أميرة العادلي تكتب: كرموز.. حين تتحول المأساة إلى جرس إنذار
حين تقرأ التفاصيل التي كتبت عن الجريمة، تجد نفسك أمام مشهد ميلودرامي سوداوي، كل تفصيلة فيه يرفضها العقل قبل القلب. لا يمكن تصور أن يقتل شابًا أمه وخمسة من أشقائه، ومع كل سطر ، ندرك أننا لسنا أمام جريمة عادية، بل أمام كارثة إنسانية مركبة، اختلط فيها الألم بالخذلان، وغاب فيها العقل تحت وطأة ضغوط لا تُحتمل، حتى تحولت مشاعر الأمومة من ملاذ آمن إلى خوف قاتل، ومن حنان إلى مأساة.
وفي لحظات الانهيار النفسي الحاد، قد يحدث اضطراب في إدراك الإنسان لمعنى الحياة والموت، فيختلط الألم بالخلاص، ويُعاد تفسير النهاية على أنها “رحمة” وليست فاجعة.
هذا التصور ليس مبررًا للجريمة بأي حال، بل هو انعكاس خطير لاضطراب نفسي عميق، يفقد فيه الإنسان قدرته على الحكم السليم، ويرى الهروب من الواقع القاسي كحل وحيد. وربما في تلك اللحظة تحديدًا، لم تعد هذه الأم ترى الأمور بوعيها الطبيعي، بل من خلال حالة نفسية مأزومة جعلت الموت يبدو وكأنه مخرج، بينما هو في الحقيقة ذروة المأساة.
جريمة كرموز ليست واقعة معزولة، بل مرآة تعكس هشاشة في بعض جوانب المجتمع، وثغرات واضحة في منظومة الحماية الاجتماعية والدعم النفسي.
نحن أمام قصة تبدأ بأم تركها زوجها تواجه مصيرها وحدها مع ستة أبناء، وتمر بمرض قاسٍ ينهش الجسد والروح، وتنتهي بانهيار كامل لم تجد فيه هذه السيدة يدًا تمتد لإنقاذها، أو منظومة تحتضنها قبل السقوط.
هذه السيدة لم تكن مجرد مريضة بالسرطان، بل كانت حالة إنسانية مكتملة الأركان تحتاج إلى ما هو أبعد من العلاج الدوائي. فهل يكفي أن نوفر جلسات العلاج ونغفل عن الدعم النفسي؟ وهل يمكن لمن يخوض معركة المرض أن ينتصر وحده دون شبكة حماية حقيقية، نفسية واجتماعية، تحيط به وتحميه من الانهيار؟هنا يبرز السؤال الأهم: عن دور الدولة!
ليس فقط في العلاج، بل في بناء منظومة متكاملة للحماية.
الدولة مطالبة بإعادة النظر في فلسفة الدعم، بحيث لا يقتصر على الإعانات المالية أو العلاج على نفقة الدولة، بل يمتد إلى إدارة الحالة الإنسانية لكل مريض، خاصة في الأمراض الخطيرة.
نحتاج إلى نظام يربط بين العلاج الطبي والدعم النفسي والاجتماعي، من خلال فرق متخصصة تتابع المرضى، وتقيّم أوضاعهم الأسرية والنفسية بشكل دوري.
كما أن برامج الحماية الاجتماعية، مثل “تكافل وكرامة”، رغم أهميتها، تظل بحاجة إلى تطوير في آليات الوصول للفئات الأكثر هشاشة. فالسؤال ليس عن البرنامج؟ بل: آليات وصوله إلى المستحقين؟
كم من سيدة تعيش في عزلة، لا تعرف طريق الدعم، ولا تجد من يدلها عليه؟
وهنا لا يصبح الحديث عن تقصير فردي، بل عن فجوة في السياسات العامة ذاتها؛ فالدولة، مهما تعددت أولوياتها الاقتصادية، لا يُعفيها ذلك من مسؤوليتها في إدارة الألم الإنساني، لأن كلفة الإهمال في هذا الملف لا تُقاس بالأرقام، بل بالأرواح."
وهنا يأتي دور المؤسسات، وعلى رأسها المجلس القومي للمرأة، الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن مثل هذه الحالات. لكن ذلك يتطلب الانتقال من الدور التقليدي إلى دور أكثر فاعلية، عبر حملات ميدانية، وقواعد بيانات محدثة، وآليات رصد مبكر للحالات المعرضة للخطر.
إن ما حدث في كرموز يجب ألا يُقرأ فقط كجريمة، بل كإشارة تحذير.
تحذير من أن ترك الإنسان وحيدًا في مواجهة المرض والفقر والضغط النفسي، قد يدفعه إلى تصورات مشوهة عن الرحمة والخلاص، تنتهي بكوارث إنسانية لا يمكن تداركها.
الحماية الاجتماعية ليست رفاهية، بل ضرورة.
والدعم النفسي ليس خيارًا، بل خط دفاع أساسي.
وإذا كنا نبحث عن العدالة، فليست فقط في العقاب، بل في منع تكرار المأساة؛
في بناء منظومة قادرة على التدخل قبل الانهيار،
وفي تصحيح هذا الفهم المأزوم الذي قد يحول “الرحمة” في نظر البعض إلى جريمة في الواقع.
في أن نضمن ألا تكون هناك سيدة أخرى تُترك وحدها،
وألا يتحول الألم مرة أخرى إلى وهمٍ قاتل… ثم إلى جريمة.
أميرة العادلي
تطبيق نبض