سوق «الطوارئ» يشتعل.. زيادة 200% في مبيعات الطاقة البديلة بالأردن وسط ترقب عسكري
استيقظت الشوارع الحيوية في المملكة الأردنية على مشهد استهلاكي لم يألفه الجيل الشاب، حيث تداخلت طوابير المواطنين أمام محال الخردوات والمستلزمات الحرفية بحثاً عن وسائل بديلة للإنارة والطهي، وهو ما يعكس قلقاً عميقاً يسكن وجدان الشارع في الأردن جراء التوترات المتصاعدة في المنطقة. إن حركة الشراء الكثيفة التي طاولت المولدات والشموع وأنظمة الطاقة الشمسية ليست مجرد تسوق عابر، بل هي تعبير عن "غريزة التحوط" لمواجهة أي طارئ قد يمس البنية التحتية.
حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن الجهات الرقابية في المملكة بدأت بالتحرك المكثف لضبط محاولات الاستغلال والاحتكار التي ظهرت مع زيادة الطلب على مستلزمات الطاقة. وقد لوحظ أن التجار في وسط العاصمة بدأوا بإعادة عرض أدوات قديمة مثل "بابور الكاز" الذي تصدر الواجهات مجدداً، وسط تسجيل قفزات سعرية لافتة للفوانيس والشموع، مما استدعى تدخل السلطات لضمان عدم استنزاف جيوب المواطنين تحت وطأة الخوف والقلق الشعبي المتزايد.
لم يتوقف الأمر عند الأدوات البسيطة، بل امتدت "حمى التحوط" لتشمل تقنيات حديثة، حيث سجلت مبيعات محطات الطاقة المحمولة وأجهزة "الباور بانك" ارتفاعاً قياسياً بلغ نحو 40 في المئة في غضون أسبوع واحد فقط. ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة في الأردن تغذيها تحليلات إعلامية تحذر من استهداف منشآت حيوية، مما دفع العائلات لتجهيز ما يعرف بـ "حقيبة الطوارئ" التي تضم المعلبات ووسائل الإضاءة كإجراء احترازي يسبق وقوع أي مواجهة شاملة.
تتزامن هذه التحركات مع تزايد وتيرة النقاشات في المجالس العامة ومنصات التواصل الاجتماعي حول مدى جاهزية المنازل الأردنية للتعامل مع انقطاعات محتملة في سلاسل التوريد. ورغم أن المشهد قد يبدو مربكاً للبعض، إلا أنه يعكس وعياً جمعياً بضرورة الاستعداد، حيث يفضل المواطن في الأردن أن يكون "مستعداً وناجياً" بدلاً من الاعتماد الكلي على الخدمات العامة في لحظات الأزمات الكبرى التي قد تشل الحركة الاعتيادية وتؤثر على نمط الحياة اليومي.
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن هذا السلوك الاستهلاكي المفاجئ قد يسبب ضغطاً مؤقتاً على السيولة النقدية للأسر، إلا أنه في الوقت ذاته ينعش قطاعات تجارية كانت تعاني من الركود. فالمحال التجارية في مناطق مثل "وسط البلد" والمناطق الحرفية في سحاب والزرقاء شهدت حركة بيع لم تشهدها منذ سنوات، مما جعل "بابور الكاز" والفانوس التقليدي نجوماً فوق العادة في بورصة الطلب الشعبي المتصاعد.
استحضار خبرة الأزمات وإدارة الموارد السيادية
تعاملت الحكومة الأردنية مع هذا المشهد بنوع من التوازن بين التحذير من التخزين الهلعي وبث رسائل الطمأنة حول كفاية المخزون الغذائي والنفطي الذي يكفي لمدد زمنية طويلة. وتراهن الدولة على خبرتها التراكمية في التعامل مع الهزات الكبرى، بدءاً من حروب الخليج وصولاً إلى جائحة كورونا، حيث أثبتت المؤسسات الرسمية في الأردن قدرة عالية على إدارة سلاسل التوريد وضمان استمرارية تدفق السلع الأساسية للمواطنين دون انقطاع.
ويرى الوزير السابق محمد أبو حمور أن المملكة تمتلك مرونة واضحة في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية، لكنه يشدد على أن الصمود يتطلب انتقالاً فعلياً من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق. ويؤكد أبو حمور أن تعزيز الربط الكهربائي الإقليمي وتنويع مصادر الطاقة هما الركيزتان الأساسيتان لحماية الاستقرار المالي في الأردن، مشيراً إلى ضرورة مراقبة الأسواق بصرامة لمنع أي ممارسات احتكارية قد تضعف الجبهة الداخلية وتزيد من حدة التوتر الشعبي.
من جانبه، أوضح المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات أن حالة الأمن الغذائي الوطني في المملكة مستقرة تماماً ولا تدعو للقلق أو التزاحم العشوائي أمام المخابز والمولات. وشدد المركز على أن التسوق بقدر الحاجة يعزز كفاءة الإمدادات ويضمن وصول السلع للجميع، مؤكداً أن الدولة وضعت خططاً متكاملة لتأمين الاحتياجات الأساسية لفترات ممتدة، مما يجعل ظاهرة التخزين غير مبررة في ظل توفر كميات ضخمة من السلع.
وفي إطار هذه السيادة التموينية، تعمل وزارة الصناعة والتجارة على تسيير جولات تفتيشية مدار الساعة لمراقبة الأسعار ومنع أي محاولة لإخفاء السلع الأساسية عن المواطنين. وتدرك الحكومة في الأردن أن استقرار الأسعار هو خط الدفاع الأول عن الأمن الاجتماعي، ولذلك تضرب بيد من حديد على كل من يحاول استغلال "فوبيا الحرب" لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب لقمة عيش المواطن الأردني البسيط.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن الجمعيات التعاونية والأسواق المؤسسية لعبت دوراً محورياً في امتصاص صدمة الطلب الأولي، حيث استمرت في عرض البضائع بأسعارها المعتادة دون تغيير. هذا الالتزام المؤسسي ساعد في تهدئة روع الكثيرين الذين رأوا في توفر السلع على الأرفف دليلاً قاطعاً على صدق التطمينات الرسمية، مما قلل تدريجياً من وتيرة "التخزين الهلعي" التي سادت في الساعات الأولى من انتشار الأنباء المقلقة.
أرقام طموحة وقدرات توليدية تضمن استدامة الطاقة
تؤكد بيانات وزارة الصناعة والتجارة أن مخزون القمح يتجاوز سقف العشرة أشهر، بينما يغطي مخزون الشعير والزيوت النباتية والسكر احتياجات السوق لمدد تتراوح بين ستة إلى تسعة أشهر. وتنتشر في محافظات الأردن كافة أكثر من 135 فرعاً للأسواق المؤسسية والعسكرية التي تعمل كصمام أمان لتثبيت الأسعار وتوفير البضائع، مما يقلل من احتمالية حدوث نقص في السلع الغذائية حتى في حال تعطل بعض طرق التجارة.
وفي قطاع الطاقة، طمأن المسؤولون المواطنين بأن خيار الفصل المبرمج للتيار الكهربائي غير مطروح نهائياً، نظراً لامتلاك المملكة قدرة توليدية تفوق بكثير حجم الاستهلاك الأقصى المسجل تاريخياً. ويصل الاحتياطي التوليدي في الأردن إلى مستويات مريحة جداً، حيث تساهم مشاريع الطاقة المتجددة بنسبة تقارب 27 في المئة من إجمالي التوليد، مما يمنح المنظومة الكهربائية استقلالية جزئية ومرونة عالية في التعامل مع أي طارئ إقليمي مفاجئ.
وعلى صعيد المشتقات النفطية، أكدت نقابة أصحاب محطات المحروقات أن أسطوانات الغاز والوقود متوفرة بشكل طبيعي، وأن البواخر النفطية تصل إلى ميناء العقبة بانتظام وفق الجداول الزمنية المعتادة. ويبقى الرهان الأكبر في الأردن على وعي المواطن في عدم الانجرار وراء الشائعات التي تسبب ضغطاً غير مبرر على الأسواق، خاصة وأن كافة المؤشرات الرسمية تؤكد أن المملكة تمتلك المصدات الكافية لتجاوز تداعيات أي صراع إقليمي بأقل الخسائر.
علاوة على ذلك، فإن الخطط الاستراتيجية للطاقة تتضمن توسيع سعات التخزين الاستراتيجية للمشتقات النفطية في منطقة "الماضونة" وغيرها من المنشآت الحيوية، مما يوفر شبكة أمان وطنية تكفي لأسابيع طويلة في حال انقطاع الاستيراد. إن هذا الاستثمار في البنية التحتية التخزينية يثبت اليوم جدواه، حيث يمنح صانع القرار في الأردن مساحة من المناورة والهدوء في اتخاذ القرارات دون الوقوع تحت ضغط الحاجة الملحة للوقود أو الطاقة.
ختاماً، يظهر المشهد الحالي في المملكة تلاحماً فريداً بين الخبرة المؤسسية في إدارة الأزمات وبين الحذر الشعبي الفطري، مما يشكل حالة من "المناعة الوطنية" ضد الهزات الخارجية. وبينما تظل العيون شاخصة نحو تطورات الإقليم، يبقى الأمل معقوداً على أن تظل هذه التدابير مجرد "احترازات" لا نحتاج لاستخدامها فعلياً، مع بقاء الدولة في حالة استنفار دائم لضمان استمرار الحياة الكريمة لكل من يعيش على ثرى المملكة الأردنية الهاشمية.
تطبيق نبض
