عاجل
الثلاثاء 31 مارس 2026 الموافق 12 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

الحسيني الكارم يكتب: رسائل من القاهرة.. حين يتحدث التوقيت والمكان

الحسيني الكارم
الحسيني الكارم

عندما تريد مخاطبة العالم برسالة حقيقية، فإن التوقيت لا يقل أهمية عن مضمون الرسالة، كما أن المكان له دلالاته، وكذلك من يتحدث. فالكلمات في السياسة لا تُقال عبثًا، بل تُختار بعناية، وتُوجَّه في اللحظة المناسبة، لتصل إلى أهدافها بأكبر قدر من التأثير.

ومن هنا، تأتي أهمية التحركات الأخيرة التي خرجت من قلب القاهرة، من “أم الدنيا”، ومن قيادة تدرك جيدًا كيف تُدار الرسائل السياسية في لحظات التوتر الدولي، بعقل استراتيجي يقرأ المشهد من زواياه المختلفة، ويخاطب كل طرف بلغته.

العالم اليوم يعيش على وقع أزمات متشابكة، في مقدمتها أزمة الطاقة وارتفاع أسعارها، وأزمة سلاسل الإمداد، خاصة مع حساسية الممرات البحرية والمضايق، ودور قناة السويس كممر حيوي للتجارة العالمية. هذه الأزمات لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت تمس حياة الشعوب بشكل مباشر، من نقص في بعض المنتجات، إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، وهو ما يضع ضغوطًا متزايدة على الحكومات في مختلف أنحاء العالم.

وفي هذا التوقيت تحديدًا، تأتي الرسالة المصرية من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لتضع النقاط على الحروف: أن استمرار الحرب لم يعد خيارًا مقبولًا، وأن كلفتها لم تعد تُحتمل، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا إنسانيًا.

الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل فقط، بل إلى العالم بأسره، وإلى القوى الكبرى تحديدًا. حين يتم توجيه الحديث إلى رئيس الولايات المتحدة، بوصفه قائدًا لقوة عظمى قادرة على التأثير، فإن ذلك يعكس إدراكًا لطبيعة موازين القوى، وفي الوقت نفسه يحمل بعدًا إنسانيًا يخاطب شعوب الغرب، ويدفعها للضغط على صناع القرار من أجل وقف نزيف الحرب.

هذه القدرة على مخاطبة مراكز القرار ومخاطبة الشعوب في نفس الوقت تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيث لم تعد القرارات الكبرى تُصنع في غرف مغلقة فقط، بل أصبحت تتأثر أيضًا بالرأي العام، وبالضغوط الشعبية، وبحجم الاحتجاجات في الشارع.

ومن المتوقع أن نشهد خلال الفترة المقبلة تصاعدًا في هذه الضغوط، سواء في الغرب أو في محيط المنطقة، مع تزايد كلفة الحرب على الجميع، اقتصاديًا وإنسانيًا. فالشعوب التي تتحمل أعباء الأسعار ونقص الإمدادات لن تظل صامتة طويلًا، كما أن المجتمعات التي تدفع ثمنًا بشريًا مباشرًا ستزداد فيها الدعوات لوقف النزاع وعودة الاستقرار.

في هذا السياق، تتحرك مصر من موقعها التاريخي والسياسي، ليس فقط كدولة معنية بما يحدث، بل كطرف يسعى إلى التهدئة، ويعمل على إعادة التوازن، ويُذكّر العالم بأن الحلول السياسية تظل هي الطريق الوحيد للخروج من الأزمات المعقدة.

إن الرسائل التي خرجت من القاهرة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيرًا عن رؤية تدرك أن استمرار الصراع يعني اتساع رقعته، وتعميق أزماته، وارتفاع كلفته على الجميع دون استثناء.

ويبقى السؤال: هل يستجيب العالم لهذه الرسائل في الوقت المناسب؟ أم ننتظر حتى تصل الأزمة إلى نقطة يصعب معها التراجع؟

في كل الأحوال، تظل مصر حاضرة، تقرأ المشهد، وتتحرك، وتخاطب العالم من موقع المسؤولية… ومن موقع الدولة التي تدرك أن استقرار المنطقة ليس خيارًا، بل ضرورة.

الحسيني الكارم

نائب رئيس حزب الإصلاح والنهضة لشئون المحافظات

تابع موقع تحيا مصر علي