صعود تركيا العسكري: أنقرة خطر استراتيجي قادم يؤرق إسرائيل
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، تبرز تركيا كقوة إقليمية صاعدة تسعى بثبات لإعادة رسم خارطة النفوذ العسكري والسياسي. ومع تصاعد التوترات الإقليمية وازدياد احتمالات الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة، اتجهت أنقرة نحو تعزيز ترسانتها العسكرية وتحقيق استقلالية دفاعية غير مسبوقة. هذا الصعود السريع لم يمر مرور الكرام في تل أبيب، حيث بدأت الأوساط الإسرائيلية تنظر بقلق بالغ إلى هذه التطورات الميدانية.
حسب تقرير لـ صحيفة إندبندنت عربية، لم تخف المراكز البحثية ووسائل الإعلام الإسرائيلية تخوفاتها الجدية من التطور اللافت الذي تشهده الصناعة الدفاعية التركية. وفي الوقت الذي يزداد فيه القلق من اتساع رقعة الصراع، رفعت أنقرة مستوى جاهزيتها العسكرية تحسبا لأي طارئ. وتم نشر ست مقاتلات من طراز إف ستة عشر في شمال قبرص، إضافة إلى منظومة دفاع جوي صاروخي متطور في ولاية ملاطيا بالجنوب.
تأتي هذه التحركات التركية لتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي في مواجهة أي تهديدات محتملة قد تطال المجال الجوي للبلاد مع اتساع دائرة التصعيد. ورغم أن هذه التوجهات الواضحة لرفع مستوى الاستعداد الدفاعي جاءت في إطار تنسيق مع حلف شمال الأطلسي، إلا أنها حملت دلالات أمنية وعسكرية خطيرة بالنسبة لإسرائيل. وقد دفع ذلك العديد من المسؤولين والمحللين الإسرائيليين إلى اعتبار أنقرة العدو القادم والمقلق.
حذر تقرير صادر عن لجنة ناجل، وهي الهيئة الاستشارية التابعة للحكومة الإسرائيلية المعنية بتقييم مخاطر الأمن القومي، من أن السياسة التركية الهادفة إلى استعادة النفوذ تشكل خطرا استراتيجيا متزايدا. ودعا التقرير حكومة تل أبيب إلى ضرورة الاستعداد الجدي لاحتمال اندلاع صراع مباشر. وتعكس هذه التحذيرات مدى القلق الإسرائيلي من تنامي القوة العسكرية التركية وتأثيرها المحتمل على موازين القوى والتفوق النوعي الإسرائيلي في المنطقة المشتعلة.
في هذا السياق، أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة أريدا للأبحاث حول الصناعات الدفاعية والسياسة الخارجية أن أغلبية المشاركين يعتقدون باحتمالية وقوع هجوم إسرائيلي في المستقبل. وأكد نحو ستين بالمئة من المستطلعة آراؤهم هذا التخوف، بينما عبر أربعة وخمسون بالمئة عن شعورهم بالثقة والاطمئنان بفضل معرض الصناعات الدفاعية الدولي الذي أقيم في إسطنبول، والذي أظهر القدرات المتقدمة للبلاد في مواجهة التهديدات الخارجية المحتملة بفعالية.
تصاعد التوترات والبحث عن التوازن
رغم تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت التي وصف فيها صعود أنقرة بأنه يمثل إيرانا جديدة، ومحذرا من مساع لبناء محور سني معاد لمحاصرة إسرائيل، حاولت القيادة التركية التهدئة. فقد أكد وزير الدفاع يشار غولر أن احتمالية اندلاع صدام مباشر تعد ضئيلة للغاية. وأوضح أنه تم إنشاء قنوات اتصال وتنسيق لتجنب أي تصعيد أو الوصول إلى وضع غير مرغوب فيه يضر بالاستقرار الإقليمي.
لفت وزير الدفاع إلى أن أي توترات محتملة يتم التعامل معها بحذر شديد عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية لتجنب المواجهة المباشرة. ومع ذلك، أقر بأن تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة أثر بشكل كبير وسلبي على العلاقات الثنائية. وتتفق هذه الرؤية مع تحليلات خبراء مركز سيتا للأبحاث، الذين أكدوا أن أنقرة تسعى جاهدة للحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها الغربية ومصالحها الإقليمية الحيوية.
أشارت الباحثة جاليا ليندنشتراوس من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن الدولة التركية لا ترغب في الانخراط العسكري المباشر ضد طهران أو إسقاط نظامها. ويعود ذلك إلى خشيتها من التداعيات الأمنية المحتملة التي قد تؤدي إلى تصاعد المسألة الكردية أو اضطراب التوازنات الإقليمية الهشة. ووفقا لتقديرات متشائمة نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت، لا يزال الخطاب السياسي التركي يتسم بانتقادات حادة ولاذعة للسياسات الإسرائيلية الإقليمية.
يواصل المسؤولون الأتراك اتهام إسرائيل بزعزعة الاستقرار، في حين لم يصدر إدانة واضحة لإطلاق الصواريخ الإيرانية. واكتفى الرئيس رجب طيب أردوغان بالتأكيد على ضرورة تجنب الانخراط في الحرب وعدم الانجرار وراء الاستفزازات والمؤامرات. وترى الباحثة زينب ريبوع من معهد هدسون الأميركي أن تراجع قوة طهران سيفتح مجالا واسعا أمام تركيا لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، وهو ما يخلق تخوفات حقيقية وصريحة لدى القيادة الإسرائيلية العسكرية.
دروس الحرب وبناء الردع
لإعادة ضبط ميزان القوى لصالحها، تعمل تل أبيب على تحويل خصوم تركيا في المنطقة إلى شركاء استراتيجيين. وقد تجلى ذلك في التعاون الإسرائيلي الأخير مع قبرص واليونان في شرق البحر المتوسط. ولم يكن هذا التحالف يهدف فقط إلى تضييق دائرة النفوذ البحري التركي، بل وفر لهاتين الدولتين فرصة حيوية لتعزيز التواجد العسكري بالقرب من السواحل التركية، مما يشكل ضغطا إضافيا على صانع القرار.
تستغل إسرائيل نفوذها القوي داخل الولايات المتحدة لإعاقة برامج التسليح والمشاريع السياسية والاقتصادية التركية. وعقب حصول تركيا على منظومة الدفاع الجوي الروسية إس أربعمائة، سعت تل أبيب بنجاح لاستبعادها من برنامج مقاتلات إف خمسة وثلاثين الأميركية. ويوضح الباحث السياسي طه أوغلو أن إسرائيل ترفض أي تفوق عسكري تركي محتمل، خاصة إذا تم دمج تلك المقاتلات المتطورة مع الصناعات الدفاعية الصاعدة من طائرات مسيرة وصواريخ.
بعد انتهاء حرب الاثني عشر يوما بين إسرائيل وإيران في يونيو من العام الماضي، أجرت الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التابعة لجهاز الاستخبارات التركي دراسة شاملة ومعمقة. وأوصت الدراسة الحكومة بضرورة تسريع بناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات، وذلك بعد أن أظهرت إسرائيل تفوقا وسيطرة جوية مطلقة خلال تلك المواجهات. وشددت التوصيات على أهمية الاستثمار المكثف في تكنولوجيا الصواريخ الباليستية وتطوير قدرات الأسلحة الفرط صوتية.
أكدت الدراسة الاستخباراتية ضرورة منح الأولوية للأنظمة المسيرة وتقنيات الحرب الإلكترونية المتطورة. وقد تبين أن الدفاع التقليدي الإيراني لم يتمكن من الصمود أمام تقنيات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية الحديثة. كما نبهت التوصيات إلى أهمية نشر أنظمة إنذار مبكر فعالة ضد أي هجمات جوية محتملة، مع ضرورة بناء ملاجئ محصنة في المنشآت الاستراتيجية وتجهيزها بأحدث المتطلبات التقنية، بالإضافة إلى إنشاء ملاجئ جماعية يسهل الوصول إليها بسرعة.
طفرة الصناعات الدفاعية التركية
نظرا للدور الكبير الذي لعبته العناصر المجندة داخليا خلال الهجمات على طهران، شددت التوصيات الأمنية على ضرورة إغلاق الباب أمام أي اختراقات مماثلة في الداخل التركي. وطالبت بإيلاء عناية فائقة للعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي قد تؤثر سلبا على الأمن الداخلي. وخلصت الدراسة إلى أن المواجهة الأخيرة شكلت نموذجا معقدا لعمليات متعددة الأبعاد جمعت بين البر والجو والبحر والمجالين السيبراني والكهرومغناطيسي بأساليب مبتكرة.
خلال العقد الأخير، حققت تركيا قفزة تاريخية غير مسبوقة في مجال الصناعة الدفاعية والجوية، مما أثار قلق المراكز البحثية الإسرائيلية. وأظهرت البلاد قدرة فائقة على تحقيق الاستقلالية العسكرية، لتصبح واحدة من أهم مصدري الأسلحة في السوق العالمية. ووفقا لتصريحات رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية خلوق غورغون، تجاوزت قيمة الصادرات عتبة السبعة مليارات دولار في العام الماضي، مسجلة نموا هائلا أرسى مكانة البلاد كمورد دفاعي موثوق.
تشير البيانات الرسمية الحديثة إلى أن حصة قطاع الدفاع من إجمالي الصادرات الوطنية ارتفعت بشكل ملحوظ لتبلغ مستويات قياسية، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا القطاع الحيوي كركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني. ويرى مراقبون دوليون أن استحواذ دول حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على أكثر من نصف إجمالي هذه الصادرات الدفاعية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ثقة القوى الكبرى بالتكنولوجيا المنتجة.
في تصريحات تعكس حجم التقدم المتسارع، كشف وزير الصناعة والتكنولوجيا محمد فاتح كاجر أن تركيا باتت تستحوذ على خمسة وستين بالمئة من سوق الطائرات المسيرة العسكرية عالميا. وأكد أن هذه المكانة المرموقة تضع البلاد ضمن الدول الأكثر خبرة في تطوير وإنتاج الأنظمة غير المأهولة. وبرزت شركات رائدة مثل بايكار وتوساش وأسلسان في صدارة المشهد التصديري، مما عزز الحضور القوي للمنتجات العسكرية في الأسواق العالمية.
يتفق المحللون الاستراتيجيون على أن تداعيات الصراعات الحالية لن تقتصر فقط على أطرافها المباشرة، بل ستمتد لتشمل وتؤثر على سلوك كافة القوى الإقليمية التي تراقب المشهد عن كثب. وعليه، فإن صناع القرار في إسرائيل سيجدون أنفسهم مضطرين لأخذ التطورات العسكرية والدفاعية التركية بعين الاعتبار. وستنطلق تحليلاتهم بعيدة المدى من ضرورة إعادة الحسابات السياسية والأمنية لمواجهة تغير موازين القوى وصعود فاعلين إقليميين يمتلكون قدرات ردع هائلة.
تطبيق نبض
