عاجل
الخميس 19 مارس 2026 الموافق 30 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

من القواعد العسكرية إلى أنابيب النفط.. خريطة الطريق الجديدة لإسقاط النظام في إيران

حقول النفط
حقول النفط

​تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً في طبيعة المواجهة العسكرية التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، حيث انتقلت العمليات من استهداف المنصات الصاروخية إلى ضرب الشرايين الحيوية للاقتصاد. ولم يعد الهدف المعلن مقتصرًا على شل القدرات النووية، بل امتد ليشمل محاولة تقويض قدرة الدولة على الاستمرار من خلال تدمير منشآت الغاز والنفط، مما يضع المنطقة أمام أزمة إقليمية ودولية مفتوحة على كافة الاحتمالات.

​حسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالات أنباء عالمية، فإن استهداف حقل بارس الجنوبي في إيران وما تبعه من رد إيراني على مرافق طاقة في دول الجوار مثل قطر، نقل الصراع إلى مرحلة حافة الهاوية. وقد أدى هذا التصعيد المتبادل إلى قفز أسعار خام برنت لتتخطى حاجز 118 دولاراً للبرميل، وسط مخاوف حقيقية من تعطل سلاسل إمدادات الطاقة العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز الإستراتيجي والحساس.

​إن التحول الجوهري في هذه المرحلة لا يكمن فقط في اتساع رقعة الأهداف الجغرافية، بل في طبيعة الأهداف النوعية المختارة بعناية داخل أراضي إيران. فحينما تتركز الضربات الجوية على قطاع الطاقة، فإن القصد يتجاوز تقليص القوة العسكرية المباشرة ليصل إلى ضرب الاستقرار الاجتماعي والخدمي. ويعتبر قطاع الطاقة في الداخل الإيراني هو المحرك الأساسي لتوليد الكهرباء وتأمين الوقود للصناعات الوطنية المنهكة بالأزمات المتلاحقة.

​تعتمد الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية الجديدة على فكرة "خلخلة النظام" عبر تجفيف منابع تمويله وتدمير البنية التحتية التي تمنحه القدرة على إدارة الدولة داخلياً. ويتزامن هذا الضغط الاقتصادي العنيف مع استمرار عمليات تصفية القيادات الأمنية والعسكرية الرفيعة، مما يوحي برغبة حقيقية في تفكيك بنية الحكم الأمنية تدريجياً. ومع ذلك، تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن النظام لا يزال يبدي تماسكاً ملحوظاً رغم الضربات القاسية.

تفكيك النظام وبناء مسارات الضغط القصوى

​يرى خبراء في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن واشنطن وتل أبيب تمضيان قدماً في حملة جوية لا تهدف للتفاوض، بل لتفكيك النظام في إيران بشكل جذري. ويبدو أن المسار الحالي يتجه نحو استنزاف عميق للبنية التي يقوم عليها الحكم، بعيداً عن منطق الصفقات السياسية السريعة. ويعكس هذا التوجه قناعة لدى صناع القرار بأن الضغط العسكري هو السبيل الوحيد لتغيير ميزان القوى.

​لا يبدو أن هناك رغبة حقيقية في فتح قنوات اتصال دبلوماسية في ظل اشتعال الجبهات واغتيال القادة الميدانيين والسياسيين في طهران. وتؤكد الوقائع الميدانية أن أي حديث عن اتصالات سرية لا يعدو كونه محاولة لجس النبض، بينما تظل المعركة الأساسية تدار بمنطق التصعيد التصاعدي. وتكمن الخطورة الكبرى في أن الحرب كلما توغلت في العمق الاقتصادي، أصبحت أكثر تكلفة وأقل قابلية للاحتواء أو الضبط.

​من جانبها، تدرك القيادة الإيرانية تماماً عدم قدرتها على مجاراة التفوق الجوي والتقني للخصوم، لذا تعمد إلى استراتيجية تعميم التكلفة الاقتصادية على الجميع. ويركز الحرس الثوري في إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات لضرب منشآت الطاقة في الدول الحليفة لواشنطن بالمنطقة. ويهدف هذا التكتيك إلى خلق صدمة في الأسواق العالمية تجبر القوى الدولية على التراجع عن حملتها العسكرية المستمرة ضد طهران.

​أظهرت التطورات الأخيرة في حقل رأس لفان بقطر مدى هشاشة أمن الطاقة العالمي أمام التهديدات المباشرة المنطلقة من السواحل الإيرانية. فتعليق جزء من نشاط الغاز الطبيعي المسال يهدد مباشرة مصالح الدول المستهلكة في أوروبا وآسيا، مما يرفع من حدة التضخم العالمي. وهكذا تحاول طهران نقل المعركة من الميدان العسكري إلى المحافل الاقتصادية، مراهنة على أن وجع الأسعار قد يفعل ما تعجز عنه الصواريخ.

التباين في الحسابات بين واشنطن وتل أبيب

​رغم التنسيق الاستراتيجي الوثيق، تظهر بعض الفوارق في حسابات النهاية بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية تجاه طريقة التعامل مع ملف إيران. فإسرائيل تبدو أكثر اندفاعاً نحو توسيع بنك الأهداف ليشمل كل مقومات الدولة، رغبة منها في تحقيق انهيار داخلي سريع. بينما تظل واشنطن أكثر حساسية تجاه تقلبات أسعار البنزين والآثار الجانبية للحروب الطويلة على السياسة الداخلية والاقتصاد الأميركي المتعثر.

​يكشف طلب البنتاغون الأخير لتمويل إضافي بقيمة 200 مليار دولار من الكونغرس عن حجم الاستعداد لمواجهة قد تستمر لسنوات طويلة. وهذا المبلغ الضخم لا يغطي تكاليف العمليات الجوية فحسب، بل يهدف لتعويض المخزونات الاستراتيجية من الذخائر الذكية التي استنزفتها الحرب. ويتحول هذا التمويل إلى مادة للسجال السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية والضغوط الاقتصادية التي يعاني منها المواطن.

​تجد الإدارة الأميركية نفسها في اختبار صعب لموازنة أهداف الحرب مع ضرورة الحفاظ على استقرار الأسواق المالية العالمية المذعورة. فالحرب التي بدأت كملف أمني خارجي، أصبحت الآن تضغط مباشرة على ميزانيات الأسر الأميركية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية. وهذا التباين قد يؤدي في مرحلة ما إلى خلافات حول حدود العملية العسكرية والمدى الزمني المسموح به قبل العودة لطاولة المفاوضات.

​إن استهداف "الشرايين" يمثل مقامرة كبرى، فبينما يضعف النظام الحاكم، فإنه قد يؤدي أيضاً إلى حالة من الفوضى غير المسيطر عليها. وتخشى بعض الدوائر الغربية من أن يؤدي الانهيار المفاجئ للدولة الإيرانية إلى فراغ أمني هائل يملأه المتطرفون أو يتحول إلى حرب أهلية. ورغم ذلك، تستمر الضربات الجوية في استهداف المرافئ النفطية ومحطات تكرير الغاز، مما يضيق الخناق يوماً بعد يوم على طهران.

مقامرة الطاقة ومستقبل الاستقرار الإقليمي

​تبدو الحرب اليوم في طور "كسر الإرادات"، حيث يراهن كل طرف على أن الطرف الآخر سيصرخ أولاً تحت وطأة الخسائر الاقتصادية والبشرية. وفي ظل انعدام البدائل السياسية الواضحة، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة من عدم اليقين المطلق الذي يهدد استقرار دول الجوار. فلم تعد الحدود الجغرافية مانعاً من انتقال شرارة النيران إلى المنشآت الحيوية في الخليج العربي والشرق الأوسط بشكل عام.

​تؤكد التقارير أن الحرس الثوري بدأ يزيد من نفوذه داخل مؤسسات الدولة الإيرانية كرد فعل طبيعي على حالة الحرب القائمة حالياً. وهذا التشدد الداخلي يغلق الباب أمام أي محاولات للإصلاح أو التغيير السلمي من الداخل، مما يجعل المواجهة العسكرية هي المسار الوحيد المتاح. وتصبح فكرة "تفكيك النظام" عملية معقدة وطويلة الأمد، لا تضمن بالضرورة ظهور بديل سياسي مستقر أو موالٍ للغرب في المستقبل.

​إن تداخل ملفات الطاقة والسياسة والأمن جعل من الصعب بمكان وضع تصور دقيق لنهاية هذه الحرب التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء. فكلما استهدفت محطة غاز جديدة، زادت صعوبة العودة إلى ما قبل اندلاع هذه المواجهة الشاملة والمدمرة. ويبدو أن العالم سيضطر للتعايش مع أسعار نفط مرتفعة واضطرابات في سلاسل التوريد لفترة أطول مما كان متوقعاً في بدايات الصراع المسلح.

​في الختام، تظل المواجهة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات الكبرى دون الانزلاق إلى كارثة اقتصادية عالمية شاملة. إن تدمير ركائز الدولة الإيرانية قد يضعف قدراتها الهجومية، لكنه يفتح في الوقت ذاته أبواباً من الجحيم لا يمكن إغلاقها بسهولة. وبين طموح التفكيك الاستراتيجي وواقع الاستنزاف الاقتصادي، تبقى النهاية غامضة ومفتوحة على سيناريوهات قد تغير وجه المنطقة والعالم إلى الأبد.

تابع موقع تحيا مصر علي