عاجل
الأحد 29 مارس 2026 الموافق 10 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

إيال زامير يزلزل الكابينت.. الجيش ينهار على نفسه وعشرة أعلام حمراء فوق طاولة نتنياهو

جنود إسرائيليين
جنود إسرائيليين

​في لحظة فارقة من تاريخ الصراع الإقليمي، تحولت قاعات الاجتماعات المغلقة في تل أبيب إلى ساحة لمعركة من نوع آخر، بطلها رئيس أركان الجيش إيال زامير الذي واجه المستوى السياسي بحقائق ميدانية صادمة.

 لم يكن التحذير مجرد إجراء روتيني، بل كان صرخة مدوية في وجه الطموحات السياسية التي تتجاهل القدرات الفعلية للمقاتلين على الأرض، حيث رسم إيال زامير سيناريو مرعباً لما قد تؤول إليه الأمور في حال استمرار الحرب دون استراتيجية واضحة لإدارة الموارد البشرية.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" ومصادر أمنية في إسرائيل، فإن الاجتماع الأخير للكابينت شهد حالة من الذهول حين رفع إيال زامير عشرة "أعلام حمراء" تحذر من تفكك البنية العسكرية للجيش الإسرائيلي.

وأوضح التقرير أن زامير أكد بلهجة حازمة أن جنود الاحتياط، الذين يشكلون العمود الفقري للقوة القتالية، وصلوا إلى حافة الانهيار الجسدي والنفسي، مشدداً على أن "الجيش سينهار على نفسه" إذا لم يتم تدارك الفجوات الكبيرة في أعداد المقاتلين وتوزيع العبء العسكري بشكل عادل.

صدام الإرادات بين طموح سموتريتش وواقعية زامير

​بدأت ملامح الأزمة تتبلور حينما طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بشن حرب شاملة وفورية على لبنان، معتبراً أن السيطرة البرية هي السبيل الوحيد لإنهاء تهديد حزب الله وتأمين عودة سكان الشمال. هذا الطرح السياسي قوبل برفض قاطع من المؤسسة العسكرية، حيث وقف إيال زامير سداً منيعاً أمام هذه الرغبات، موضحاً أن الجيش يعاني نقصاً فعلياً يقدر بنحو 15 ألف جندي، وهو عجز لا يمكن تغطيته في ظل القوانين الحالية التي تعفي فئات واسعة من الخدمة.

​أكد إيال زامير خلال النقاش أن المصادقة على تجنيد 400 ألف جندي احتياط تظل حبراً على ورق، لأن الواقع يشير إلى عدم توفر هذا العدد من القادرين على القتال فعلياً. وأشار رئيس الأركان إلى أن الاستمرار في تجاهل أزمة "الحريديم" وعدم تمديد الخدمة الإلزامية سيؤدي حتماً إلى فقدان السيطرة على المهام الروتينية والعملياتية، مما يجعل الجبهة الداخلية والحدودية في حالة انكشاف خطير أمام التهديدات المتزايدة من جبهات متعددة.

​يرى إيال زامير أن الصمت السياسي تجاه أزمة التجنيد يعود لاعتبارات حزبية ضيقة، بينما يدفع الجنود في الميدان الثمن من دمائهم وجهدهم المتواصل لأكثر من عامين. إن هذا الاستنزاف لم يقتصر على الجبهة اللبنانية أو الإيرانية، بل امتد ليشمل الضفة الغربية التي باتت تلتهم الموارد البشرية للجيش بسبب التوترات المتصاعدة الناتجة عن التوسع الاستيطاني، وهو ما وصفه زامير بـ "تشتيت القوة" في مهام لا تخدم الاستراتيجية الكبرى للحرب.

نزيف القوى البشرية وتداعيات الاستيطان في الضفة

​لم تكن تحذيرات إيال زامير محصورة في الجانب التقني، بل امتدت لتشمل التداعيات الأخلاقية والمهنية داخل صفوف الجيش، حيث أبدى غضبه من تكليف الوحدات القتالية بحماية بؤر استيطانية جديدة. وأوضح زامير أن إنشاء 30 بؤرة استيطانية إضافية في الضفة الغربية يتطلب تكريساً هائلاً للجنود وحرس الحدود، مما يزيد من إرهاق القوات التي يفترض أن تتفرغ لمواجهة التهديدات الوجودية على الحدود الشمالية وفي مواجهة الطموحات الإيرانية.

​أشار القادة العسكريون المرافقون لزامير إلى أن عشرات الآلاف من الجنود الذين أصيبوا خلال الحرب باتوا خارج الخدمة، سواء بسبب جروح جسدية أو أزمات نفسية عميقة "تروما" الحرب. هذا النزيف الصامت في الكفاءات البشرية يقلل من جودة الأداء العسكري ويجعل من تنفيذ خطط الاجتياح البري الواسع في لبنان أمراً محفوفاً بالمخاطر القاتلة، وهو ما حاول إيال زامير إيصاله للمستوى السياسي قبل فوات الأوان.

​تسببت تصريحات إيال زامير في اندلاع موجة من الانتقادات داخل الائتلاف الحاكم، حيث اتهمه نواب من حزب الليكود ببث الروح الانهزامية وتقويض الروح المعنوية للشعب الإسرائيلي. واعتبر البعض أن نشر مثل هذه التحذيرات في ذروة الحرب يخدم البروباجندا الخاصة بحزب الله وإيران. ومع ذلك، يصر المقربون من رئاسة الأركان على أن الأمانة المهنية تقتضي قول الحقيقة كما هي، بعيداً عن التجميل السياسي الذي قد يؤدي إلى كارثة مماثلة لأحداث أكتوبر.

المعارضة تتبنى التحذيرات وتحذر من كارثة أمنية

​في المقلب الآخر من المشهد السياسي، سارع زعيم المعارضة يائير لبيد إلى دعم موقف إيال زامير، مؤكداً أن الحكومة الحالية تتهرب من مسؤوليتها الوطنية وتغامر بأمن الدولة من أجل البقاء السياسي. وشدد لبيد على أن التحذيرات التي أطلقها زامير هي جرس إنذار أخير قبل وقوع "انفجار داخلي" في المؤسسة العسكرية، محملاً نتنياهو ووزراءه مسؤولية الفشل في إقرار قانون تجنيد عادل يشمل جميع فئات المجتمع.

​من جانبه، وصف رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت الوضع الحالي بأنه "عار وطني"، معتبراً أن الحكومة التي تعجز عن توفير الجنود لحماية حدودها هي حكومة فاقدة للشرعية. وانضم إليه غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، الذي أكد أن إيال زامير قام بواجبه الوطني حين كشف الحقائق، محذراً من أن تجاهل "الأعلام الحمراء" العشرة سيؤدي إلى دفع ثمن باهظ في المستقبل القريب، سواء على صعيد الأرواح أو السيادة.

​أكد يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين، أن استمرار سياسة "البصق في وجوه جنود الاحتياط" ستؤدي إلى موجة من الرفض للخدمة العسكرية، وهو ما بدأ يلمسه الجيش في بعض الوحدات. وطالب غولان بفرض عقوبات مالية وشخصية صارمة على المتهربين لضمان استمرارية الجيش الإسرائيلي كقوة قادرة على الدفاع عن الدولة، مشيراً إلى أن صدقية إيال زامير تفوق بكثير الوعود السياسية الجوفاء التي يطلقها الوزراء.

تآكل الثقة الشعبية وتزييف الحقائق الميدانية

​وسط هذه الأجواء المشحونة، بدأ الجمهور الإسرائيلي يطرح تساؤلات صعبة حول صدقية البيانات الرسمية الصادرة عن الناطق بلسان الجيش، خاصة بعد اكتشاف أنفاق وبنى تحتية في مناطق أُعلن سابقاً عن تطهيرها. هذا التناقض بين ما يُقال وما يُكتشف على الأرض عزز من قيمة تحذيرات إيال زامير، حيث بدأ الكثيرون يدركون أن الجيش يواجه صعوبات تفوق ما يتم الاعتراف به علناً، وأن حرب الاستنزاف الحالية ليست في صالح إسرائيل.

​الاشتباكات الحدودية المستمرة وسقوط القتلى والجرحى بشكل يومي زاد من الضغوط على عائلات الجنود، الذين باتوا يشعرون بأن أبناءهم يدفعون ثمن التجاذبات السياسية بين أعضاء الكابينت. إن صرخة إيال زامير وجدت صدىً واسعاً في الشارع الإسرائيلي، حيث خرجت مطالبات بتغيير جذري في طريقة إدارة الحرب وضرورة الاستماع لصوت العقل العسكري الذي يمثله زامير، بدلاً من الانجرار وراء الشعارات الحماسية غير الواقعية.

​في ختام هذا المشهد المعقد، تظل تحذيرات إيال زامير قائمة كشاهد على أزمة عميقة تضرب جذور المؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل. إن الانهيار الذي حذر منه زامير ليس مجرد فرضية، بل هو واقع يزحف ببطء مع كل يوم تستمر فيه الحرب دون حلول لمشكلة القوى البشرية. ستبقى الكرة الآن في ملعب الحكومة، فإما الاستجابة لنصائح رئيس الأركان وتعديل المسار، أو المضي قدماً نحو مجهول قد يغير وجه المنطقة للأبد.

تابع موقع تحيا مصر علي