نحو ثلاثين مليون برميل يوميا من حيث المعادل النفطي. وتتضمن هذه الكميات الهائلة منتجات بالغة الأهمية مثل البتروكيماويات والغاز الطبيعي المسال والأسمدة الزراعية وغاز الطبخ المنزلي. وتتطلب هذه الحزمة المتنوعة من المنتجات حلولا لوجستية استثنائية وبنية تحتية متخصصة تضمن وصولها إلى الأسواق في الوقت المناسب للاستهلاك.

​وفي الختام، يبرز التحدي الأكبر في ضرورة ابتكار حلول مستدامة تتجاوز مجرد الاعتماد على خطوط الأنابيب التقليدية للنفط الخام. وباتت المرحلة الحالية تستوجب استثمارات ضخمة لإنشاء مسارات بديلة قادرة على نقل كافات مشتقات الطاقة وأنواع الغاز بأمان كامل. ويمثل هذا التوجه الإستراتيجي الضمانة الحقيقية الوحيدة لاستمرارية تدفق الطاقة وتجنيب الاقتصاد العالمي ويلات نقص الإمدادات وتضخم الأسعار المفرط.

 

تابع موقع تحيا مصر علي