عاجل
الإثنين 30 مارس 2026 الموافق 11 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

شبح فيتنام يطارد الجمهوريين.. كيف يخطط «ورثة ترامب» للهروب من فخ «الحروب الأبدية»؟

ترامب
ترامب

​تتصاعد حدة التوترات السياسية في واشنطن مع تحول الساحة الإيرانية إلى ميدان اختبار حقيقي لمستقبل الحزب الجمهوري، حيث يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام تحدي حماية إرثه السياسي الذي بات مهدداً بتداعيات الصراع العسكري المفتوح. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يبرز التنافس المكتوم بين نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، اللذين يُنظر إليهما بوصفهما الوريثين المفترضين للتيار القومي الذي يتزعمه الرئيس الحالي في انتخابات 2028 القادمة.

​وحسب تقرير لوكالة رويترز للأنباء، فإن الدوائر المقربة من الرئاسة بدأت تشهد نقاشات حادة حول هوية الشخص الأنسب لقيادة المرحلة المقبلة، خاصة مع بدء ترامب بطرح تساؤلات جدية على مستشاريه حول المفاضلة بين فانس وروبيو. ويشير التقرير إلى أن العملية العسكرية التي دخلت أسبوعها الخامس أصبحت هي المعيار الذي سيحدد أوزان القوى داخل الإدارة، في وقت يحاول فيه كل طرف تثبيت أقدامه عبر تبني استراتيجيات دبلوماسية وعسكرية متباينة تجاه طهران.

​إن طبيعة الصراع الحالي دفعت الرجلين إلى واجهة المفاوضات الرامية لإنهاء الحرب، وهي عملية لا تزال في طور التشكّل وسط تعقيدات جيوسياسية كبيرة وخطيرة للغاية. وقد اتخذ جي دي فانس مقاربة اتسمت بالحذر الشديد، وهي تعكس في جوهرها تشككه التاريخي إزاء الانخراط الأميركي المطوّل في النزاعات الخارجية المنهكة والمكلفة بشرياً ومادياً. وفي المقابل، اختار ماركو روبيو الاصطفاف الكامل خلف رؤية ترامب، متموضعاً كأحد أكثر المدافعين صراحة عن ضرورة الحسم العسكري المباشر لتأمين المصالح القومية العليا.

رهانات الخلافة في ظل الأزمات العسكرية

​تؤكد المصادر المطلعة أن ترامب بدأ بالفعل في تقييم أداء مساعديه الكبار من خلال عدسة "الولاء والنتائج"، حيث يتساءل في جلساته الخاصة عمن يمتلك القدرة على مواصلة نهجه. ويرى المحللون أن نجاح الحملة العسكرية في تحقيق أهدافها سريعاً قد يمنح روبيو دفعة هائلة، بوصفه اليد الثابتة التي أدارت الأزمة بنجاح من منصبه كوزير للخارجية. وهذا النجاح المحتمل سيعزز من صورته كرجل دولة قادر على مواجهة التحديات الكبرى بكفاءة عالية في الأوقات الصعبة جداً.

​أما في حالة غرق الولايات المتحدة في صراع طويل الأمد ومكلف، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام جي دي فانس لتعزيز موقفه السياسي القوي. فانس يراهن على النزعة المناهضة للحروب التي تتنامى داخل قاعدة ترامب الشعبية، مما يتيح له التميز دون الحاجة إلى توجيه انتقاد مباشر أو علني لسياسات الرئيس. وتعتمد استراتيجية فانس على الانتظار والترقب، مراهناً على أن الناخب الجمهوري قد يملّ سريعاً من التكاليف الباهظة للحروب المفتوحة التي لا تنتهي بانتصارات.

​وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها رويترز وإبسوس إلى تراجع ملحوظ في شعبية ترامب لتصل إلى مستويات متدنية، وهو ما يعكس القلق الشعبي المتزايد من ارتفاع أسعار الوقود. ويبدو أن الشارع الأميركي بدأ يشعر بوطأة الحرب اقتصادياً، مما يضع ضغوطاً إضافية على الإدارة الحالية لإيجاد مخرج سريع يحفظ ماء الوجه أمام العالم. هذا التراجع في التأييد يجعل من معركة الخلافة بين فانس وروبيو أكثر تعقيداً، حيث يحاول كل منهما تجنب الغرق سياسياً.

تحولات المواقف بين الولاء والمناورة السياسية

​يعكس المسار المهني لكل من فانس وروبيو قدرة هائلة على التكيف مع الواقع السياسي الجديد الذي فرضه ترامب على الحزب الجمهوري منذ صعوده القوي. فانس، الذي كان يصف نفسه سابقاً بأنه معارض شرس، تحول الآن إلى أحد أقرب حلفائه المخلصين، مستخدماً خلفيته العسكرية السابقة لدعم مواقفه السياسية الحالية. وتعتبر هذه المرونة السياسية سلاحاً ذا حدين، حيث يراقب الصقور داخل الحزب الجمهوري مدى صدق هذا التحول الجذري في المواقف والتوجهات الآيديولوجية.

​وفي ذات السياق، يسعى البيت الأبيض باستمرار للتقليل من شأن أي خلافات فلسفية عميقة بين الرئيس ونائبه الشاب، مؤكداً على وحدة الصف الجمهوري تماماً. وخلال اللقاءات الأخيرة في المكتب البيضاوي، حرص فانس على تأكيد دعمه الكامل لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي يهدد الاستقرار العالمي، تماشياً مع رؤية ترامب. ويرى مراقبون أن هذا التناغم الظاهري يخفي خلفه صراعاً صامتاً ومريراً على كسب قلب القاعدة الانتخابية الصلبة التي تتبع الرئيس الحالي.

​من جهة أخرى، يبدو ماركو روبيو أكثر ثباتاً في تحالفه الحالي، حيث نجح في تجاوز مرارة المواجهات الشخصية القديمة التي حدثت في الدورات الانتخابية الماضية. ويتمتع روبيو بعلاقة وثيقة مع الفريق الأمني، وهو ما يجعله الخيار المفضل للجناح التقليدي الذي يدعم سياسة ترامب الهجومية والصلبة تجاه الخصوم. إن قدرة روبيو على الهمس في أذن الرئيس في اللحظات الحرجة تعزز من مكانته كخلف محتمل يحظى بمباركة المؤسسات السياسية والأمنية الفاعلة.

مستقبل اليمين الأميركي في مرحلة ما بعد الحرب

​تظل تساؤلات ترامب حول المفاضلة بين فانس وروبيو هي المحرك الأساسي لكافة التحركات السياسية داخل أروقة واشنطن العاصمة، حيث يراقب الجميع بدقة لغة جسد الرئيس. ويقول استراتيجيون إن الرئيس يمتلك ذاكرة طويلة جداً فيما يتعلق بالولاء الشخصي، ولن يتردد في تهميش أي شخص يشعر بضعف انتمائه للفريق. وهذا الواقع يفرض على فانس وروبيو السير على حبل مشدود بين التعبير عن مواقفهم الخاصة وبين إظهار التبعية المطلقة لقرارات القيادة العليا.

​وقد أظهرت نتائج مؤتمر العمل السياسي المحافظ تفوقاً ملحوظاً لفانس، لكن روبيو حقق قفزة هائلة في نسب التأييد مقارنة بالأعوام السابقة بشكل أدهش المحللين. هذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن القاعدة الجماهيرية لم تحسم خيارها النهائي بعد، وأن نتائج الحرب الحالية ضد إيران ستكون هي الحكم الفصل. فإذا انتهت الحرب بنصر دبلوماسي أو عسكري سريع وحاسم، فقد تتغير هذه النسب والولاءات لصالح روبيو الذي تبنى النهج الأكثر صرامة.

​وفي خضم هذه الصراعات، يبرز احتمال طرح ترامب لفكرة ترشحهما معاً في بطاقة انتخابية واحدة قوية لضمان وحدة الحزب ومنع أي انقسامات داخلية قد تضعفه. ويرى البعض أن هذا السيناريو التوافقي قد يكون الحل الأمثل لإرضاء كافة أجنحة الحزب، حيث يجمع بين النزعة الانعزالية والخبرة الدولية في آن واحد. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول من سيكون له الريادة الحقيقية في تلك الشراكة المستقبلية، وهو ما ستحدده الأسابيع القادمة.

​إن مستقبل الحزب الجمهوري بات مرتبطاً بشكل عضوي بمدى نجاح أو فشل رؤية ترامب في التعامل مع الملف الإيراني الشائك والمعقد على الصعيد الدولي. فالحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بعيدة وراء البحار، بل هي أداة لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية في واشنطن وتحديد الزعامة القادمة لليمين. وسواء فاز فانس أو روبيو بالرهان الكبير، فإن ظلال الرئيس الحالي ستبقى مسيطرة على المشهد السياسي الأميركي لسنوات طويلة قادمة دون شك.

​تتجه الأنظار الآن نحو مخرجات المفاوضات السرية التي قد تنهي الصراع أو تدفع به نحو مستويات غير مسبوقة من التصعيد العسكري الشامل في المنطقة. وفي كلتا الحالتين، سيكون على فانس وروبيو إثبات جدارتهما أمام ترامب وأمام الملايين من الناخبين الذين ينتظرون رؤية قائد جديد يكمل مسيرة "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى". إنها لحظة تاريخية فارقة، حيث تلتقي فيها طموحات الأفراد مع المصالح القومية الكبرى للدولة الأميركية في صراع وجودي على النفوذ.

​يمكن القول إن الأسابيع الخمسة الماضية من الحرب قد كشفت الكثير عن الشخصيات القيادية المحيطة بالرئيس، وأظهرت كيف يمكن للأزمات الخارجية أن تعيد رسم الخارطة السياسية الداخلية. ترامب، بأسلوبه الفريد في إدارة التنافس بين مساعديه، يضمن بقاء الجميع في حالة تأهب قصوى لخدمة أجندته، بينما يتطلع هو بعين على التاريخ وعين أخرى على من سيحمل الشعلة من بعده في البيت الأبيض.

تابع موقع تحيا مصر علي