تصعيد شامل يضرب غزة ولبنان.. اغتيالات تطال قادة القسام وتدمير يطوق بيروت
تشهد الساحة الميدانية في الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً غير مسبوق ومتسارعاً، حيث تتقاطع نيران المعارك الطاحنة بين قطاع غزة والساحة اللبنانية المشتعلة في آن واحد وبشراسة ملحوظة. وتبرز في المشهد دموية الهجمات الإسرائيلية التي اتخذت طابعاً اغتيالياً مكثفاً لليوم الرابع على التوالي، مستهدفة قيادات عسكرية ميدانية بارزة من كتائب القسام في مناطق متفرقة بشمال وجنوب القطاع المحاصر بالكامل.
حسب تقرير لـ صحيفة الشرق الأوسط، استخدم الجيش الإسرائيلي طائرة مسيرة انتحارية متطورة لمهاجمة خيمة مأهولة للنازحين في منطقة مواصي خان يونس المستهدفة بقوة. وأدى هذا الانفجار العنيف والمفاجئ إلى مقتل محمد أبو شهلا، الذي يُعد من أبرز القادة الميدانيين ضمن لواء محافظة خان يونس، وهو من تولى مهام قيادة الاستخبارات العسكرية الخاصة بهذا اللواء لفترات طويلة.
يُصنف أبو شهلا استراتيجياً بأنه الرجل الثالث على مستوى المنطقة الشرقية في خان يونس، ويحظى بمكانة بارزة ومؤثرة داخل كتائب القسام بفضل خبراته الواسعة عسكرياً وأمنياً. وقد أسفر الهجوم الغادر الذي استهدفه عن إصابة عدد من المواطنين الأبرياء بجروح متفاوتة الخطورة، مما يعكس نهجاً إسرائيلياً دموياً في استهداف القادة بغض النظر عن محيطهم المدني المكتظ بالنازحين الباحثين عن ملاذ.
وقبل يوم واحد من هذه الحادثة الأليمة، استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية أخرى سيارة القيادي البارز يحيى أبو لبدة بطريقة دقيقة ومباشرة. وكان أبو لبدة يتولى مسؤولية الإمداد والدعم اللوجيستي في لواء خان يونس، وتسبب الهجوم الصاروخي في مقتله على الفور مع شخصين آخرين كانا برفقته في محيط موقع الغارة المباغتة جنوبي قطاع غزة، وسط ذهول المواطنين العزل المارين.
عمل أبو لبدة إلى جانب نشاطه العسكري والتنظيمي كعنصر فاعل ونشط في المجال الإنساني والاجتماعي، حيث أشرف بحرص على مشاريع إغاثية لإيواء آلاف النازحين. وتلقى تبرعات مالية من الخارج لدعم هذه المشاريع الحيوية، وهو عامل أساسي ربما دفع السلطات الإسرائيلية إلى التعجيل بعملية استهدافه المباشر لقطع طرق الدعم اللوجستي والمجتمعي في ظل الظروف الإنسانية الكارثية والمتردية في القطاع.
وفي سياق متصل بتصفية القيادات، طالت الغارات الإسرائيلية العنيفة القيادي يونس عليان، الذي كان يشغل موقعاً مهماً في لواء الشمال التابع لكتائب القسام. وقد شنّت طائرة مسيرة هجوماً صاروخياً دقيقاً باتجاهه بشكل مباشر ومباغت يوم الاثنين الماضي، مما أدى إلى مقتله فوراً، وفقاً لتأكيدات الجيش الإسرائيلي الذي اعتبره مسؤولاً مباشراً عن القوة البحرية التابعة للحركة في منطقة شمال غزة.
كان عليان مسؤولاً بارزاً عن مهمة إعادة تنظيم الهيكلية التنظيمية للقوة العسكرية في مناطق غرب جباليا، وتولى مهام حساسة طوال فترة الحرب الطاحنة وما قبلها. ويأتي اغتياله المبرمج كجزء من قائمة طويلة تضم سبعة قادة ميدانيين ونواب قادة تم تصفيتهم خلال أسبوعين فقط، بينهم عناصر مجتمعية من جهاز الشرطة تعرضوا للقصف المميت والمفاجئ في منطقة الزوايدة المكتظة وسط القطاع.
تداعيات إقليمية ومحاولات اغتيال داخلية
لم تتوقف سلسلة الاغتيالات الممنهجة عند حدود قطاع غزة المحاصر، بل امتدت بقسوة لتشمل اثنين من النشطاء الفلسطينيين في لبنان، أحدهما مسؤول مالي والآخر قيادي في المخيمات. وترافق ذلك بشكل مريب مع محاولة اغتيال ناشط آخر في القسام في حي الزيتون بغزة على يد مسلحين يُعتقد أنهم مدعومون إسرائيلياً، حيث أُطلق عليه الرصاص الجبان باستخدام سلاح كاتم للصوت.
كشفت مصادر مطلعة ورفيعة أن هؤلاء المسلحين التابعين للعصابات تلقوا تدريبات عسكرية متقدمة ومكثفة في مواقع تابعة للجيش الإسرائيلي، وباتوا يمتلكون أسلحة حديثة وطائرات درون هجومية متطورة للغاية. وتُستخدم هذه المجموعات التخريبية لاستهداف عناصر المقاومة داخلياً، في خرق واضح وصارخ يضاف إلى أكثر من ألفي انتهاك إسرائيلي موثق لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم إبرامه في العاشر من أكتوبر الماضي.
تسببت هذه الخروقات العسكرية المستمرة والمنظمة في مقتل مئات الأشخاص المدنيين، بينهم نسبة كبيرة جداً من الأطفال والنساء الأبرياء، وإصابة الآلاف بجروح وإعاقات مختلفة. وبموازاة هذا المشهد الدموي المتصاعد في غزة، تشهد الساحة اللبنانية انهياراً أمنياً خطيراً مع توسع دائرة الاستهداف الإسرائيلي الشرس، مما أدى إلى موجة نزوح جماعية للسوريين العائدين إلى بلادهم فراراً من جحيم الغارات الجوية.
أشارت المنظمة الدولية للهجرة في تقاريرها إلى عودة نحو مائة وعشرين ألف لاجئ سوري من لبنان إلى بلدهم الأم منذ اندلاع شرارة الحرب الأخيرة والمدمرة. وبدأت هذه الأزمة الإنسانية تتفاقم سريعاً بعد تمدد الصراع الإقليمي وتصاعد وتيرة القصف الإسرائيلي الشامل الذي بدأ بضربات جوية واسعة النطاق، تلاها توغل بري خطير يهدد بابتلاع واستقرار مناطق واسعة جداً في الجنوب اللبناني.
عزل جنوب لبنان واستهداف الجسور
بدأ الجيش الإسرائيلي المتوغل في تنفيذ استراتيجية عسكرية خطيرة ومحكمة تهدف إلى عزل منطقة جنوب نهر الليطاني بالكامل جغرافياً وأمنياً عن شماله. ولتحقيق هذه الغاية التدميرية، ركزت القوات الجوية الإسرائيلية غاراتها المكثفة على تدمير الجسور الرئيسية الحيوية والطرق الممتدة على نهر الليطاني شمال مدينة صور الساحلية، في محاولة يائسة لقطع خطوط الإمداد الاستراتيجية ومنع نقل الأسلحة والمقاتلين إلى الجبهات.
وجه المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي إنذارات صارمة ومفاجئة للسكان المدنيين بضرورة إخلاء مناطقهم فوراً والانتقال قسراً إلى شمال نهر الزهراني. وأعقب ذلك بوقت قصير قصف جوي عنيف طال العبارات الاحتياطية وجسور القاسمية الحيوية، مما تسبب في قطع الطريق الساحلية بالكامل ودفع الجيش اللبناني إلى تحويل مسار السير سريعاً حفاظاً على أرواح المواطنين العزل وسط استمرار العمليات العسكرية الميدانية.
ترافقت هذه الهجمات التدميرية الشاملة مع محاولات توغل بري إسرائيلية مستمرة في محور الخيام الاستراتيجي، حيث سُجل تحرك دبابات من مرتفعات كفرشوبا الوعرة. وتدور اشتباكات عنيفة ودامية في بلدة الطيبة ومحيطها، حيث تواجه القوات الإسرائيلية الغازية مقاومة شرسة بصواريخ موجهة تستهدف تجمعاتها، مما يعيق تقدمها الحثيث نحو النقاط الاستراتيجية الحساسة المطلة مباشرة على مجرى نهر الليطاني.
اتسعت رقعة القصف المدفعي الإسرائيلي العنيف لتشمل بلدات وقرى متعددة في الضفة الغربية لسهل الخيام، بهدف تأمين وحماية القوات البرية المتوغلة. ولم تسلم قوات حفظ السلام الدولية التابعة لليونيفيل من هذا التصعيد الأعمى، حيث أقر الجيش الإسرائيلي علناً بإصابة موقع تابع للكتيبة الغانية بنيران دباباته المباشرة، مما يعكس بوضوح حجم المخاطر الحقيقية المحيطة بالقوات الأممية العاملة في جنوب لبنان.
توسيع بنك الأهداف نحو بيروت
دخلت العاصمة اللبنانية بيروت النابضة بالحياة مرحلة جديدة وقاسية من التصعيد العسكري بعد تعرضها لسلسلة غارات إسرائيلية متتالية وعنيفة استهدفت مباني ومناطق سكنية آمنة. وشملت الضربات الجوية أحياء متفرقة ومكتظة مثل الباشورة وزقاق البلاط والبسطة، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى المدنيين، وأكد بما لا يدع مجالاً للشك سقوط ما كان يُعرف بالاستثناء البيروتي من دائرة العمليات العسكرية.
يعكس هذا الاستهداف العشوائي والمتكرر للمناطق السكنية الآمنة توجهاً إسرائيلياً خطيراً نحو توسيع نطاق الضغط العسكري وتكريس معادلة حرب مفتوحة لا تستثني أي موقع سيادي. ويرى مراقبون سياسيون أن الهدف الحقيقي يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى محاولة خبيثة لخلق توترات داخلية حادة وتعميق الانقسامات الاجتماعية في لبنان، خاصة في العاصمة التي تحتضن وتأوي أعداداً هائلة من النازحين الباحثين عن الأمان.
باتت مدينة بيروت تتحمل بمفردها عبئاً كبيراً ومضاعفاً في ظل هذا المشهد الميداني المعقد، حيث تُستخدم كأداة ضغط استراتيجي قاسي لضرب تماسك الجبهة في الداخل اللبناني. وتؤكد هذه التطورات المتسارعة أن إسرائيل تعتمد وتنفذ سياسة عسكرية عمياء لا تخضع لأي اعتبارات جغرافية أو إنسانية، وتستمر في استغلال تفوقها الجوي الساحق لتنفيذ ضربات دقيقة تعطل الحياة وتزيد من مأساة المدنيين المستضعفين.
في ظل هذا المشهد القاتم والمعقد، تستمر فصائل المقاومة وفي طليعتها كتائب القسام في محاولات التصدي للتوغلات البرية والضربات الجوية بأساليب تكتيكية مبتكرة، رغم الاختلال الواضح في موازين القوى. وتبقى الأيام المقبلة حبلى بمزيد من التطورات الدراماتيكية التي قد تعيد رسم الخارطة السياسية والأمنية للمنطقة بأسرها، وسط صمت دولي مخيف يعجز عن لجم آلة الحرب المدمرة وإرساء قواعد السلام المفقود.
تطبيق نبض
