نهر الليطاني.. هل يتحول «شريان الجنوب» إلى حارس حدودي للاحتلال؟
على وقع أزيز الطائرات وقعقعة المجنزرات التي تعبر تضاريس الجنوب اللبناني الوعرة، تبدو المنطقة أمام مشهد جيوسياسي جديد يتجاوز مجرد العمليات العسكرية المحدودة، حيث تتصاعد في أروقة صنع القرار بتل أبيب خطط ممنهجة لفرض واقع ميداني يهدف إلى تحويل نهر الليطاني من مجرد مجرى مائي حيوي إلى حارس حدودي دائم لإسرائيل، في محاولة لزحزحة الخط الأزرق الدولي وتثبيت نقاط تماس جديدة تضمن سيطرة كاملة على الأرض.
حسب تقرير لصحيفة "اندبندنت عربية"، فإن إسرائيل حسمت خياراتها الحدودية في غزة وسوريا عبر إقامة مناطق عازلة تتجاوز الكيلومتر الواحد، وهي تسعى الآن لتكرار النموذج ذاته في لبنان عبر تكثيف العمليات العسكرية التي تهدف إلى قضم المزيد من المساحات الجغرافية اللبنانية، مما يشير إلى نية مبيتة لتحويل العمق اللبناني إلى خط دفاعي متقدم يطوق التهديدات ويمنع وصول عناصر "حزب الله" إلى المستوطنات الشمالية الحدودية.
تندرج هذه التحركات الإسرائيلية ضمن رؤية أوسع تسعى من خلالها حكومة اليمين المتطرف إلى شرعنة التوسع الجغرافي تحت غطاء أمني دولي، حيث تجند تل أبيب كل طاقاتها الدبلوماسية لإقناع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأن إقامة حزام أمني يصل إلى نهر الليطاني هو الضرورة الوحيدة لضمان أمن سكانها، متذرعة بأن الترتيبات السابقة والقرار الدولي 1701 لم تعد كافية لتوفير الحماية اللازمة من الهجمات الصاروخية المتكررة.
وفي ظل هذه المناخات المتوترة، تتعالى أصوات داخل الكابينت الإسرائيلي تطالب علناً بنقل الحدود الرسمية، حيث يقود وزراء ومسؤولون أمنيون حملة دعائية تدعي أن المنطقة الممتدة حتى الضفاف الجنوبية للمجرى المائي هي حدود تاريخية، مما يعكس رغبة في إلغاء الترسيم الحالي واستبداله بخط تماس ثانٍ يقع في عمق الأراضي اللبنانية، وهو ما يضع السيادة اللبنانية والشرعية الدولية أمام اختبار مصيري شديد الخطورة والتعقيد.
استراتيجية القضم الجغرافي وفرض الحزام الأمني
لم يتوقف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عن إطلاق تصريحاته التحريضية التي تدعو الجيش إلى المضي قدماً في احتلال الأراضي اللبنانية دون مواربة، مطالباً برسم الخرائط الجديدة عند نهر الليطاني ليكون الحد الفاصل النهائي، وهي دعوات تلاقت مع تحركات الفرقة 162 التي بدأت بالفعل في التوغل لتوسيع نطاق السيطرة الميدانية، مما يؤكد أن التهديدات السياسية تترجم فوراً إلى تحركات عسكرية عدوانية على الأرض اللبنانية.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ بتنفيذ عمليات استثنائية شملت إدخال وحدات مدرعة ومدفعية ثقيلة إلى جانب تقنيات الروبوتات والمسيرات المتطورة لتعميق النشاط العملياتي، حيث يهدف القادة العسكريون إلى تثبيت "خط تماس ثانٍ" يبتعد عن الحدود الحالية بمسافة تصل إلى تسعة كيلومترات، وذلك لضمان عزل قرى الجنوب تماماً ومنع أي اقتراب لعناصر قوة "الرضوان" من السياج الحدودي الذي بات مخترقاً ومعدلاً.
ولتمرير هذه الخطة، قام الجيش بتقسيم الجنوب اللبناني إلى أربع مناطق عملياتية كبرى تتوزع فيها الفرق العسكرية بين مهام هجومية ودفاعية، حيث تركز الفرقة 146 على القطاع الغربي بينما تتولى الفرقة 36 العمليات الهجومية في الوسط، في حين تنشط الفرقة 91 في القطاع الشرقي، وتعمل الفرقة 162 كقوة إسناد لضمان وصول القوات إلى العمق المنشود، مما يعكس إصراراً على تمزيق الجغرافيا اللبنانية وإخضاعها للسيطرة.
تتزامن هذه التحركات مع استراتيجية تدميرية ممنهجة تستهدف البنى التحتية الحيوية والجسور التي تربط القرى ببعضها البعض، حيث يسعى الاحتلال من خلال ضرب طرق الحركة إلى عزل المقاتلين وتسهيل عملية السيطرة البرية، كما سجل دخول فرقة "هحشمونئيم" للمتدينين في العمليات القتالية للمرة الأولى، مما يضفي صبغة عقائدية على طموحات السيطرة التي تتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة لتصل إلى رغبة في تغيير الديموغرافيا والواقع الجغرافي.
الرؤية اليمينية لليطاني كحدود طبيعية وتاريخية
يروج العقيد المتقاعد آرييه الداد وقطاع واسع من اليمين الإسرائيلي لفكرة أن الحل الوحيد للأزمة الأمنية الشمالية يكمن في الإعلان الصريح عن نهر الليطاني كحدود رسمية ونهائية، معتبراً أن أي تسوية سياسية لا تتضمن هذا البند ستكون ولادة لاتفاق ضعيف آخر، ومنتقداً بشدة التردد الحكومي في حسم المسألة العسكرية، داعياً إلى سحق القدرات الصاروخية والبنى التحتية للخصم قبل الجلوس على أي طاولة مفاوضات مستقبلية محتملة.
وينطلق الداد في أطروحته من قناعة مفادها أن الرهان على قدرة الجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701 أو نزع سلاح المجموعات المسلحة هو رهان خاسر وتكرار لأخطاء الماضي، مدعياً أن معظم عمليات إطلاق النار والصواريخ المضادة للدروع تصدر من المناطق الواقعة شمال وجنوب النهر، مما يجعل من السيطرة الإسرائيلية المباشرة ضرورة حتمية لمنع تحول الجنوب اللبناني إلى ذراع إيرانية تهدد أمن الجليل والمستوطنات الشمالية بشكل دائم.
ويرى هؤلاء المنظرون أن الجغرافيا الطبيعية للمنطقة تخدم أهدافهم التوسعية، حيث يمكن استخدام النهر كسد استراتيجي وعائق طبيعي يصعب تجاوزه في حال تم تفجيره وزيادة تدفق مياهه، وبذلك تتحول المنطقة الجنوبية إلى مساحة معزولة تماماً يسهل تطهيرها عسكرياً، وهي رؤية تتقاطع مع طموحات الحركة الصهيونية القديمة التي كانت ترى في مياه الجنوب اللبناني جزءاً حيوياً من المجال الحيوي والحدود الطبيعية التي يجب بلوغها وتثبيتها.
هذه النظرة "التاريخية" التي يعبر عنها اليمين المتطرف تحاول محو الخطوط الاستعمارية القديمة واستبدالها بواقع يفرضه السلاح، حيث يتم تصوير السيطرة على ضفاف نهر الليطاني ليس كفعل احتلالي، بل كاستعادة لحقوق جغرافية مزعومة، وهو خطاب يهدف إلى حشد الرأي العام الإسرائيلي خلف حرب طويلة الأمد قد لا تنتهي بمجرد انسحاب تكتيكي، بل تهدف إلى بقاء عسكري دائم يغير وجه المنطقة السيادي للأبد وبلا عودة.
مخاوف الغرق في الوحل اللبناني والتبعات السياسية
في مقابل الاندفاع اليميني نحو الاحتلال الكامل، تبرز أصوات محذرة من كبار الجنرالات السابقين الذين يخشون من تكرار تجربة "الحزام الأمني" التي استنزفت الجيش الإسرائيلي لسنوات طويلة قبل الانسحاب عام 2000، حيث يرى هؤلاء أن البقاء في الأراضي اللبنانية يعني الغرق مجدداً في "وحل" لا نهاية له، حيث تتحول القوات المنتشرة إلى أهداف سهلة لعمليات الاستنزاف، مما يرفع الكلفة البشرية والمادية دون تحقيق أمن حقيقي مستدام.
ويشير اللواء احتياط رونين كوهين إلى أن التركيز يجب أن يكون على ما يحدث أمام البلدات وليس داخلها، محذراً من تحويل الجنود والمدنيين إلى وقود لحرب قد تفتقر إلى استراتيجية خروج واضحة، بينما يرى خبراء آخرون مثل نمرود شيفر أن إقامة منطقة عازلة دون غطاء قانوني أو تعاون مع الحكومة اللبنانية سيعزز من تهمة الاحتلال دولياً، وسيمنح الطرف الآخر المبرر الأخلاقي والسياسي لمواصلة الهجمات الصاروخية بعيدة المدى.
وتشير بعض التقارير الصحفية، ومنها ما نشرته صحيفة "معاريف"، إلى أن الحكومة الإسرائيلية تفتقر للحسم العسكري السريع، حيث يعمل الجيش ببطء وبطريقة تفتقر إلى الفاعلية العملياتية المطلوبة، ويرى هؤلاء أن المطلوب هو ممارسة ضغط هائل على الحاضنة الشعبية والحكومة اللبنانية عبر تدمير واسع النطاق للمنشآت والمباني الحيوية، لإجبار الدولة اللبنانية على تحمل مسؤوليتها السيادية في إبعاد السلاح الثقيل إلى مناطق ما وراء نهر الزهراني.
وعلى الرغم من الانتقادات الدولية التي تصف العمليات الإسرائيلية وهدم القرى وتسويتها بالأرض بأنها ترقى لجرائم حرب لتهجير السكان، إلا أن هناك ضغوطاً داخلية تطالب بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل مدناً كبرى مثل النبطية وصيدا، وفرض أثمان باهظة تشمل احتلال مواقع استراتيجية دائمة، مما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان، حيث يبقى نهر الليطاني العنوان الأبرز لصراع إرادات يهدد بتفجير حرب إقليمية واسعة النطاق لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
تطبيق نبض
