دمشق تحتضن الربيع الكردي: رئيس الجمهورية يشارك في احتفالات «عيد النوروز» لأول مرة في تاريخ البلاد
في سابقة تاريخية تشهدها سوريا الحديثة، يحضر رئيس الجمهورية مراسم احتفالية وطنية بمناسبة حلول عيد النوروز، والتي ستقام في أروقة القصر الرئاسي بالعاصمة دمشق. يمثل هذا الحدث الاستثنائي نقطة تحول كبرى في مسار البلاد السياسي والاجتماعي، حيث تعكس هذه الخطوة توجها جديدا نحو احتضان كافة مكونات الشعب السوري الثقافية والقومية بعد سنوات طويلة من التهميش.
وحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالة رويترز للأنباء، فقد صرح رئيس حزب الوسط الكردي في سوريا، شلال كدو، بأن هذا المشهد العام في البلاد يسير بخطى ثابتة نحو الاستقرار والتنمية. وأعرب كدو عن تفاؤله العميق بأن هذه التطورات تصب في المصلحة الوطنية العليا لسوريا، وتخدم جميع مكوناتها المتنوعة دون أي تمييز أو إقصاء سياسي.
وتعد هذه المناسبة الأولى من نوعها التي يقام فيها الاحتفال رسميا بمناسبة عيد النوروز بوصفه عيدا وطنيا جامعا في الأراضي السورية. يأتي هذا التطور اللافت تتويجا للمرسوم الرئاسي التاريخي الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في شهر يناير الماضي، والذي تضمن حزمة من القرارات غير المسبوقة لإنصاف المواطنين الأكراد وضمان حقوقهم المدنية والثقافية والسياسية بشكل كامل.
مرسوم رئاسي ينهي عقودا من التهميش
وقد نص المرسوم الرئاسي المذكور بشكل صريح على منح الجنسية السورية للمواطنين الأكراد الذين حرموا منها لعقود طويلة، والمقيمين على امتداد الأراضي السورية. كما تضمن القرار إعلانا رسميا باعتبار عيد النوروز الذي يحتفل به الأكراد في الحادي والعشرين من مارس عطلة رسمية في جميع أنحاء البلاد، إلى جانب الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية أصيلة.
وفي تصريحاته الصحفية، أوضح السياسي الكردي شلال كدو تفاصيل التحضيرات الجارية لهذه المراسم الرئاسية. وأشار إلى أنه جرى توجيه دعوات رسمية رفيعة المستوى إلى المجلس الوطني الكردي، ومجلس سوريا الديمقراطية، وقوات سوريا الديمقراطية، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. وتأتي هذه الدعوات لضمان تمثيل واسع وشامل لمختلف الأطياف السياسية والعسكرية الكردية الفاعلة في المشهد السوري الحالي.
كما شملت الدعوات الرسمية الموجهة لحضور الاحتفالية عشرات الشخصيات الكردية البارزة من مختلف المجالات. وستشهد هذه المراسم الوطنية تبادل التهاني والتبريكات مع رئيس الدولة وعدد كبير من كبار المسؤولين في الحكومة السورية، مما يعكس حرص القيادة الجديدة على بناء جسور الثقة والتواصل المباشر مع قيادات المجتمع الكردي ورموزه الفاعلة في الساحة الوطنية.
وذكر كدو، الذي يعد حزبه أحد المكونات السياسية الرئيسية ضمن تحالف المجلس الوطني الكردي، تفاصيل إضافية حول طبيعة المشاركة. وأكد أنه سيحضر هذه المراسم الرئاسية نحو مائة شخصية كردية بارزة، تتنوع خلفياتهم بين سياسيين محنكين، ووجهاء عشائر، وقادة رأي، وممثلين عن الفعاليات الإنسانية، بالإضافة إلى نخبة من القيادات الشبابية الصاعدة في المجتمع السوري.
تمثيل واسع لمختلف الأطياف والمناطق
ومن بين الحضور الكردي البارز في القصر الرئاسي، ستتواجد هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي بكامل ثقلها. ويضاف إلى ذلك مشاركة شخصيات اجتماعية مستقلة تتلاقى في رؤاها مع سياسات المجلس، فضلا عن حضور لافت لفعاليات نسائية منضوية تحت لوائه، وعدد من النشطاء البارزين في منظمات المجتمع المدني، مما يضفي طابعا شموليا وتعدديا على هذه المشاركة الوطنية.
وأوضح رئيس حزب الوسط الكردي أن عدد المشاركين الممثلين للمجلس الوطني سيتراوح بين عشرين وخمس وعشرين شخصية قيادية. وتتوزع هذه الشخصيات جغرافيا لضمان تمثيل كافة المناطق، حيث سيحضر خمسة ممثلين من منطقة عفرين، ومثلهم من مدينة عين العرب، بينما يأتي الباقون من منطقة الجزيرة السورية، مع توقعات بانضمام شخصيات اعتبارية من الأكراد المقيمين في العاصمة.
وعلى الصعيد الرسمي والمؤسساتي، ذكر كدو أنه بات من شبه المؤكد حضور قيادات إدارية وعسكرية بارزة لهذه المراسم الاستثنائية. ومن أبرز هؤلاء محافظ مدينة الحسكة نور الدين أحمد، ومعاون وزير الدفاع السوري سيبان حمو، مما يدل على مستوى التنسيق العالي والانفتاح الكبير بين الحكومة المركزية في دمشق والقيادات الفاعلة في المناطق الشمالية والشرقية.
كما ستشهد القاعة الرئاسية حضور نائب قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، محمود خليل المعروف باسم سيامند عفرين. وتبرز في قائمة المدعوين أيضا إلهام أحمد، مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية، لتكتمل بذلك لوحة الحضور المتنوعة التي تجمع بين الجانبين المدني والعسكري، وتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الوطنية الحقيقية في إدارة شؤون البلاد.
وفي وصف شاعري للأجواء الاحتفالية التي عمت العاصمة، قال كدو إن جبل قاسيون الشامخ والمطل على مدينة دمشق كان يتزين ليلة الجمعة بمشهد ساحر. فقد أضيئت سماء الجبل بشعلة احتفالات عيد النوروز التاريخية، ورفرف العلم الكردي الذي يرمز إلى الهوية القومية الكردية العريقة جنبا إلى جنب مع العلم الوطني السوري في مشهد يعانق التلاحم والأخوة.
ترسيخ دعائم الاستقرار وإعادة الإعمار
وأعرب السياسي الكردي عن اعتقاده الراسخ بأن حلم بناء دولة سورية ديمقراطية، تتسم بتعدد القوميات والثقافات والمكونات، بات اليوم أقرب إلى التحقيق من أي وقت مضى. وأكد أن هذه التطورات المتلاحقة تبشر بمستقبل مشرق للبلاد، حيث تحترم فيه حقوق الجميع، وتصان هوياتهم الثقافية ضمن إطار وطني جامع يحمي النسيج الاجتماعي السوري المتنوع.
وشدد كدو على الأهمية القصوى للمرسوم رقم ثلاثة عشر لعام ألفين وستة وعشرين الخاص بحقوق الأكراد. وأوضح أن هذا التشريع التاريخي يفتح الباب على مصراعيه لإيجاد حل جذري وعادل للقضية الكردية في البلاد. كما أنه يمهد الطريق بثبات نحو معالجة وتسوية كافة القضايا الوطنية العالقة التي عانت منها سوريا طوال العقود الماضية.
ولفت الانتباه إلى أن حضور رئيس الجمهورية شخصيا لمراسم احتفالية بمناسبة حلول عيد النوروز يشكل سابقة تاريخية لم تحدث قط في تاريخ البلاد الحديث. واعتبر أن هذا المشهد العام الواعد يسير في الاتجاه الصحيح لخدمة المصلحة العليا لسوريا بالدرجة الأولى، ولمصلحة الأكراد وكافة المكونات السورية، مما يقود البلاد نحو الاستقرار والسلام المستدام.
وأكد التقرير أن سوريا تتجه اليوم بخطى واثقة نحو إطلاق عملية إعادة الإعمار الشاملة وتحقيق التنمية المستدامة. ويعد الاستقرار الداخلي، المتمثل في هذه اللقاءات والمراسيم، عاملا رئيسيا ومحركا أساسيا لتدوير عجلة الاقتصاد الوطني المنهك، وتهيئة بيئة استثمارية آمنة وجاذبة لرؤوس الأموال، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون بناء توافق وطني متين بين جميع السوريين.
وأوضح كدو أن الشركات الدولية الكبرى والمستثمرين العالميين من المستحيل أن يأتوا ويخاطروا برؤوس أموالهم لإقامة استثمارات ضخمة في البلاد دون تحقيق هذا الاستقرار المنشود. وأضاف أن سوريا اليوم في أمس الحاجة إلى ترسيخ دعائم السلم الأهلي من خلال التفاهم العميق بين كافة مكونات الشعب، وإعطاء كل ذي حق حقه لبناء دولة قوية.
طي صفحة الماضي وبناء سوريا الموحدة
ورأى كدو أن الاعتراف بحقوق المكونات المختلفة يزيد البلاد غنى وقوة ومنعة وحصانة، نافيا بشدة الروايات القديمة التي كانت تروج لعكس ذلك. وأشار إلى أن هذا النهج التصالحي والاندماجي يسهم في تحصين الجبهة الداخلية ضد أي تدخلات خارجية، ويجعل من التنوع الثقافي والقومي مصدر فخر واعتزاز وطني يثري الهوية السورية الموحدة والمتجددة دائما.
واستذكر كدو الحقبة الماضية مشيرا إلى أن نظام حزب البعث كان على مدار أكثر من خمسة عقود مضت يحظر بشدة أي شكل من أشكال الاحتفال بهذه المناسبة. وكان ذلك النظام يسعى جاهدًا لزرع أفكار مغلوطة في عقول السوريين، ولا سيما العرب منهم، تدعي أن مسألة الاعتراف بالقوميات والمكونات الأخرى تشكل خطرا جسيما على وحدة الأراضي.
وأكد كدو أن العكس تماما هو الصحيح في الواقع السوري المعاش. فإذا ما منحنا الأكراد والسريان وكافة المكونات الأخرى حقوقهم المشروعة والعادلة، فلن يبقى هناك أي خطر يهدد البلاد بالتقسيم أو التشرذم أو عدم الاستقرار. بل إن هذه الخطوات الجريئة تسد الأبواب بإحكام أمام كل من يحاول الاصطياد في المياه العكرة لزعزعة أمن واستقرار الوطن.
ومنذ عدة أيام، تشهد العاصمة السورية وعدة محافظات تحضيرات واسعة على المستويين الرسمي والشعبي للاحتفال بيوم الحادي والعشرين من مارس. ويؤرخ هذا اليوم لدخول فصل الربيع وبداية سنة جديدة وفق التقويم القديم، حيث انطلقت العديد من الفعاليات الثقافية والفنية في شوارع دمشق وساحاتها ابتهاجا بهذه المناسبة الوطنية التي تجمع قلوب السوريين على المحبة والسلام.
وشملت الفعاليات المقامة في دمشق حفلا فنيا كبيرا أحيته فرقة آشتي المتخصصة في تقديم التراث الكردي الأصيل، وذلك على خشبة مسرح دار الأوبرا العريقة. كما أقيم احتفال جماهيري حاشد على أرض ملعب الفيحاء في حي مشروع دمر الواقع شمال غربي العاصمة، مما يعكس حالة الانفتاح والترحيب الشعبي الكبير بهذه الثقافة الوطنية المتأصلة.
ولم تقتصر مظاهر الفرح على الأماكن الرسمية بل امتدت لتشمل العديد من الأحياء الشعبية الدمشقية. فقد عمت الاحتفالات مناطق مثل حي ركن الدين العريق وحي وادي المشاريع، وهي المناطق التي يتركز فيها الوجود التاريخي للأكراد الدمشقيين، حيث تبادل الأهالي التهاني وارتدوا الأزياء الفلكلورية الزاهية، لترتسم لوحة وطنية بديعة تجسد أبهى صور التعايش والتلاحم السوري الفريد.
تطبيق نبض